أخلاقيات المقاوم ووحشية المحتل

فلسطين اليوم - غزة
الساعة 02:44 م
03 يوليو 2022
الكاتب محمد جرادات
أخلاقيات المقاوم ووحشية المحتل

عندما ينطلق الإنسان للقتال والحرب وإراقة الدماء؛ فهو في تلك اللحظة مسكون بكل أسباب الغضب، وفي سياق باعثها يتحرك لتعريض نفسه للخطر، بل للتضحية بها على مذبح ما يعتمل في صدره من رغبة جامحة لقتل عدوه الذي يستبيح أرضه ويدنس مقدساته ويقتل أهله وينشر الخراب والرذيلة في بلده، ولعدونا الإسرائيلي هنا خصوصية لا يشرك معه بها أحد؛ فهو استئصالي استيطاني يفرغ أرضنا من شعبنا، ليسكنها للقادمين بلعنة التاريخ وأسطورته من أصقاع بولندا وأوكرانيا وأثيوبيا ومنهاتن.

في آتون المجابهة مع محتل بهذه المواصفات؛ كيف لمقاوم متحفز متوقد بالغضب البركاني الهادر، أن يكون في ذات اللحظة إنساناً يعطف على الفقراء والمساكين، بل ينقذ العجزة والأطفال والنساء في خضم الحرب في ساح الميدان وهو في أوج النزال والمعمعان؟ّ

هل يأتي ذلك كأثر للمظلومية، أم هو ناتج ثقافي موجه، أو ترشيد دقيق من القيادة؟ أو لعله هدي الرسالة السماوية وهي تلح على المجاهدين بحقن الدماء، حتى وهم في أوج حماستهم، بأن "لَا يَقْتُلَنَّ امْرَأَةً وَلا عَسِيفًا" "لَا ‏تَغْدِرُوا ‏وَلَا‏ ‏تَغُلُّوا‏ ‏وَلَا‏ ‏تُمَثِّلُوا ‏وَلَا تَقْتُلُوا الْوِلْدَانَ وَلَا أَصْحَابَ ‏الصَّوَامِعِ"؟

كانت يعبد قبل أيام تنام على لحن حفيف أشجار غابة أم الريحان، وطيف روح الشيخ الراحل إليها من لاذقية سوريا عز الدين القسام، يحيط بالمكان، وعلى بوابة مفرقها خطّ الأطفال اسم ضياء حمارشة لتعلو آرمة عبرية تزوّر التاريخ والجغرافيا، وهي تكاد تختنق بالإستيطان، ليوقظها رصاص المحتل من سكون نومها، فيرتقي شهيدان ويصاب العشرات في هجوم دمويّ على صدور الناس المدنيّين، قبل أن يدوّي الإنفجار الثأري في بيت ضياء، وكان ضياء عفّ برصاصه في وسط ميدان تل أبيب عن امرأة وأطفالها، وقد وقع الإعلام العبري في سقطة حادّة على الهواء مباشرة، عندما جهرت تلك المرأة بالكشف عن الجانب الآخر في شخصية "الإرهابي" الإنسان، وهو يأمرها بإلحاح أن تغادر المنطقة هي وأطفالها، ثم ظهرت رباطة جأشه وهو يسيطر على الميدان وينتقي خصومه من غلاة المستوطنين.

وفي رمانة المسلوبة أرضها لجدار الضم العنصريّ، وزّع صبحي وأسعد؛ ما يملكان من مال على الفقراء، وهما شابّان مقبلان على الحياة في عمرهما الورديّ، ثم انطلقا إلى المزيرعة المغتصبة قرب تل الربيع، في طهارة روحية وتزكية نفسية، توقفت عندها الجهات القضائية الإسرائيلية، وجهرت بها نيابة الاحتلال في لائحة الإتهام، المقدمة قبل أيام، لبطليّ عملية مستوطنه إلعاد قرب تل أبيب، وهو ما سبق لنيابة الاحتلال أن رفضت الإشارة لمثله في لائحة اتهام الشاب المتوقد حماسة؛ بلال غانم بطل عملية الحافلة 78 في القدس، وقائلها يقول، "لن نضع ما تحدثت به في لائحة الاتهام، لأننا سنظهر قتلة أطفال وأنتم ملائكة" وذلك بعد أن اعترف بلال بقتل ثلاثة مستوطنين وإصابة العشرات في الحافلة، ولكن بعد أن أنزل من الحافلة بيديه: عجوزين يهوديين وثلاثة من الأطفال!!!

