شريط الأخبار

فهمي هُوَيْدِي: تَنَاقُضُ الْمَوَاقِفِ يَعُوقُ الْمُصَالَحَةَ الْعَرَبِيَّةَ

10:39 - 10 حزيران / مايو 2009

فهمي هُوَيْدِي: تَنَاقُضُ الْمَوَاقِفِ يَعُوقُ الْمُصَالَحَةَ الْعَرَبِيَّةَ

فلسطين اليوم- وكالات

يُعَدُّ الكاتبُ الصحفي فهمي هويدي، ذو التوجه الإسلامي، من أبرز الكُتَّاب، الذين يتم نشر مقالاتهم بشكلٍ مُتَزامِنٍ في العديد من الصحف في العالم العربي، فهو، وإن كان لا يُخْفِي مواقفه وتحيُّزَاتِه، إلا أنه يحرص دومًا على الالتزام بالمعايير المهنيةِ كصحفيٍّ مُحْتَرِفٍ، ما يجعل كتاباتِه تَحْظَى بالقبول والاحترام لدى شريحةٍ واسعةٍ من القُرَّاء العرب.

وفي هذا الحوار، يقدم هويدي لقراء شبكة "الإسلام اليوم" إضاءاتٍ على العديد من الملفاتِ الْمُعَقَّدَةِ في المنطقة، سواءٌ فيما يتعَلَّقُ بالملف الفلسطيني، أو على صعيد العلاقات العربية، التي شهدت في السنوات الأخيرة انقسامًا حادًّا على خلفية التمييز بين معسكرٍ للاعتدال، وآخَرَ للمُمَانَعَةِ، فكل معسكر يَدَّعِي أنه الْمُمَثِّلُ الحقيقي لآمال وطموحات الشعوب، بينما باتت المنطقة ساحةً مستباحَةً للعديد من القُوَى الإقليمية، التي تَسْعَى لمزيدٍ من التواجد والتَّغَلْغُلِ لتحقيق طموحاتها ومصالحها.

كما يرصد هويدي آفاق الحوار الفلسطيني- الفلسطيني ، وأبعادَ ما يتَرَدَّدُ عن إعادة إعمار غزة، مُؤَكِّدًا أن ذلك لا ينبغي أن يكون مرهونًا بتجاذُبَاتٍ سياسية، هذا بالإضافة إلى جوانب أخرى تطرق إليها الحوار.

 ما هي قراءتك للمعطيات التي أفرزها العدوان الإسرائيلي، فلسطينيًّا وعربيًّا؟

 من المؤكد أن الحرب الإسرائيلية على غزة أكَّدَتْ بالدرجة الأولى قوةَ المقاومة الفلسطينية في مواجهة الآلة العسكرية الإسرائيلية، وعكستْ في الوقت نَفْسِهِ قُدْرَةَ الشعب الفلسطيني على الصمود. كما أنها عكستْ ضَعْفَ الحكومات العربية، وعَجْزَ بعض المواقف العربية، وهو ما أَدَّى لتقاعُسٍ عَرَبِيٍّ تُجَاهَ دعم القضية الفلسطينية، ومن ثَمَّ  كان التقاعُسُ عن عدم إغاثة الشعب الفلسطيني على مستوى بعض الحكومات.

هذا التقاعس تسبب في تأَخُّرِ انعقاد مؤتمر وزراء الخارجية العرب، كما أدَّى إلى رفض التئامِ مؤتمرِ القِمَّةِ الذي دَعَتْ إليه الدوحة وقتَ الحرب على غزة.

بالمقابل أثبتَ هذا العدوان حضورَ الشارع العربي، وحالةَ التَّوَهُّجِ التي ظهر عليها داعمًا ومُتَعاطِفًا مع المقاومة الفلسطينية في مواجهة آلةِ الحربِ الإسرائيلية، وهذا بالطبع ليس بالقليل. وكما أشرتُ، فإن هذه التطوراتِ لم تكن وليدةَ الظروف الرَّاهِنَةِ، ولكنها نشأتْ مع الحربِ الإسرائيلية على لبنان في العام 2006، وهى الحرب التي أثبتتْ عَجْزَ إسرائيل عن مواجهة العَمَلِ الْمُقَاوِمِ في العالم العربي، إلى أنْ أكَّدَتْ ذلك مجددًا المقاومةُ في غزة.

الحوار الفلسطيني

 بعد انتهاء الحرب الإسرائيلية على غزة، ظهرتْ رَغْبَةٌ مصريَّةٌ في إِحْدَاثِ حالةٍ من الحوار الفلسطيني- الفلسطيني، إلّا أنّ النتائج ما زالتْ مُتَوَاضِعَةً، فما تفسيرُكَ لذلك؟

 على ما يبدو فإن المشاكل بين الأطراف عميقةٌ للغاية، والأمورُ تحتاج إلى نزاهةٍ من الأطراف الْمُتَحَاوِرَةِ، وليس مطلوبًا من الأطراف المتحاورةِ تغليبُ طَرَفٍ على طَرَفٍ، بِقَدْرِ ما هو مطلوبٌ منها أن تتعامل بكلِّ ما من شأنه أنْ يَخْدُمَ القضية الفلسطينية.

