القدس وإستراتيجية تهويدها

فلسطين اليوم - غزة
الساعة 10:18 م
25 سبتمبر 2022
ياسر عرفات الخواجا
ياسر عرفات الخواجا

القدس وإستراتيجية تهويدها.. بقلم/ ياسر عرفات الخواجا

منذ اللحظات الأولى لاحتلال القدس عام 1967م لجأ العدو الصهيوني إلى استراتيجية العمل الاستيطاني والتهويدي لكل مناطق ومعالم القدس والمسجد الأقصى وما يحيط بهما، حيث كانت بداية تلك الخطوات بإجماع صهيوني متفق عليه من كافة الأحزاب الصهيونية - اليمين واليسار، وذلك ضمن خطة (الفكرة المتدرجة) وتتمثل بالتالي: التفريغ والإحلال، تغيير الأسماء والمعالم، وفرض واقع جديد واستمرت الحكومات الصهيونية المتعاقبة بتنفيذ تلك الخطة، واضعةً البرامج والسياسات والأليات والخطوات التكتيكية التي تساعد في تنفيذ تلك الإستراتيجية، فبدأت بالأساس بتفريغ السكان الفلسطينيين من قلب المدينة المقدسة والبلدة القديمة ومحيطهما، وتمكين المستوطنين من الإقامة والسيطرة على بيوتهم وممتلكاتهم وأماكنهم، وأقامت الوحدات الاستيطانية التي تعمل على تغيير الواقع  الديمغرافي للمدينة المقدسة.

فبعد احتلال القدس، والإعلان عن حدود بلدية القدس التي سيطر عليها العدو فى عام 1967م، تسارعت السياسة الصهيونية الممنهجة في قضم الأراضي والسيطرة على مساحات كبيرة وواسعة منها، وإفراعها من الفلسطينيين؛ لجعلهم أقلية بعد أن كانوا أغلبية، ففي ذلك الوقت ضمت بلدية القدس التي يسيطر عليها الصهاينة ما يقارب من26 قرية ومدينة فلسطينية؛ لتأخذ المدينة وحدودها بعد ذلك وضعًا ديمغرافياً وسياسياً وأمنياً جديدًا وغريبًا. 

  وبالفعل، منذ ذلك الوقت والاستراتيجية الصهيونية أخذت على عاتقها مسؤولية التغيير والتوسع، حيث بدأت الآليات والجرافات الصهيونية على رسم وتغيير المعالم الحقيقية لمدينة القدس والمقدسات، بهدف الأسرلة والتهويد لكل مكونات ومعالم المدينة المقدسة، وفرض وقائع جديدة على الأرض.

وتهدف حالة التهويد والأسرلة والصهينة من ذلك، فرض تصورات واقعية جديدة، تستحيل معها أية محاولة لإعادة الواقع كما كان سابقاً أمام هذا التعقيد والتغيير الديمغرافي الكبير والخطير، والذى يصب فى مصلحة هذا التصور الإحلالي، والذي تمثل بوضع الأساسيات لبناء الأحياء الاستيطانية الكبرى فى القدس الشرقية، ومحاصرتها من كل الجهات؛ لالتهام المدينة وتهويدها على كل المستويات.

 واستمر مسلسل السيطرة على الأراضي المقدسة أيضًا من خلال عزل المدينة عن محيطها، وتشريع وتنفيذ عمليات الطرد والتهجير القسري للسكان بكل الوسائل العنصرية غير الشرعية، والتي تنم عن الحالة السادية الإجرامية للفكر الصهيوني الإجرامي، والذي كان يحركه رغباته التلمودية الزائفة  تجاه مدينة القدس والمقدسات؛ لتسهل عليهم إقامة الدولة العنصرية (اليهودية)، والتفرد بالقدس كلها شرقها وغربها؛ لتكون عاصمة الدولة المارقة العنصرية.

ولم تكتف الدولة الصهيونية بتلك الأفعال فحسب، بل شكل الصهاينة نهجاً ترويجياً على المستوى الإقليمي والدولي بعد هذا التغيير الديمغرافي الخطير الذي صنعوه، محاولين بذلك تسويق هذا التغيير الاحتلالي، وخلق صور ذهنية فى عقلية العالم أن ما قامت به الدولة المارقة هو الذى سيبقى عليه الحال في حال أي توافق مع الفلسطينيين، وإن ما قام به ترامب من نقل للسفارة الأمريكية من (تل أبيب) إلى القدس دعمًا وشرعنة واضحة لما قام به الاحتلال تجاه القدس.

كذلك فإن عملية الانتهاكات المتراكمة بحق مقدساتنا فى ظل غياب رادع عربي وإسلامي ودولي للعدو، وفى ظل غياب المشروع الوطني الحقيقي الجامع الذى غيبته أوسلو اللعينة، والانقسامات التي فى ظلها استغلت الصهيونية الوضع السياسي الصعب للفلسطينيين؛ فزادت من انتهاكاتها وخطواتها الاستيطانية بشكل متسارع، وقد أعطى الانقسام للعدو شرعية لكل مسلكياته الإجرامية تجاه القدس تحت مبرر أنه لا يوجد هناك شريك فلسطيني، مما شجع الصهاينة على التقدم بشأن تجهيز المنطقة لإقامة وإعلان الدولة العنصرية اليهودية بعاصمتها القدس (شرقيها وغربيها).

وفى ظل هذا التسارع الصهيوني المحموم في تثبيت معادلة الوجود الزماني والمكاني داخل  المسجد الأقصى، وهذه الجرأة في ممارسة الطقوس التلمودية الزائفة والمفترية على الحقائق، من أجل تحقيق ملكيتهم على الأقصى، حتى يقوموا لاحقًا بهدمه وإقامة حلمهم التلمودي وهيكلهم المزعوم على أنقاضه، في ظل واقع عربي وإسلامي ذليل وضعيف ومطبع مع الاحتلال، وفى ظل واقع دولي متماشٍ ومتوافقٍ مع تطلعات الدولة اليهودية العنصرية، وتجاهل كامل لكل الحقوق الفلسطينية وعلى رأسها موضوع القدس.

إذاً، فالمطلوب أمام هذه الحقائق التي يظهر فيها الضعف والعجز العربي والإسلامي وحتى الفلسطيني وغياب (المشروع الوطني الجامع)، هو إيجاد استراتيجية تحمى القدس والمقدسات، وتواجه مخططات العدو الصهيوني التي هي الآن فى موقع متقدم فى تهويد وصهينة القدس والأقصى.