وهو الباعث النفسي والمحرّك الروحي لذات إنسانية، تتحرك في الميدان المشتعل بالنار، لتحرق الجانب المادي المتأصل في طينيته والمتداخل مع الذاتية، نحو ما هو طهر الروح ونقاء النفخة الربانية، ولعل ذلك ما دفع الخمسينيّ الشيخ رياض بدير، أحد مؤسسي الجهاد الإسلامي في طول كرم، لبيع سيارته الشخصية قبل عقدين على التمام من الزمن، لشراء سلاح مهاجراً إلى عش الدبابير في جنين، هجرته الأخيرة إلى الله، ليقاتل هناك في تلك الملحمة الشهيرة، حتى الرصاصة الأخيرة، ولم يُعثر على جثمانه إلا بعد إزالة ركام مئات البيوت المدمرة، وقد فاضت روحه ويداه تقبضان على السلاح.

طهارة المقاومين ونبلهم الأخلاقي في فلسطين والمنطقة، لم يكن حدثاً شاذاً ولا حوادث مبعثرة، إنما هو نتاج ثقافة رسالية وخلفية نفسية تعجز إزاءها كل محاولات التفسير الغربية المادية، حتى تحالها أحجية أو لغزاً يستعصي فك طلاسمه، وهو ما ظهر يوماً في أوج الهجوم العبري الوحشي على لبنان عام 2006، وهو يوقع مئات الشهداء من الأطفال والنساء، لكيان يمتلك التقنيات الدقيقة القادرة على تجنيب المدنيين ويلات الحرب، لو أراد، فيما كانت المقاومة اللبنانية، وبإمكاناتها المحدودة، تحاول جهدها اختيار المواقع العسكرية الإسرائيلية لتدكها باقتدار، ولكن وقع المقدور مرّة وقد أصاب واحد منها طفلين في الناصرة، وكنت شخصياً وقتها أسير في سجن جلبوع، وكنّا ننتظر بشغف إطلالات سماحة السيد نصر الله، وكان يحمل في كل إطلالة ما هو جديد عن تطورات الحرب المستعرة، قلت لزملائي في الأسر، أجزم أن سماحته سيتحدث عن ما جرى في الناصرة، فقال أحدهم: هو سماحته فاضي الآن لذلك؟ّ قلت له سترى، وبالفعل فوجئنا جميعاً أنه لم يتحدث فقط عن الأمر، بل تجاهل السؤال الأول للّقاء بشأن الميدان، واستهل حديثه بالاعتذار الشديد عن الحادث، نيابة عن قيادة المقاومة وأبطالها، واستعداده لتحمل كامل المسؤولية وتبعاتها الأخلاقية والمادية!!!

وعند استعراض معظم العمليات الفدائية، يتكشف ذلك النبل الأخلاقي الخفيّ في بنية المقاوم النفسية، في وقت لا تمتلك فيه المقاومة وشبابها الأدوات القتالية اللازمة لتعديل بنك أهدافهم ولا يكون هامش اختيارهم واسعاً، ولعل ذلك ما تسبب في بعض الأحيان بسقوط أطفال أو عجزة، في مواجهة عدو يفضل سياسة الأرض المحروقة، التي قتلت أكثر من 500 طفلاً في غزة حرب صيف 2014، ولكن راغب جرادات ورائد مسك وقد تزنرا بالمتفجرات، غادر كل منهما حافلته التي تغص بالصهاينة، وقد وجدا فيها أطفال ونساء، وكان راغب تسلل من سيلة الحارثية قرب جنين وهي في أوج ملحمتها، والعدو يقصف مخيمها بالطائرات والمدفعية والدبابات، وقد صعد أكثر من حافلة حتى وصل مجمع باصات حيفا، بحسب ما أشار له رئيس بلديتها عمرام متسناع، والذي كان قبلها قائداً للضفة الغربية في جيش الإحتلال، وهو شخصياً أشرف ميدانياً على نسف عدة بيوت في الحارثية نفسها، وقد استغرب أن "الإرهابي" تجول في مجمع الباصات ولم يفجر نفسه هناك، بل اختار حافلة خرجت من المجمع حتى توقفت باب سجن كيشون "الجلمة" ليفجر نفسه وسط المحققين ورجال الأمن. 

وفي عدة عمليات للمقاومة، عبّرت وسائل إعلام عبرية عن استغرابها من حماية "الإرهابيين" للأطفال، كما جرى في عملية أبو مطيبق 2014، في أوج الحرب الوحشية على غزة، وفي مستوطنة إيتمار عام 2015 ومن نقطة صفر أجهز الفدائيون على المستوطنين وأخلوا أطفالهم الثلاثة، وهو ما تكرر جنوب الخليل في عملية فدائية أخرى.

إنها ثقافة الجندي المصريّ سليمان خاطر عام 1985، عندما فتح رشاشه دفاعاً عن نقطة حراسته في سيناء، وقد سخر منه السياح الصهاينة ورفضوا التوقف بعيداً عنها، فأجهز عليهم، ثم وضع سلاحه وبكى وهو يلاعب طفلة كانت معهم، ولم يتركها وحيدة ويهرب، وإن كان ثمن ذلك اعتقاله وتصفيته في زنزانته.