عقل الفيلسوف وثأرية القبيلة

فلسطين اليوم - غزة
الساعة 06:58 ص
18 سبتمبر 2022
محمد فارس جرادات
الكاتب محمد جرادات.jpg

الجنرال الفيلسوف؛ توصيف كامل يلخص مجمل السياسة الإسرائيلية، فيما أطلقه الإعلام العبري على رئيس أركان الجيش الجديد؛ هرتسي هليفي، بتفاخر سطحيّ، وهو توصيف يعكس دوامة هذا الكيان وهو يتخبط في عقده الأخير، بين اعتباره العلماني الديمقراطي المنبثق عن قيم الحضارة الغربية المعاصرة، في تقديسها للعلوم الفلسفية التي أطلقت الثورة الصناعية على أطلال التحجر الديني الكنسي، وبين الاعتبار الديني اليهودي اليميني المتطرف الذي يمسك بكامل تلابيب هذه السياسة الوحشية، وهي تمازج بين التطرف الديني والتطرف العلماني، في طبيعة ائتلافها الحاكم.

قائد الأركان الجديد هذا، يشغل منصب رئيس الاستخبارات العسكرية في جيش الاحتلال منذ 2014، وهو حاصل على درجة البكالوريوس في الفلسفة وإدارة الأعمال من "الجامعة العبرية" في القدس، ودرجة الماجستير في إدارة الموارد الوطنية من "جامعة الأمن القومي في واشنطن"، بما يؤهله للوهلة الأولى، لرؤية حقيقة الميدان وخلفياته الاجتماعية، وتفاعلاته السياسية، وهي حقائق عبّر رئيس الشاباك؛ رونين بار، عن عجز جهازه الضليع في مواجهتها، بقوله أن الأوضاع الميدانية في الضفة أسوأ مما يتم تداوله في الإعلام.

سبق لرئيس أركان إسرائيلي سابق، هو موفاز، أن أطلق قبل أكثر من عقدين من الزمن، مسمى "كيّ الوعي" في عمليات جيشه الوحشية، والتي حاول في ذروتها مسح جنين عن الخريطة بالجرافات والبلدوزرات والدبابات والطيران الحربي، فخسر العشرات من ضباطه وجنوده في معركة غير متكافئة، فإذا بجنين بعد عقدين، تدفع الوطن نحو الاشتباك الدائم، عبر جيل ولد على سياسة "كيّ الوعي" فإذا بهذا الوعي يستعيد ذاته الجذرية، ليرى إسرائيل مجرد مستوطنة يجب أن تزول، كما زالت نتساريم من غلاف غزة قبل أقل من عقدين من الزمن.

يأتي الجنرال الفيلسوف؛ هليفي، لاستلام جيش يشن هجمات شبه يومية على جنين، لإنهاك كتيبتها التي أطلقتها سرايا القدس عقب معجزة نفق الحرية، وهو يجد كتائب جيشه في كفير والناحال، تتعرض لضربات نوعية، فكتيبة كفير تلقت ضربة في الغور، والناحال فقدت قائداً في حاجز الجلمة، بما يسارع لتحول هذا الجيش نحو شريعة القبيلة الثأرية، في معظم هجماته، وهو يتماهى مع تحريض إيتمار بن غفير، في وقت تعطي استطلاعات الرأي للانتخابات القادمة، بن غفير هذا، مقاعد أكثر، مع تصاعد سلوكه الصبياني، وهو يواكب كل هجوم فاشل للجيش، داعياً لاستخدام الطائرات في قصف التجمعات الفلسطينية حتى دون خطر أمني محدق.

