د. شريف الحلبي
عند استقراء الوقائع التاريخية منذ القرن الماضي نجد أن السيطرة العسكرية والسياسية والاقتصادية لم تكن قادرةً على حسم معركة الغرب الاستعماري ضد الأمة الإسلامية، فقد بقي للأبعاد الحضارية والفكرية والثقافية الدور الحاسم والكلمة النهائية، لأن خلاص هذه الأبعاد وتحررها من تأثير المستعمر يجعلنا قادرين على النهوض وإفشال كل أنواع السيطرة الأخرى، ولذلك عمد أعداء الأمة على مدار الوقت إلى شن حرب شاملة ضدها وتدمير منابع القدرة الداخلية فيها، ومحاولة تحطيم المكونات العقدية والفكرية والحضارية لمجتمعاتنا. وقد كانت التجزئة بدءاً من جريمة "سايكس بيكو" ومن ثم الانتقال إلى الصراعات الإقليمية والمذهبية والطائفية وصولاً إلى الصراعات الحزبية والانقسامات الشعبية والجغرافية وحتى النفسية داخل حدود الوطن الواحد أبرز أدوات هذه الحرب. وإذا كانت "التجزئة" هي أبرز الأدوات التي يستخدمها الغرب المستعمر ورأس حربته الكيان الصهيوني في حربهم ضد أمتنا الإسلامية، فإن فلسطين هي الجغرافيا المركزية لتفعيل هذه الأداة المُدمّرة على اعتبار أن قضيتها هي القضية المركزية للأمة الإسلامية، وبالتالي لا يمكن أن نقرأ محاولات العدو الصهيوني للتجزئة السياسية في جغرافيا الأراضي الفلسطينية وكذلك محاولاته الحثيثة لنسف أيّ حالة توافق او وحدة موقف فلسطيني إلاّ في إطار مخطط استعماري صهيوني يأتي في سياق الهجمة الأشمل والأوسع التي تتعرض لها الامة الإسلامية والتي أصبحت أكثر وضوحاً في منطقتنا منذ بداية ما يُسمى بـ "ثورات الربيع العربي" في العقد الماضي، وكل الكتابات والتحليلات والتقديرات التي تقرأ مثل هذه الأحداث خارج هذا السياق (سياق المؤامرات الاستعمارية) سواء حدثت في الإقليم أو على الساحة الفلسطينية هي قراءة مبتورة عن دوائرها الموضوعية الحقيقية وتُعبّر عن قصور في الرؤية وعن ردّات فعل عاطفية أو حزبية أو عرقية أو مذهبية، وإن كان بعضها يستند إلى براهين نقدمها نحن بأنفسنا من خلال ممارساتنا.
انطلاقاً من الفهم السابق يمكن إعطاء تفسيراً حقيقياً لممارسات العدو الصهيوني المستمرة لتقسيم ساحات الوطن الفلسطيني ومحاولات الاستفراد بكل ساحة على حدة بسياسة معينة، وكذلك إعطاء تفسيراً موضوعياً لتصريح رئيس الشاباك الصهيوني "رونان بار" بعد معركة "وحدة الساحات" حيث قال: "حققنا هدفاً استراتيجياً بالفصل بين حماس والجهاد الإسلامي"، ويقصد أنه نجح في تحييد "حماس" عن المشاركة الميدانية في المعركة، وهو ما أكد عليه رئيس الوزراء الصهيوني "لابيد" ووزير الحرب "غانتس" في أكثر من لقاء، والوصف بأن الهدف "استراتيجي" يؤكد على ما ذهبت إليه في صدر المقال، فالموضوع له أبعاد عميقة، وغايات خطيرة بعيداً عن السطحية والتبسيط، خاصةً وأن الأمر يتعلق بأقوى فصائل مقاومة الاحتلال على الساحة الفلسطينية والتي تجمعها قواسم مشتركة كثيرة على مستوى أيديولوجي ووطني وغيرها.
