تصحيح لمفهوم التطرف

فلسطين اليوم - غزة
الساعة 11:32 م
13 نوفمبر 2022
ياسر عرفات الخواجا
ياسر عرفات الخواجا

تصحيح لمفهوم التطرف.. بقلم/ ياسر عرفات الخواجا

من المعلوم يقيناً أن فكرة الصهيونية التي تأسس على أساسها كيانا للاحتلال عام ١٩٤٨م وما سبق من مجازر وقتل وطرد للشعب الفلسطيني بقوة السلاح والتحالف والدعم الغربي الواضح و الذى لولاه لما قام كيان للاحتلال. 
لقد ساهمت  الفكرة الصهيونية في بناء أدبيات وثقافة المجتمع الصهيوني على أسس القتل والعنف والإرهاب والكراهية للعرب والفلسطينيين، وبناء عليه تغذت وتربت عقول ونفوس المجتمع الصهيوني الحاقد القاتل، وتترجم ذلك بالسلوك الشاذ المبنى على العنف والإرهاب والنزعة العنصرية والتعالي على حق شعبنا الذى تعرض لأبشع صور الإرهاب والمجازر وشلالات الدماء والتهجير من أرضه ووطنه ليستوطن مكانه شذاذ الأرض من شرقها وغربها .

وعلى إثر هذه الفكرة نشأت نزعة العنف والإرهاب في أوساط الشعراء والأدباء الصهاينة ودُور التعليم والمدارس، والتي أصبح همها الأساسي وشغلها الشاغل بعد النكبة وقيام الكيان الاحتلالى  هو استمرار  شحن العقلية الصهيونية منذ بداية النشأة والصغر على أسس ومنطلقات الكراهية والإرهاب للشعب الفلسطيني؛ من خلال توظيف الروايات والقصص والأشعار الموجهة، من أجل ضمان استمرار بناء وصقل الشخصية الصهيونية على هذا السلوك الفاشي  والعنصري المتساوق مع الأيدولوجية الصهيونية. 

ولقد حرص المؤسسون للفكرة الصهيونية أشد الحرص على أن يجعلوا من الأيدولوجيا التي تحمل في عمقها الكراهية والعنصرية وسلوك القتل والعنف والاستيطان واستباحة الأرض وهضم حقوق الغير نهجاً وأسلوباً وممارسة تؤمن به وتتبناه الأجيال الصهيونية اللاحقة،  وتشكل لهم دافعاً ومنطلقاً مستديماً للقتل والإرهاب؛ وذلك من خلال تشرب ثقافة التفوق العنصري ونزعة التعالي والاحتقار، وترسيخ هذه الصورة الذهنية تجاه الآخر في السلوك والممارسات.

إن الدوافع النفسية والسلوكية الحقيقية التي تقف خلف هذه التعبئة وزرع بذور العنف لهذه المجتمع هو الخوف الحقيقي الذي ينبع من السعي الحثيث للمحافظة على استمرارية الاحتلال والنهب والسرقة والاغتصاب للأرض والإنسان الفلسطيني، وشعور الاحتلال الدائم بعقدته الأمنية، و بأنه جسم غريب ومحتل لا يمكن أن يستمر في ذلك إلا عبر دوامة القتل والدماء والاشلاء. وإن ما نراه اليوم من سلوك القتل والإرهاب والاعدامات ومصادرة الأراضي وتدنيس المقدسات وفرض الوقائع الاحتلالية الجديدة بحق الأقصى هو نتاج لهذه الدوافع الأدبية والثقافية العنصرية التي يتغذي عليها المجتمع الصهيوني برمته من العلمانيين واليساريين واليمنيين والمتدنيين.

وإن هذا التعريف السابق، وهذه الصورة  الواضحة عن حقيقة المجتمع الصهيوني الإرهابي القاتل المجرم بكل مكوناته وثقافته ومراجعه وأديباته يدفعنا إلى الحذر من الولوج والوقوع في غبش المصطلحات التي يحاول من خلالها الصهاينة خلق عدة صور عن المجتمع الصهيوني وشخصياته وأحزابه، وذلك من خلال  سياق تسويق بعض المصطلحات كالتطرف وغيرها؛ الامر الذي من شأنه أن يعزز في الصورة الذهنية للمتلقي بأن هناك في المجتمع السياسي الصهيوني شخصياتٍ وأحزابًا متطرفة وأخرى أقل تطرف ومسامحة، حيث إن البعض من كتبة المقالات والمحللين روَّجوا في كتاباتهم -من حيث لا يدرون- لهذا الرؤية وهذا المفهوم، الأمر الذي يتعارض مع النظرة الاستراتيجة للتصور الوطنى  الفلسطيني لهذا الكيان الذي ينتج ويفرز الأحزاب والشخصيات والحكومات. 

وإن تسويق مصطلح التطرف الذي أطلق على ( بن غفير) الذى طالب بوزارة الداخلية، (وسموترتيش) الذى طالب بوزارة الحرب، وتسويق التشكيل الائتلافي الذي يقوم بتشكيله (نتانياهو) على أنها حكومة يمنية متطرفة، فالإرهاب والتطرف الصهيوني لم يتوقفا  يوماً منذ قيام الكيان المزعوم الذى  يمثل قيامه ووجوده المستمر التهديد الدائم لشعبنا، علماً أن الذين قادوا عمليات الإرهاب ضد شعبنا الفلسطيني في كل أماكن تواجده هم من كل الشرائح والأطياف الصهيونية المختلفة، فهذا (باراك) القاتل المحسوب على اليسار العلماني الذي وقف خلف معظم عمليات الاغتيال والقتل لقادة شعبنا في منظمة التحرير آنذاك، وهذا (آرئيل شارون) اليميني المجرم الذي وقف خلف اقتحام المسجد الأقصى ومجازر صبرة وشاتيلا وغيرها من المجازر، وهذا (رابين) اليساري العلماني الذي أنشأ فكرة كسر العظام والقتل بدم بارد للمتظاهرين في الانتفاضة الأولى عام ١٩٨٧م، وهو الذى يقف خلف قرار اغتيال الشهيد الدكتور فتحي الشقاقي، وهذا (بيرتس) الثعلب السياسي اليساري العلماني الذي وقف خلف (مجزرة قانا) والتي كان العالم كله شاهدًا على ظلمها وفظاعتها.


وكما شاهدنا أيضأ الائتلاف الحكومي الصهيوني بين اليمين واليسار  بقيادة (بنت - لبيد) في تحالف واضح مارس شتى 
أنواع  القتل لشعبنا، وقد شاهدنا ممارساتهم السلوكية الإجرامية الميدانية في الاقتحامات والتوغلات بأعداد كبيرة من المستوطنين اليمنيين للأقصى، في مشهد لم يسبق له مثيل  فيما يخص المقدسات والأقصى منذ احتلالها عام 1967م، وسعيهم الحثيث في تثبيت معادلة التقسيم الزماني والمكاني للأقصى؛ من أجل تنفيذ المخططات التلمودية الوهمية، والتي ستقود إلى هدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل المزعوم، إضافة إلى أحداث القتل المتواصلة بحق شعبنا في القدس والضفة الغربية على أيدي هؤلاء القتلة الذين تشربوا وتشبعوا ثقافة القتل والإرهاب...بحق شعبنا.


الخلاصة:
ليس هنالك حالة انتقاء في وصف التطرف من عدمه تجاه من يحتل أرضنا ويقتل شعبنا، وعلينا أن نحتاط بنظرة شاملة واعية وتصور كامل لكل مكونات الاحتلال  على أنها برمتها متطرفة...