إن تتبع طبيعة الهجمات الأمنية الإسرائيلية في جنين والضفة، يجد غالبها ثأريّ، وليس أمني، فهو انسياق خلف البروبغندا الإعلامية ليوني بن مناحيم وأمير بوخبوط، وغيرهما من شلة المخضرمين في الإعلام العبري، فقد جاء الهجوم على قرية كفر دان غرب جنين، والذي استشهد فيه صبيّ فلسطيني وأصيب كثيرون، بعد قيام اثنين من أبنائها بمهاجمة حاجز الجلمة الذي يذيق المواطنين الفلسطينيين الذل منذ عقود، وهو ما حصل سابقاً، بعد عملية حومش ضد الحارثية، وبعد عملية تل أبيب ضد يعبد، وبعد عملية ديزنجوف ضد المخيم، وبعد عملية الغور ضد الحي الشرقي في جنين، وفيها وغيرها الكثير، نزف الدم الفلسطيني، في رسالة صريحة أن الجيش الإسرائيلي يثأر لجنوده بقتل المدنيين الفلسطينيين.

والأمر ربما تجاوز العقلية الثأرية القبلية، لما هو افتعال أحداث ودمغها بأثر سياسي أمني، وهو ما حصل بعد القتل الإسرائيلي للإعلامية شيرين أبو عاقلة، عندما عاد هذا الجيش بعد يومين من الجريمة لذات المنطقة، ليحاصر شاباً فلسطينياً، هو الأسير محمود الدبعي، زاعماً أنه الخزنة السرية للجهاد الإسلامي، وقد تم قصف منزله بالصواريخ، وخسر الجيش وقتها ضابطاً برصاص شباب الكتيبة التي هرعت لمواجهة هذا الهجوم، ليتبين لاحقاً، أن الشاب خضع على مدار شهرين لتعذيب شديد في أقبية التحقيق، ليقول أيّ كلمة يتهم بها نفسه بإطلاق النار تجاه المكان الذي قتل به الجيش شيرين، بما يؤكد حقيقة السياسة الأمنية لهذا الجيش، في وقت تَطلّب أن يقوده رجل فلسفة، لعله عبرها يعي حقائق ما خلف الميدان العسكري.

والفلسفة حب الحكمة، وفق الفهم الإنسانيّ، ولكنها وفق العقل الليبرالي أو الصهيوني، تعني سبر غور المادة لاكتشاف بواطنها، وهي في عقل جنرال يحتل مقدرات شعب آخر، لا تتجاوز فلسفة الميدان القتالي، ليُعمِل ملكات خبثه في إدارة المعركة توفيراً لذرائعها، بما يجعل الوحشية ضد جنين، رأفة بساكن تل أبيب وأرئيل، وهو ساكن من أصل أوكراني أو أمريكي، يحمل عدة جوازات سفر، على حساب لاجئ فلسطيني تم تهجير جده من يافا ليسكن أزقة المخيم، وليس من حقه أن يقاوم جنوداً يقتحمون بيته وهم مدججون بأعتى أسلحة الغرب، بما يتطلب استدعاء علم الفلسفة وتطويعها بعد فشل المنظومة الإعلامية، بما فيها التطبيعية، عن تسويغها للرأي العام العالمي، وقد أخذ يبصر بعض حقائق الظلم الذي طال أمده على الشعب الفلسطيني.

عجزت فلسفة أرسطو في مهدها عن تسويغ العبودية لأثرياء أثينا، فهل تنجح فلسفة جنرال في تسويغ الوحشية، وقد نهض في قضم أسنانها شبان يافعون يملكون ثقافة تدحض كل فلسفات الغرب وأباطيله، إنها ثقافة أحمد عابد؛ الذي ظهر في فيديو سابق وهو بلباسه العسكري الرسمي، يربط أحزمة حذاء عجوز باب المسجد، وعندما صاغ حروف وصيته قبل الهجوم على وكر الجلمة الاحتلالي، ختم قائلاً لإخوانه :"يجب أن ندرك أن القضية الفلسطينية، ليست قضية سياسية ولا تنظيمية، إنما هي قضية عقائدية دينية"، بما يعكس منظومة فلسفية أخلاقية متماسكة، تنقض عرى فلسفة الجنرال، وتثبت أصل الحق الذي لا مراء فيه.