تُعد اتفاقية أوسلو التي مضى على توقيعها ما يقارب الثلاث عقود بمثابة نكبة مؤلمة تُضاف إلى نكبات الشعب الفلسطيني، حيث كانت طعنه نجلاء وجرحاً غائراً وعميقا في خاصرة القضية الفلسطينية ومشروعها الوطني التحرري. مضت كل هذه السنين ومازال هذا المشروع الأكثر كارثي في تاريخ القضية الفلسطينية المعاصر جاثماً على صدر المقاومة وعبئاً ثقيلا على شعبنا الذي يدفع ضريبة وجوده واستمراره.
أوسلو التى صيغت بنودها بأيدي صهيونية و مسقوفة بنص صهيوني وإرادة صهيونية محكمة.. بحيث لا تعطى أى فرصة للطرف الفلسطيني بالانفكاك منه.
فهي التى أذابت البعد الإسلامي للقضية وجعلته فى إطار القومية العربية ثم تحوله إلى الدائرة الفلسطينية ثم تحصره بفريق فلسطينى.
وبذلك فتحت الباب واسعاً أمام الهرولة المجانية للخيانة والتطبيع لبعض الدول العربية التى كانت تنتظر هذه الفرصة لتبرر تطبيعها الخيانى
اتفاقية أوسلو التي وقعت 13/9/1993 التى أعلن فيها انتهاء حالة الصراع بين منظمة التحرير والكيان الصهيوني، والاعتراف المتبادل بدولة للصهاينة وأحقيتهم على 78% من أراضي فلسطين التاريخية وهذا أحد ابرز البنود الذى حول المغتصب الصهيوني من مغتصب للحق والأرض إلى دولة شرعية لها حقوق يتم التفاوض عليها. ومنذ ذلك الوقت تشكلت حالة الانقسام بين فئات الشعب الفلسطيني بين فريق تجرد من مشروعه المناهض للمشروع الصهيوني من خلال العمل المسلح. إلى فريق حامى وحارس لامن المشروع الصهيوني بكل أبعاده السياسية والأمنية والاجتماعية، وبالتالي تجذرت وتعمقت حالة الانقسام والاختلاف لتتطور إلى حالة كاملة من التناقض، أدت إلى تحول فريق ربط مصيره نهائياً بمصير العدو الصهيوني وأدار ظهره إلى شعبه، أمام فريق يريد مقاتلة ومقاومة ما يسمى بإسرائيل والقضاء عليها وإنهاء وجودها عن الأراضي الفلسطينية، فهذا الاتفاق فى كل مراحله يؤكد على الناحية الأمنية وحماية الاحتلال وتصدر السلطة لهذه المهمة التى تبلورت بنود أوسلو كلها من أجل هذه المهمة. وتجسدت الوظيفة الأمنية منذ بداية التوقيع على أوسلو. ومن خلالها انقلبت المفاهيم فى البداية كان الاتفاق الأرض مقابل السلام ليتحول إلى مفهوم الأرض مقابل الأمن وبقى هذا المفهوم إلى وقتنا هذا متجسدا بسلوك السلطة الأمنية تجاه المقاومة الفلسطينية. وربما رئيس السلطة أبو مازن عبر عن ذلك بشكل واضح مختصرا حقيقة أوسلو (الوظيفة الأمنية) بالعبارة الشهيرة عندما قال بأن التنسيق الأمني مقدس حتى لو اختلفنا فى السياسة أو اتفقنا، وقد عبر عن ذلك فى ظل غياب أي محرك جدي لعجلة المفاوضات. التي باتت لا تشكل أي أهمية لهذا الكيان فى ظل غياب كامل لأي من أوراق القوة وهو ما عبر عنه أرئيل شارون آنذاك مستهيناً ومستخفاً بالسلطة وضعفها . قائلا..
إن اتفاقية أوسلو لا تساوي الحبر الذي وقع به. هذه هي الحقيقة التي أرادها هذا الكيان وهو أن يجعل من السلطة فريق حددت له وظيفته الأمنية فقط لتخدم امن هذا الكيان في مواجهة الفريق المقاوم، وبذلك تشوهت المفاهيم....، الاحتلال أصبح طرفا فى عملية ما يسمى بالسلام والمقاومة الشرعية أصبحت إرهابا لأمن ما يسمى بإسرائيل هذه هى المفارقة المخزية للسلطة .....ويعتمد اقتصاد السلطة على المنح الخارجية ب80%من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية .
وذلك مشروط بمدى رضى الاحتلال على الأداء الأمني للسلطة. وكذلك ثلثا دخل السلطة من الضرائب التى تأتى على شكل( مقاصة) من الجانب الصهيوني
وهو أيضا مرهون بالرضى الأمني للكيان. بمعنى أن عصب ومقومات استمرار الحياة للسلطة هو بأيدي الصهاينة. إذن نحن أمام سلطة رهنت مصيرها بشكل كامل بمصير الاحتلال فهى لا تملك أى دور لها ولا تملك استقلال لقرارها
أمام هذه المعطيات... هل يمكن بناء أي مشروع وطني تحرري على أنقاض هذه السلطة أو الالتقاء معها والدخول والمشاركة فى منظمة التحرير بشكلها وتبعيتها الحالية لهذا الكيان؟ وهل يمكن أن تتم المصالحة وإنهاء الانقسام، علماً أن الانقسام لا ينتهي إلا بإنهاء ما تبقى من أوسلو (الوظيفة الأمنية.)
أسئلة مشروعة ومطروحة بقوة لدى كل فلسطيني عانى من آثار هذا الانقسام وآثار التنسيق الأمني والذى لم يكن يوماً فى الصالح الفلسطيني وإنما دائما يأتى فى سياق حماية الاستيطان والأمن الصهيوني هذا ما أثبته الواقع والتجارب والحقائق على الأرض، إن استمرار السلطة بالوظيفة الأمنية الخيانية قد أعطت العدو شرعية لممارسات الاحتلال من توسع السرطان الاستيطاني وارتكابه جرائم القتل والاعتقال والملاحقة اليومية والتهويد والعبرنة المستمرة بحق أبناء شعبنا ومقدساته
أمام ذلك كله أقول أنه مستحيل الالتقاء مع هذا الفريق منطلقاً من فهمى العميق لجذور المشكلة، فهذا الفريق غير قادر على صناعة موقف مستقل بعيداً عن رغبة الاحتلال.
لا يمكن الالتقاء مع هذه السلطة حتى ولو على مقاومة شعبية لأنها تشكل خطر على الصهاينة، وهو ما يرفضه الاحتلال.
الخلاصـة....
أوسلو إلى متى؟.. وإلى متى سنستمر في دفع ضريبة استمرار الوظيفة الأمنية التى أنهكت المشروع الوطني و شكلت حالة من التناقض والانقسام في بنية وتركيبة الشعب الفلسطيني. وإلى متى سنتحمل آثاره الخطيرة على القضية ووجوده كعقبة كأداء و حائلاً أمام نهوض مشروعنا الوطني الجامع.. أسئلة ستبقى تلاحقنا وتؤرقنا كشعب وكمقاومة حتى نجد المخرج، والمخرج لا يكون إلا بتشديد الاشتباك الدائم مع العدو لا سيما في المناطق التي تسيطر عليها السلطة فكلما تألم العدو أدى ذلك إلى إضعاف السلطة لأن الارتباط بينهما ارتباط جدلي ومصيري.