أمام هذه الحالة نطرح السؤال الهام: ما هو السبيل لمواجهة هذا الهدف الصهيوني الاستراتيجي المُعلن؟
لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال بشكل دقيق دون التأكيد على حقيقتين مهمتين، اولاهما: بأن الانتصار على الكيان الصهيوني الذي يُشكِّل رأس الحربة المتقدم للمشروع الغربي الاستعماري في المنطقة لا يمكن أن ينجزه فصيل أو حزب بمفرده، ولا حتى مُكون جزئي من الأمة، وإنما يحتاج إلى حالة اصطفاف وتحالف قوى المقاومة والممانعة من أبناء الأمة الإسلامية عامةً، ومن أبناء الوطن الواحد وتحديداً الفلسطيني (محور الصراع) خاصةً، والثانية: أن المنطلقات الإسلامية والقومية والحضارية والتاريخية والوطنية وحتى الإنسانية التي يستند إليها المشروع التحرّري من الهيمنة الصهيوأمريكية في منطقتنا ووطننا فلسطين ترى في الوحدة خياراً استراتيجياً لا حيدة عنه وثابتاً من الثوابت لا يُسمح بالعبث فيه أو المساومة عليه، وليس خياراً تكتيكياً يتم تطويعه لخدمة أهداف حزبية ضيقة، وبالتالي فإن من المفترض زيادة التمسك بهذه الحقيقة لدى دول وحركات المقاومة الإسلامية عموماً، والفلسطينية منها على وجه الخصوص وعلى رأسها حركتي حماس والجهاد الإسلامي، كونهما تمثلان رأس حربة فصائل المقاومة الفلسطينية في وجه الاحتلال، وكون البعد الإسلامي الذي يُشدِّد على ضرورة "الوحدة" يُعد أساسياً في تشكيل الشخصية الوطنية والعقيدة القتالية والبرنامج السياسي لهاتين الحركتين.
الإيمان بالحقائق السابقة بجعل الإجابة على السؤال المطروح أعلاه أكثر سهولة ويسر، فحالة الوحدة بين حركتي حماس والجهاد الإسلامي هي خيار استراتيجي كما عبّر عن ذلك قادة الحركتين في ظل تنامي المؤامرات والتحديات التي تتعرض لها الحركتين وتلك التي تعصف بالقضية الفلسطينية، وفي ظل المشتركات الكثيرة الدينية والوطنية التي تجمع الطرفين، وفي ظل المتغيرات الإقليمية والدولية، ناهيك عن أن الوحدة بينهما هي ضرورة شرعية عبّرت عنه الآية الكريمة: "وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ"، وقد حذّرنا خالقنا من الفرقة والتنازع وحكم عليها قطعاً بالفشل في تحقيق أهدافنا، وأوصانا بسعة الصدر والصبر في قوله تعالى: " وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ"، بل يذهب القرآن الكريم برؤية أكثر اتساعاً وشمولية وهو يؤكد بأنَّ هدف الدين كله هو إقامة الأمة الواحدة وذلك من خلال استعراض دعاء أبي الأنبياء إبراهيم وابنه إسماعيل عند بناء الكعبة رمز التوحيد "رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ ". فمفهوم الوحدة ودلالاتها واحدٌ من أخطر المفاهيم الإسلامية التي تحتاج إلى فهم شرعي دقيق، يوضح بدايةً أن وحدة الأمة مفهوم روحي ومادي، كما أن وحدة مكوناتها السياسية هو مشروع سياسي وثقافي وحضاري مسؤول عنه الفرد والحاكم والأحزاب والفصائل والتيارات الشعبية.
