منى قعدان "أم النور".... الحرة الأبية رغم القيد

فلسطين اليوم - غزة
الساعة 07:01 م
08 يناير 2022
أ.محمد حميد
أبو الحسن حميد (10).JPG

 بقلم/ محمد ابوحميد (ابوالحسن)

لطالما اتسمت المرأة الفلسطينية بالحياة في معاشها ونضالها وجهادها، فكم سمعنا عن ماجداتٍ يتقدمن ركب المقاومة والرباط في أرض فلسطين الحبيبة، فهن المربيات في البيوت والمشرفات على إعداد مشاريع الشهادة وقادة المجتمع وطليعة الأمة من أبنائهن، وهن شريكات أزواجهن في مكابدة عٌسرة العيش وكدح العمل وظلمة الاحتلال، وهن رائدات العمل التنظيمي المقاوم في مختلف المواقع والمنظّرات إلى ثقافة الجهاد والمقاومة، بل هُن طلائع العمل الاجتماعي الداعم والمساند لحقوق الشهداء والأسرى، فقد بلغن أعلى سنم الجهاد بدفاعهن عن المسجد الأقصى ورباطهن فيه حتى بتن منافساتٍ حقيقيات لأقرانهن الرجال في سبيل الدفاع عنه وعن أرضنا المحتلة، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.

فهُنَّ جزءٌ أصيل من المجتمع الفلسطيني الذي يعاني بجميع فئاته تضييق الاحتلال الممتد منذ سنوات في كافة مناحي الحياة المبني على أسسٍ عنصرية ويتبنى سياسات الاستيطان والتهجير والتجويع والقتل والتهويد، وكل ذلك في سبيل استئصال شأفة الفلسطينيين من أرضهم وديارهم، فكان طبيعياً أن تتربى هذه المرأة الفلسطينية على ثقافة التحدي والصمود والبطولة، الثقافة الموسومة بالطابع الفلسطيني على طول الزمان.

ومن هذا الركام والتجويع ومن هذه العنصرية خرجت الصابرة المرابطة والأبية المجاهدة/ منى قعدان ابنة بلدة عرابة الواقعة في قضاء جنين شمال الضفة الغربية وكانت على موعدٍ مع تحدي أغلال الاحتلال والظروف الاجتماعية والسياسية التي خلفها بالفلسطينيين منذ النكبة عام 1948 والتي لا تزال تداعياتها مستمرة حتى يومنا هذا.

فتحدت هذه الأبية المجاهدة اليتم منذ حداثة سنها، فقد توفي والدها المعيل الرئيس لأسرتها الممتدة في وقتٍ لم تُجاوز فيه سن الثامنة من عمرها، ما ألحق بعائلتها صعوباتٍ اقتصادية ومعيشية جادةً، ولكنّ هذه البداية العسيرة لم تحل دون ترعرع الأخت المجاهدة/ منى قعدان في ظلال الإسلام كمنهج حياة وكناظمٍ لجميع العلاقات في المجتمع، بل كان لها باعٌ طويل في سبيل إقناع زميلاتها وبنات بلدتها والبلدات المجاورة بهذا النهج القويم خلال ثمانينات القرن الماضي، وحاولت إقناعهن بوجوب ارتداء الحجاب الشرعي في وقتٍ تبرج فيه عدد كبيرٌ من الفتيات، ونجحت بإقناع عددٍ منهن بذلك.

وفي نهاية الثمانينات التحقت الأخت المجاهدة/ منى قعدان بصفوف حركة الجهاد الإسلامي قبلة المجاهدين والمقاومين، وميدان صادقي الدفاع عن القدس وفلسطين، فكانت من الطليعة الأولى للعمل النسائي في الحركة، ونسب لها الفضل في سبق التنظير لفكر الحركة الإسلامية وسياساتها المقاومة، وكانت صاحبة دورٍ ريادي في الوقوف إلى جانب ذويي  الشهداء والأسرى حافظةً العهد لهم، فلم تترك أسرة مجاهدٍ شهيدٍ أو أسيرٍ أو جريحٍ إلا وكانت إلى جوارهم معنوياً ومادياً، حتى أطلق المجاهدون عليها كنية "أم النور".

