شريط الأخبار

باقون هنا لنستقبل العائدين ..زهير اندراوس

09:13 - 03 حزيران / مايو 2009

أتذكر يا عزت، عندما تكلمنا هاتفياً، أتذكر أنّك رويت لي قصة الأطلس ونجلك البكر محمد، الذي عندما يرى الأطلس يبدأ بالبحث أولاً وأخيراً عن قريته ترشيحا، ويغضب عندما يرى أنّ الأطلس في بعض الأحيان هو أطلس عميل وخائن، يتطاول على الرموز، ولا يشمل قريته، قريتك، قريتي، قريتنا، ترشيحا.

*أرى لزاماً على نفسي أن أوضّح لك يا عزيزي، رغم البعد الجغرافي بيننا، وبصورة غير قابلة للتأويل: لا أشعر بأي انتماء للدولة العبرية، لا لرموزها، لا لعلمها ولا لنشيدها الوطني، حالة من الكآبة تنتابني كل سنة عندما تحتفل الدولة اليهودية بيوم انشائها.

*يعتقدون، يا ابن بلدتي الذي تسكن في الصين بدون جواز سفر، أننّا نسينا أيام الحكم العسكري الذي كان مفروضاً علينا حتى العام 1966، حاولوا بكل الوسائل المتاحة وغير المتاحة ترويضنا وتدجيننا وتحويلنا إلى ما يُسمى بالعرب الجيدين، ولكنّهم فشلوا في ذلك، باعترافهم هم.

*وفي النهاية، أخي عزت، أريد أن أقول لك: ترشــــيحا بانتــــظارك وبانتظار جميع أولادها في أصقاع العالم، ولنا موعد مع جميع اللاجئين هنا في فلسطين، سنبقى على العهد حتى نشطب من قاموس فلسطين مصطلح اللاجئين.

عزيزي عزت، تحية الوطن، أكتب لك هذه الرسالة في اليوم الذي تحتفل فيه الدولة العبرية بيوم انشائها، وهي التي أقيمت على أنقاض شعبنا العربي الفلسطيني، أنت يا عزت شحرور، ابن بلدي ترشيحا، التي كنّا نُسميها عروس الجليل، أنت لاجئ في الصين، ولدت في مخيم اللاجئين النيرب في سورية، بدون جواز سفر، وأنا لاجئ مع وقف التنفيذ في موطني، فلسطين. قبل عدة أيام مررت بجانب بيت عائلتك في ترشيحا، كما وصفته لي، لا بيت ولا مفاتيح ولا من يحزنون. واحد وستون عاماً مضت منذ أن شردتكم العصابات الصهيونية، لم ألتق بك يا عزت، أراك من على شاشة 'الجزيرة' الفضائية ولكنتك الترشيحاوية ما زالت تُميّز صوتك، وأفتخر بك. أرى لزاماً على نفسي أن أوضّح لك يا عزيزي، رغم البعد الجغرافي بيننا، وبصورة غير قابلة للتأويل: لا أشعر بأيّ انتماء للدولة العبرية، لا لرموزها، لا لعلمها ولا لنشيدها الوطني، حالة من الكآبة تنتابني كل سنة عندما تحتفل الدولة اليهودية بيوم انشائها، وباعتقادي المتواضع فإنّ الأغلبية الساحقة من الإسرائيليين لا تريد مني أن أشعر بالانتماء، وبالتالي فإنّ هذه الأرض هي موطني، وإسرائيل ليست دولتي. ولكن، ولكن يا أخي عزت، الأمور تسير من سيئ إلى أسوأ، رئيس وزراء إسرائيل، بنيامين نتنياهو، يُطالب قيادة سلطة رام الله المنقوصة، وفي مقدمتهم، السيد الرئيس محمود عبّاس، الذي وضع جميع البيض في سلة الأمريكيين والإسرائيليين، بالاعتراف بأنّ الدولة العبرية هي دولة اليهود فقط، ووزير خارجيته، الفاشي أفيغدور ليبرمان، يُخطط لنكبة أخرى، نكبة يتم من خلالها طرد ما تبقى من أصحاب الأرض الأصليين، أو كما يسمـــــوننا عرب الـ48، أو فلسطينيي الداخل. لأول وهلة قد يبدو حديثي بعيداً عن الواقــــع، ولكن عندما قرأت يا عزت، أنّ الحركة الصهيونية بدأت بالتفكير بتقسيم العراق في العام 1917، أتوصل إلى نتيجة أنّ هذه الحركة الاستعمارية لا ولن تتورع عن عمل أي شيء من أجل تطبيق مقولتها الكاذبة عن فلسطين بأنّها أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض.

أتذكر يا عزت، عندما تكلمنا هاتفياً، أتذكر أنّك رويت لي قصة الأطلس ونجلك البكر محمد، الذي عندما يرى الأطلس يبدأ بالبحث أولاً وأخيراً عن قريته ترشيحا، ويغضب عندما يرى أنّ الأطلس في بعض الأحيان هو أطلس عميل وخائن، يتطاول على الرموز، ولا يشمل قريته، قريتك، قريتي، قريتنا، ترشيحا، الواقعة في أعالي الجليل الأشم. هذه هي قوتنا يا أخي أبو محمد، قوتنا، نحن أبناء الشعب العربي الفلسطيني في أننّا ننقل من جيل إلى جيل روايتنا عمّا حلّ بنا في العام 1948. الرواية الإسرائيلية تقول استقلالاًَ، وروايتنا العربية الفلسطينية تؤكد أنّه في العام 1948 حلّت بشعبنا النكبة. أبناء شعبي طُردوا وهُجّروا إلى الدول العربية المتاخمة، سورية ولبنان والأردن، هناك ما زالوا يعيشون في ظروف غير إنسانية بالمرة. على الرغم من محاولاتي المتكررة لفهم الإسرائيليين، أقّر وأعترف لك، يا أخي الذي لم تلده أمي، أنّني فشلت في مهمتي: كيف يحتفل شعب بيوم استقلاله وهو ما زال يسيطر على شعب آخر بقوة السلاح؟ وبالتالي لا أبالغ البتة إذا جزمت أنّه لا يحق للإسرائيليين أن يحتفلوا باستقلالهم، بسبب الاحتلال والجرائم التي اقترفها بحق أبناء شعبنا في الداخل وفي الخارج وفي كل مكان ممكن.

