عملية "زقاق الموت" في الخليل فخر صناعة حركة الجهاد الإسلامي

فلسطين اليوم - غزة
الساعة 10:15 م
17 نوفمبر 2022
عملية زقاق الموت

بقلم: عرفات عبد الله أبو زايد

لا يزال العاشر من رمضان 1423هـ، الموافق 15-11-2002، يوماً ساطعاً في تاريخ المقاومة الفلسطينية بشكل عام وسرايا القدس بشكل خاص، وذلك بسبب حالة الإعجاز والإبداع الذي أظهرته قيادة ومقاتلي سرايا القدس في مدينة الخليل بالتحديد، وذلك قبل وأثناء العملية البطولية في وادي النصارى بالقرب من مستوطنة كريات أربع، حيث تمكن ثلاثة من مقاتلي سرايا القدس وهم  الشهداء: ولاء سرور- أكرم الهنيني -  ذياب المحتسب، من تنفيذ أكبر وأعقد عملية اقتحام للمقاومة خلال العقود الأخيرة، وفي سياق نتائج العملية فقد أسفرت عن مقتل 14 ما بين ضابطاً وجنديا صهيونياً بينهم القائد العسكري الصهيوني في منطقة الخليل العميد "درور فاينبرغ".

في إطار بحث حيثيات تنفيذ سرايا القدس للعملية في وادي النصارى فإنها جاءت بعد أحد عشر يوماً فقط من تعيين المتطرف شاؤول موفاز وزيراً للحرب في كيان الاحتلال، وكذلك جاءت العملية في عقب التطرف الصهيوني المتصاعد الذي قام بعملية "السور الواقي" بالضفة المحتلة في ربيع العام 2002، بزعامة رئيس الوزراء الصهيوني المجرم أرئيل شارون، وكذلك المتطرف موشيه يعلون رئيس هيئة الأركان للجيش الصهيوني، حيث جاءت عبقرية التخطيط والتنفيذ بصورة مذهلة للعدو والصديق في آن واحد، وذلك لأن المنطقة التي نُفذت بها العملية البطولية تعتبر من أشد المناطق حراسة بسبب وقوعها في "الحي اليهودي" القريب من منطقة أبو سنينة الخاضعة للسيطرة الصهيونية، والأبرز تمثل في مدة العملية وحالة التمويه التي استخدمها منفذو العملية الثلاثة وقدرتهم على استخدام أسلوب الخديعة خلال سير العملية، وإعطاء انطباع لقوات الاحتلال بانتهاء العملية لأكثر من مرة ولكنهم كانوا يخرجوا مجدداً ليقوموا بإطلاق النار على ضباط وجنود الاحتلال الذين قالوا في شهادة المصابين منهم أن الهجوم كان مفاجئاً وأنهم شاهدوا "حرب حقيقية" تخيلوا فيها النيران "من كل الاتجاهات".

 

في إطار التحقيقات التي خرج جزء منها للإعلام العبري فإن المصادر الصهيونية أكدت بأن الكمين كان مدبراً بشكل بالغ الدقة، من خلال اختيار منفذي العملية اطلاق النار على مجموعة من مستوطني "كريات أربع" عائدين من الحرم الإبراهيمي، مما يتيح لأبناء سرايا القدس الثلاثة تضليل القوات الصهيونية واستهدافها في موضع آخر، وبسبب وجود معسكر قريب للجيش من المستوطنة فقد تنبأ منفذي العملية بأن تدفع قوات العدو بتعزيزات لتطويق المنطقة المستهدفة، وهكذا كان الهدف الرئيسي من العملية مهاجمة قوة الإسناد، التي انطلقت من معسكر الجيش قبل ان تكون متأهبة، وفي الموضع الذي لم تكن تتوقعه، واستهدف الهجوم وحدة القيادة في قوة الاسناد من اللحظة الأولى لمحاولة دخولهم مسرح العملية، وبالتالي يمكن القول بأن مقاتلي سرايا القدس الثلاثة تمكنوا بكل اقتدار وجرأة وعبقرية أن يستدرجوا قوات الاحتلال لميدان العملية، حيث تمركز المقاتلين في نقاط متفرقة وقاموا باستهداف كافة الوحدات الصهيونية المساندة التي كانت تأتي لميدان العملية، واشتبكوا معهم وجهاً لوجه وفاجئوا أحد الجيبات العسكرية المصفحة بأن فتحوا الباب وأطلقوا النار على الجنود داخله من مسافة صفر.