أم النور التي دفعت ضريبة انتمائها لحركة الجهاد الإسلامي اعتقالاً وتنكيلاً بدايةً من عام 1999 وعلى فتراتٍ متفاوتة أمضت في مجموعها أكثر من ثماني سنوات، بل إن يداي تخطُّ هذه الكلمات عنها وهي قابعةٌ في الأسر تحت ظلام اعتقالها الأخير إلى جانب 34 أخت مجاهدة قابعة وراء القضبان بمحكوميات متنوعة رغم معاناة بعضهن من الأمراض والجراح. بل إن سجن الاحتلال كان مرارة تجرعتها إلى جانب مرارة فقدان والدتها أثناء مكوثها فيه، فلا يعلم البعض حجم الألم والحزن الذي يصيب الأسرى والأسيرات عند فقدان أحبابهم المقربين خلال فترة سجنهم، بل إن السجن كان الشاهد على اعتقال عددٍ من إخوانها الذي تحدوا مطاردة الاحتلال لهم، فهي شقيقة القيادي في حركة الجهاد الإسلامي/ طارق قعدان "أبو خالد" وأحد قيادات الحركة الإسلامية في الضفة الغربية.

وخلال فترات إخلاء سبيلها احتلت أم النور مواقع تنظيمية متقدمة، فلم تترك ساحة العمل التنظيمي فارغة، فنجحت في إدارة التنظيم في مناطق شمال الضفة، ونجحت في سد الفراغ الإداري والتنظيمي الذي خلفته الضربات الصهيونية المتلاحقة للبنية التنظيمية للحركة هناك، ولم تحل الاعتقالات المتتالية لها وانشغالها الدعوي والتنظيمي عن إتمام دراستها الجامعية، فنالت درجة الماجستير في العلوم الشرعية، لتجمع بينها وبين الجهاد في سبيل الله، ولتصبح أحد العلماء العاملين في ميدان الدعوة والجهاد، وتفلح في الجمع بين الحسنيين. أم النور واحدةٌ من مئات النماذج الفريدة من الأسيرات اللاتي أمضين سنواتٍ عديدة في السجن من أخوات الأسيرة المحررة/ لينا الجربوني التي أمضت 17 عاماً في سجون الاحتلال، والأخت المجاهدة/ عطاف عليان "أم عائشة" التي تجاوزت سنوات اعتقالها 12 عاماً، والأخت الأسيرة والجريحة/ إسراء جعابيص والأسيرة المناضلة/ خالدة جرار، والأخت الأسيرة المحررة/ أحلام التميمي التي أمضت ما يقارب 12 عاماً في الأسر، اللاتي تجاوزن أدوارهن التقليدية في المجتمع الفلسطيني وكُن على ذات الطريق مع أشقائهن الرجال في مقارعة العدو.

لقد انحازت الأخت الأسيرة/ منى قعدان وغيرها من الأسيرات الماجدات إلى فلسطين كاملةً من بحرها إلى نهرها، وانحازت إلى خيار الدم والشهادة دون مواربة، وآمنت بحتمية زوال الاحتلال الجاثم على أرضنا وبحرنا وهوائنا، وأيقنت أن أرض البلاء والتمحيص الحقيقي هي أرض فلسطين أرض المحشر والمنشر حيث المسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين ومسرى الرسول الأعظم –صلى الله عليه وآله وسلم. هنيئاً لأم النور على هذا الانحياز، وهنيئاً أيضاً للمنحازين إلى خيار الرباط والجهاد والمقاومة وهنيئاً لمن كانت بوصلته المسجد الأقصى وفلسطين، رغم ضريبة الجرح والألم والأسر والاستشهاد.