والله يا عزت، كلما أتذكر قصة الأطلس ونجلك محمد، أتذكر أننّي قرأت كتاباً باللغة العبرية التي أجيدها بشكل ممتاز من منطلق تعّرف على عدوك، مؤلفه ضابط إسرائيلي رفيع المستوى في جيش الاحتلال، رفيع المستوى من حيث الإجرام، ولكنّه بعيد ألف سنة ضوئية عن الأخلاق والسلوكيات الحضارية، إنّه، أي الضابط، يكتب أنّه انزعج كثيراً عندما احتلت دولته لبنان في العام 1982، لا لم ينزعج من الاحتلال، ولا من جرائمه، ولا من عدد الأبرياء الذين سقطوا بنيران قواته، ما أزعجه، أنّ الأطفال الفلسطينيين، الذين كان يلتقي بهم وهم في عمر الورود، كانوا يقولون له بكل فخر واعتزاز وكبرياء: أنا من عكا، وأنا من يافا، وأنا من لوبيا، وأنا من أسدود، عجبي على هذا الضابط يا عزت، عجبي على هذا 'المثقف'، إنّه يريد أن ننسى ما حلّ بنا قبل 61 عاماً، إنّه يريد أن نتنازل عن حق العودة، وبكل صلافة ووقاحة يقول إنّ الشعب اليهودي انتظر ألفي عام ليعود إلى أرض الحليب واللبن والعسل، أو أرض الميعاد، وفق مفاهيمهم المرفوضة علينا جملةً وتفصيلاً، إنّه، يا عزيزي عزت، يريد أن يُحدّد لنا ماذا نتذكر ومتى ولماذا؟ إنّه لا يعلم إنّ العودة بالنسبة لنا أهّم من الدولة، إنّه لا يعلم أننّا هنا باقون، هنا مرابطون، على أرض الآباء والأجداد، لنستقبل العائدين إلى وطنهم الذي دُنس.

التاريخ علّمنا، يا أبو محمد، أنّه في الدولة الديمقراطية الليبرالية، وإسرائيل تزعم أنّها دولة على هذا الطراز، فإنّ الأكثرية ملزمة بأن تثبت للأقلية حسن نواياها، ما معناه أنّ الأكثرية اليهودية في الدولة العبرية ملزمة بأن تمنحنا الشعور بالانتماء للدولة. وفي هذا السياق عليّ أن أؤكّد بصورة قاطعة وحازمة أنّ موافقتي على الاعتراف بالأكثرية اليهودية هنا، هي بمثابة تنازل تاريخي من قبلي، لأنّني أضع نفسي في مصاف الأقلية. مضافاً إلى ذلك، فإنّ الأقلية العربية الفلسطينية في مناطق الـ48 هي أقلية مختلفة عن باقي الأقليات في العالم. الفلسطينيون في الدولة العبرية هم من مواليد هذه الأرض الطيبّة، إنّنا نعيش هنا، وهذا الأمر ليس منّة من أحد، لسنا ضيوفاً في بلادنا، وبطبيعة الحال لسنا عابري سبيل، كنّا هنا قبلهم، وهم الذين وصلوا إلينا واغتصبوا أرضنا وعرضنا ودمّروا الشجر والحجر والأرض، وتنفسوا، وما زالوا، يتنفسون الهواء الذي سُرق منّا.

تعلمت في المدرسة الثانوية في قريتي الحبيبة ترشيحا، لقد أجبرتنا يا أخي عزت، 'واحة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط' أن نتعلم التوراة، ربما كان هذا عملاً صائباً من منطلق 'تعرف على عدوك'، ولكن لماذا لم يمنحونا الفرصة لتعلم تاريخ الصراع الصهيوني الفلسطيني. يعتقدون أننّا نسينا أيام الحكم العسكري الذي كان مفروضاً علينا حتى العام 1966، حاولوا بكل الوسائل المتاحة وغير المتاحة ترويضنا وتدجيننا وتحويلنا إلى ما يُسمى بالعرب الجيدين، ولكنّهم فشلوا في ذلك، باعترافهم هم، ففي كتابه 'العرب الصالحون' يقول د. هيلل كوهين، إنّ جهاز الأمن العام (الشاباك الإسرائيلي) لم يتمكن من ترويض 'عرب إسرائيل'، وأنت تعلم يا عزيزي، أنّ الدولة العبرية هي مخابرات تملك دولة وليست دولة تملك مخابرات.

وفي النهاية، أخي عزت، أريد أن أقول لك: ترشيحا بانتظارك وبانتظار جميع أولادها في أصقاع العالم، ولنا موعد مع جميع اللاجئين هنا في فلسطين، سنبقى على العهد حتى نشطب من قاموس فلسطين مصطلح اللاجئين.

كاتب من فلسطين

 

انشر عبر