عبقرية سرايا القدس في التخطيط والتنفيذ لم تقف عند العملية فحسب، بل جاءت في عملية الخداع والتضليل التي مارستها على كافة أجهزة الأمن الصهيونية، فالاحتلال الذي كان يتبجح بنجاح عملية السور الواقي، وكان يسعى جاهداً لفرض كل أنواع الحصار على مدينتي جنين ونابلس ومنع تسلل أي مقاوم لتنفيذ عملية داخل الأراضي المحتلة عام 48، جاءت له ضربة قوية داخل الضفة وفي أكثر المناطق حراسة وتشديداً وهي مستوطنة كريات أربع في الخليل.

برزت ثمة علامات استفهام في الأوساط الأمنية الصهيونية عقب العملية حول كفاءة الجيش الصهيوني والقدرات الاستخباراتية لديه ومدى دقتها في تنفيذ عمليات استباقية لمنع حدوث عمليات من هذا النوع وبهذا الحجم، كما نوقش الأسلوب الذي ابتعه الجيش في إدارة معركة الخليل والثغرات المفصلية في السيطرة والاتصال والاستجابة السريعة للطوارئ، ولم تستطع المؤسستين العسكرية والسياسية في الكيان الصهيوني، تجنب الاعتراف بالهزيمة والخسائر الفادحة التي وقعت خلال العملية وعلى رأسهم قائد لواء الجيش الصهيوني في الخليل، واعترفت الأوساط الصهيونية بأن المجاهدين الثلاثة نجحوا في تحويل عدم التكافؤ في العديد والأسلحة إلى عنصر قوة وتفوق تكتيكي في صالحهم، ووصفت صحيفة يديعوت أحرونوت العملية بأنها "من أصعب الحوادث التي عرفها الجيش الإسرائيلي في الضفة والقطاع، باستثناء معركة جنين، منذ اندلاع الانتفاضة الحالية".

وفقاً لحوار أجراه الكاتب المصري عبد الرحيم علي، لصالح موقع "إسلام أون لاين نت" مع الدكتور الراحل رمضان شلح بعد خمسة أيام على وقوع عملية زقاق الموت، وفي معرض رده على سؤال عن العمليات العسكرية للمقاومة وإمكانية أن يؤدي ذلك إلى قيام إسرائيل بتدمير البنية الأساسية للمقاومة، حيث أجاب الدكتور الراحل: بأن فكرة تدمير المقاومة فكرة وهمية ومستحيلة في نفس الوقت.. قد تتلقى المقاومة –كما حدث من قبل- ضربات تحُدّ من فاعليتها ولكن لا تنهيها، التجربة أثبتت ذلك، فبعدما حدث في جنين اعتقد العدو أن عملية السور الواقي نجحت وأنه قام بتدمير بنية المقاومة التحتية، ثم اكتشف بعد استئناف المقاومة لعملياتها أنه كان واهمًا، وأن المقاومة هي التي هدمت ما سمي "السور الواقي".

وفي إطار اختلال موازين القوة المادية من حيث التسليح والتدريب والتجهيزات البدائية والمتواضعة لثلاثة مقاتلين من سرايا القدس وما يقابلهم من قوات مدججة بكل أنواع الأسلحة والتكنلوجيا المتقدمة، فقد عقب الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي المجاهد زياد النخالة عن عملية زقاق الموت بالقول: "لم يكن السلاح فقط يعمل في تلك الليلة، إنها عبقرية الذين خططوا...وروحية الرجال الذين قاتلوا في الميدان".

ولحفظ الحق والدم، كما قيل إن "السيف أصدق أنباء من الكتب" فإن دماء الاستشهاديين أبلغ من كل كلام، ولا يجب أن نغفل عن الأدمغة التي خططت لهذه العملية البطولية الشهيد القائد محمد سدر أبرز قادة سرايا القدس في الضفة المحتلة، والذي صرح وزير الحرب الصهيوني موفاز في تعقيبه على العملية قائلاً "في تلك اللحظة لابد من القبض على محمد سدر أو قتله، وقال هناك ثأر شخصي بيني وبينه"، وكذلك أبرز كوادر سرايا القدس الأسير نور جابر المحكوم (17) مؤبد على خلفية التخطيط لعملية وادي النصارى "زقاق الموت".