ومن الضروري ألَّا يَتِمَّ ِتعليق قضايا كالإعمار على الجانب السياسي، وإني لأندهش في الحقيقة مما يُقَال من أنّ الإعمارَ ينبَغِي أن ينتَظِرَ المصالحة. أعتقد أنه لو كانت هناك رَغْبَةٌ جادَّةٌ في إعادة الإعمار، فإن ذلك سيكون مُهِمَّةَ الهيئاتِ والجِهَاتِ الدَّوْلِيَّةِ المعنية بهذا الخصوص.

 في هذا الإطار، هناك مَنْ يذهب إلى أن هدف الإعمار بالأساس هو محاولةُ إقصاءِ حركاتِ المقاومة، وتحديدًا حركة "حماس"، فهل هذا صحيح؟

 بالفعل، هناك محاولةٌ لاستخدام قضية الإعمار للابتزاز وإِقْصَاءِ حركات المقاومة، ومنها بالطبع حركة"حماس"، ولكن من الضروري في المقابل عَدَمُ الرَّبْطِ بين نتائج المصالحة وإعادة الإعمار، ولذلك أجد الربط بينهما غَيْرَ مُبَرَّرٍ. ومن الأهمية بمكان أن يكون إعادة إعمارِ غزة – إن كانت هناك رغبةٌ في ذلك- بعيدًا عن التَّجَاذُبَاتِ السياسية؛ لأن هذه التجاذباتِ لو دخلت في هذا الأمر، فإن ذلك سيكون له مردودٌ وانعكاساتٌ على القضية الفلسطينية، ليست في صالحها.

 رغم تَحَرُّكِ الجانب المصري لإنهاءِ الخلاف الفلسطيني – الفلسطيني، إلا أنّ هناك مَنْ يرى أنّ هناك تراجُعًا في هذا الدور، فما أسباب هذا التراجع بتقديرك ؟

 من الضروري جدًّا أن تكون هناك إرادَةٌ سياسة في مثل هذه الأمور، وحقيقةً أريد أن تكون عباراتي خفيفة؛ حيث أرى أنّ هناك انحيازًا للموقف الغربي، بِشَكْلٍ يفوق انحيازَ الدور المصري للمواقف العربية المستقلة!

وللأسف الشديد وجدنا تأثيرا لهذا الانحياز على الموقف المصري الذي ينبغي أن يكون داعمًا للموقف الفلسطيني، بل كان له تأثيرٌ كبيرٌ على حساب الموقف الفلسطيني. وهنا نقف عند ظهور ما يُسَمَّى بدول الاعتدال، فقد ظلت هذه الدول طوال 22 يومًا، هي عُمُرُ العدوان على غزة، لا تفعل شيئًا في ظل هَمَجِيَّةِ العدوان، في الوقت الذي كان يُمَارَس فيه بحق الشعب الفلسطيني ما يُشْبِهُ عمليات إبادةٍ جماعية.

لاعبون جدد

 أمام كل هذه الأجواء، هل تعتقد أنّ ضعف الدور المصري أدّى إلى بروز أدوارِ أطراف إقليمِيَّةٍ فيما يتعلق بالملف الفلسطيني، وأن الأمر لم يعد قاصِرًا على الدور المصري، الذي كان فاعلًا مُحْتَكِرًا لهذا الملف؟

 كما هو معروف ، فإن العدوان على غزة فَتَحَ الباب لأدوار أخرى، منها الدور التركي على سبيل المثال، وشهد صُعُودَ دورٍ إيرانيٍّ في الوقت نفسه - لكن في الوقت نفسه –  لا غِنَى عن الدور المصري، خصوصًا إذا كان إيجابِيًّا، ومُحَايدًا، وإن لم يتحقق ذلك للدور المصري، فإن ذلك سيكون ضارًّا كثيرًا بالقضية الفلسطينية.

 كيف يمكن فَهْمُ هذا الحياد، في الوقت الذي ينبغي أن يكون فيه الدور المصري بالأساس داعمًا للموقف الفلسطيني في مواجهة الصلف الاسرائيلي؟

 ما أقصده من حيادٍ للدور المصري، أن يكون هناك حفاظٌ على مسافَةٍ واحدة في التعامُلِ مع مُخْتَلِف الأطراف الفلسطينية، وأنه حينما يتوَسَّطُ فلا ينبغي أن يجورَ على طرفٍ لحساب الآخر. وأفهم أن الحياد الحقيقيَّ يكون دفاعًا باستمرارٍ عن ثوابت القضية الفلسطينية، وليس بالضرورة تَأَثُّرًا بضغوطٍ أجنبية .