هذا الفهم العميق لمعاني الوحدة وضروراتها الشرعية والوطنية هو الذي دفع قيادة الحركتين لتخطو خطوات عملية أكثر تقدُّماً في السنوات الأخيرة باتجاه تعزيز حالة الشراكة ووحدة الموقف، وبالتالي فإنني أرى بأن الإضرار بهذه الوحدة تنظيراً أو تطبيقاً كما تابعنا بعد ما حدث في معركة "وحدة الساحات" الأخيرة من سلوكيات منفردة من البعض لا يخدم مشروع التحرير، ولا يخدم أهداف الحركتين، ويضر بصورة المقاومة الفلسطينية والقضية الفلسطينية محلياً واقليمياً ودولياً على المستويين الرسمي والشعبي أضعاف الأضرار التي لحقت بالقضية الفلسطينية من جرّاء الانقسام البغيض بين حركتي "فتح" و "حماس"، والعدو الصهيوني وأعداء الشعب الفلسطيني هم أكبر المستفيدين من ذلك. إن ما حدث في معركة "وحدة الساحات" أعطى صورة تناولها البعض بِردات فعل عاطفية بعضها مُبرر أمام الدماء النازفة والأشلاء المقطعة والبيوت المُهدمة، واستغلها البعض الآخر لضرب حالة التوافق المتنامي بين الحركتين وذهب بعيداً إلى مربع التخوين والمؤامرة وهذا شذوذ في القراءة السياسية، وعدم إنصاف لأن أدوار الحركتين في العمل المقاوم متكاملة، وأبعد من أن نحكم عليها في جولة، فالبيئة والمناخ السياسي المقاوم في قطاع غزة هو صنيع مشترك لهما، والإعداد الجهادي لا يتوقف من كليهما، وتبادل المعلومات التي تخدم الطرفين يتم بشكل فعال، وإذا كانت معركة "وحدة الساحات" شاهداً على استمرار الفعل المقاوم لحركة الجهاد الإسلامي، فإن معركة وحدة الظل المستمرة منذ سنوات شاهداً حياً على استمرار العمل المقاوم لحركة حماس، لذلك فإن من الإجحاف الاستدلال بما حدث في معركة "وحدة الساحات" لنسف وجود حالة الوحدة والشراكة بين الحركتين والتقدم في هذا الملف كما يحاول البعض أن يُصوّر، ولكن بشكل موضوعي أقول إن ما حدث يثبت أنّ الحركتين لم تصلا بعد في العلاقة إلى المستوى المأمول، وأن النقاشات المُعمّقة بينهما لم تصل إلى المحطّات الأكثر تفصيلاً وتدقيقاً في الملفات الساخنة وهو ما يستدعي السرعة في إنجاز ذلك خدمةً للمشروع الوطني.
إن الشراكة وبناء الأحلاف التي أدعو لتعزيزها بين حركتي حماس والجهاد الإسلامي ليست خياراً حصرياً لهما، بل هي خيار أساسي وثابت من ثوابت بعض الدول العظمى كما هو الحال في حلف شمال الأطلسي "الناتو" وحلف "وارسو"، وحتى مع وجود تباينات في وجهات النظر حول بعض القضايا بين تلك الدول داخل هذه التحالفات أحياناً، إلا أنها تستمر في تحالفاتها استجابةً للتحديات المشتركة لتلك الدول، كما يتم بناء شراكات وأحلاف كخيار فعّال للدول والكيانات عندما تشترك في أهداف سياسية أو اقتصادية. إن التحديات المشتركة التي تواجه حركتي حماس والجهاد الإسلامي والتقاطع بينهما في الأهداف الوطنية بشكل كبير، يُحتِّم عليهما تعزيز حالة الوحدة الوطنية، بل المطلوب أن تكون هذه الوحدة والشراكة دافعاً ومحركاً لإتمام إنجاز دائرة أكبر وأوسع تحتاجه فلسطين والأمة وهو محور مقاومة وممانعة متكامل لمواجهة المشروع الصهيوني وأطماعه في المنطقة.
إن قدرية الاختلاف مما قرره الإسلام في عموم القضايا باعتباره جزءاً من الفطرة الإنسانية "وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ"، وفي الوقت نفسه شدد الإسلام على ضرورة الحوار والجدال الفكري لحل هذه الاختلافات بعيداً عن التجريح والتشهير والتنازع والانقسام، إذاً الاختلافات مشروعة ولكن من المهم تضييق مساحة الاختلاف في الرؤية وحتى في التكتيك بشكل كبير جداً جداً عندما يتعلق الأمر بالثوابت والقضايا التي ينحسر عندها الاجتهاد مع وجود نصوص شرعية واضحة وحقائق واقعية وتاريخية مؤكدة مثل مقاومة الاحتلال والدفاع عن المقدسات ورد العدوان.
للوحدة بين حركتي حماس والجهاد الإسلامي خصوصية شرعية ووطنية وحضارية في تاريخ وحاضر ومستقبل فلسطين، تجسدت بتصاعد حالة التوافق على الكثير من القضايا، وبدأت تتعزز في الجغرافية الفلسطينية وواقع شعبنا والمطلوب المضي في هذا الطريق بمسؤولية عالية بلا أدنى تردد، والترفع عن بعض الأخطاء هنا وهناك لأن أصحاب المشاريع أكثر تحملاً وصبراً وأكثر حكمةً في تجاوز المحن والاختلافات.