 هناك مَنْ يرى أنّ ضعف الدور المصري تُجَاهَ القضية الفلسطينية أو غيابَهُ بالأحرى، يأتي نتيجةً لحالات الاختناقِ التي يُعَانِي منها المجتمع المصري؟

 لا أظن هذا، وأعتقد أنّ تراجُعَ الدور المصري مُتَعَلِّقٌ بالإرادةِ السياسية، وإن كان هذا لا يَمْنَعُ من وجود مشاكِلَ داخِلَ المجتمع المصري، لكنها ليست السببَ وراء ضَعْفِ أو تراجُعِ الدَّوْرِ المصريِّ تُجَاه دَعْمِ القضية الفلسطينية. ولذلك لا أَتَّفِق في أن تكون أمراض الجسم الواحد سببًا في عدم تَبَنِّي مواقفَ ثابِتَةٍ وراسخةٍ له. وأستَشْهِدُ في ذلك بالمواقف التي ظهرتْ أخيرًا، مثل الموقف التركي، فمن المعلوم أن أنقرة لديها مشاكل، لكنّ ذلك لم يَمْنَعْهَا من تَبَنِّي مواقِفَ سياسية.

مصطلحاتٌ جديدة

 لماذا أصبحنا نسمع عن مصطلحات جديدة، كـ "دول الممانعة"، و "دول الاعتدال"، وهى المصطلحاتُ التي لم تكن سائدةً طوال العَقْدَيْنِ الماضيين في الخطاب العربي؟

 لا أرى إشكالية في المصطلح ، لكنّ المهم تناوُلُ ما يُعَبِّر عن المصطلح ذاته. ولا شك أنّ الناظر اليوم في حال العالم العربي لا يَجِدُهُ يُعَبِّرُ عن كتلة عربيةٍ واحدةٍ، نظرًا لوجود قُوًى في اتجاه، وأخرى في اتجاه آخر، وهذا هو التوصيف الصحيح للموقف القائم بالعالم العربي.

 البعض يرى أن الحرب على غزة هى التي أفرزتْ مثل هذه المصطلحات، وأنها لم تكن قائمةً من قَبْلُ بين الدول العربية؟

 لا أتفق مع هذا الرأي، لأنه تم اختبارُ مثل هذه الأجواء في الحرب على لبنان، بمعنى أن مثل هذه التبايُنَاتِ كانت قائمةً منذ عامين تقريبًا. وأعتقد أنها عادتْ للظهور أثناء وبعد الحرب على غزة ، ولكنّ بداياتِها كانت مع الحرب الاسرائيلية على لبنان في العام 2006،  فمن يومها والمواقف العربية متباينة، ولذلك تفاوَتَتِ الأمور، وظهر عُمْقُ الخلاف في الفترة الأخيرة.

سقف منخفض

 في ظل هذه الظروف هل تعتقد أنّ القمم العربيةَ استطاعتْ أن تُحَقِّقَ الحدَّ الأدنى من المصالحة العربية؟

 أعتقد أن الأمور من الصعوبة بمكانٍ أنْ تُحَلَّ في قمةٍ واحدة، خاصةً وأننا وجَدْنَا في الفترة الأخيرة العديدَ من القمم العربية، منها قِمَّةُ غَزَّةَ التي عُقِدَتْ في الدوحة، ثم القمة الاقتصادية التي عُقِدَتْ في الكويت، وبعدها القمة الرباعية التي عُقِدَتْ في الرياض، فكل هذه القِمَم شهدتْ كثيرًا من الأحاديث حول وَحْدَةِ الصف العربي وتنقية الأجواء.

ولذلك فإن الأمورَ على ما يبدو أكثرُ عُمْقًا وتعقيدًا من أنْ تَحُلَّها قمةٌ واحدة، أو أن تلتئم الخلافاتُ العَرَبِيَّةُ في اجتماعٍ واحد، وغايةُ ما هنالك أننا نأمُلُ في أن تكون القمم فُرْصَةً لوقف "القَصْفِ الْمُتَبَادَلِ" بين الدول العربية.

والْمُتَأَمِّلُ في القمة الرباعية التي عقدت بالكويت، يجد أن الرئيس السوري بشار الأسد تحدَّثَ عن كيفية إدارة الخلاف ، وهو ما يعني أنّ هناك خلافاتٍ قائِمَةً، وأنها بحاجةٍ إلى مَنْ يُدِيرُهَا بشكلٍ لا يُفَجِّرُها. والمؤكد أن الأمور ليستْ في كلامٍ طيِّبٍ يُقَال، وإن كان هذا أيضًا مُهِمًا، إلا أنه من الضروري تنقيةُ المواقف السياسية؛ لأن من الواضح أن هذه المواقِفَ بها الكثيرُ من التناقض، يَصْعُبُ معه التصالح.

 

انشر عبر