الأسير فاعل واعٍ

فلسطين اليوم - غزة
الساعة 12:19 م
06 يناير 2022
الكاتب خالد الزواوي.jpg

الأسير فاعل واعٍ

 

خالد علي زواوي ـــ مجلة الدراسات الفلسطينية ــ العدد (129) ـــ شتاء/ 2022

شكّل العدد 128 من "مجلة الدراسات الفلسطينية" سابقة مهمة في تناول موضوع الأسرى، وهو الأكثر حساسية وتماسّاً في الاجتماع الفلسطيني بجميع تفصيلاته. وتكمن أهمية معظم موضوعاته في أنه تناول الأسرى كفاعل إيجابي في الاجتماع السياسي والفكري والأكاديمي الفلسطيني، بدلاً من التناول التقليدي الذي يتعامل معهم كفاعل مغيّب / محجوب، مثلما قال إلياس خوري في افتتاحية العدد عندما تناول تعددية مفهوم فلسطين في الواقع الفلسطيني وعلاقته مع ذاته والآخر، بكلامه على فلسطين التي تقع "تحت" إسرائيل، وهي "فلسطين الأثر" الذي يحاول الاحتلال إخفاءه بعدة وسائل، ليبعده عن المشاهدة والسماع، وبحديثه عن "فلسطين المحجوبة" التي يشكل الفعل "المقاوم" أداتها لتمزيق الحجب، و"فلسطين المغيّبة" داخل السجون والتي يعمل الاحتلال على تغييبها شهوداً وجسداً وفاعلية.

جاء هذا العدد في توقيت مهم وحساس، في إثر هروب الأبطال الستة من سجن جلبوع، والذي وضع قضية الأسرى في مستوى عالٍ لم تصل إليه منذ أعوام، وهو أمر كان له تأثير سلبي، بعض الشيء، في إضعاف احتكار العدد لطرح قضيتهم في وقت يتم تجاوز كثير من الأمور التي تتعلق بهم، أكانت إدارية أم سياسية أم إعلامية قانونية، وخصوصاً حالة "الإحباط" النسبي التي سادت بعد اعتقال المجموعة، والتي أعادت قضية الأسرى إلى الخلف عدة خطوات، وظهرت جليّة في غياب التضامن مع إضراب الأسرى من حركة الجهاد الذين تعرضوا للقمع في إثر عملية الهروب.

قدّم هذا العدد لنا الأسير الفلسطيني ("المغيّب" إسرائيلياً جسداً ودوراً، و"المغيّب" فلسطينياً حضوراً فاعلاً، أي أن غياب الجسد أضيف إليه غياب الفاعلية السياسية والاجتماعية) فاعلاً واعياً لديه رؤى وآراء واطّلاع يمكن من خلالها أن يكون حاضراً في المشهد السياسي والأكاديمي والاجتماعي. فالأسرى في هذا العدد، مثلما يقول خوري، "يُطلُّون من زمنهم هذا [الزمن الموازي] على الزمن الفلسطيني، ويقدّمون نقداً موضوعياً وعميقاً للواقع، يصلح لأن يكون دليلاً ومنهاج عمل في مسار تأسيس اللغة النضالية الجديدة التي لا تزال في طور التبلور" (ص 8).

العدد 128 عدد مميز أيضاً بعرضه قضية الأسرى ورؤيتهم تجاه العديد من القضايا، وهذا كله من عدة زوايا ندر أن يتناولها كثير من وسائل الإعلام المكتوبة والمرئية التي يقتصر تعاملها مع الموضوع على "العاطفي" و"الإنساني" و"التضامني".

عدد "كلام الأسرى... عيون الكلام" احتوى على ندوة شارك فيها عدد من قيادات الحركة الأسيرة في السجون الإسرائيلية (50 صفحة)، وهي الأكثر أهمية لما فيها من نقاش طال كثيراً من القضايا التي تُعنى بقراءة الواقع الفلسطيني بشموليته، وسبل الخروج من أزماته المتراكمة، و13 نصاً تناولت تجارب ومحطات وقصصاً وأدباً، ومؤسسات، وكتابات أكاديمية، فضلاً عن موضوعَين تناولا الاعتقال السياسي لدى السلطة الوطنية الفلسطينية: تحليلاً وشهادات.

أطلقت الندوة في عنوانها توصيفاً مفاهيمياً جديداً هو "الجغرافيا السادسة"، أي "جغرافيا السجون" التي تضاف إلى بقية التوزيع "الطوبوغرافي" الفلسطيني: الضفة الغربية؛ القدس؛ قطاع غزة؛ الشتات؛ الداخل الفلسطيني. وهذا المفهوم الذي يحمل من الكثافة ما يعطي السجون موقعاً مهماً في تشكيل "الحقيقة الفلسطينية" كمشروع وطني شامل، وممارسة تتناسق مع رؤى هذا المشروع ومبادئه، دليل على أن السجون لم تعد، مفاهيمياً على الأقل، جزءاً من جغرافيا تتوزع على مساحات الوطن، بمقدار ما أصبحت جغرافيا لها امتداد واحد بمساحات تتجاوز الانتشار والتوزع، ولها صوت واحد وأثر واحد ودور واحد.

لقد هدفت الندوة، مثلما يقول مُعِدّها عبد الرحيم الشيخ، إلى إسماع "صوت المغيَّبين" من طرف الاحتلال ومعظم فصائل العمل الوطني عن دائرة القرار الفعلي، وربما كان هذا الهدف هو الأكثر أهمية في هذه الندوة، فضلاً عن توقيتها والأهمية والمكانة التي يمتلكها المشاركون فيها من قادة الحركة الوطنية والإسلامية عامة، والحركة الأسيرة، "خلايا الذهن التي لم يدركها العطب في جسم الحركة الوطنية الفلسطينية"، بصورة خاصة (ص 11). وإلى جانب هذا الهدف، ثمة طموح نرى أنه، وفق ما هو متاح حالياً للحركة الأسيرة من تصورات وأدوار لدى قادة العمل الوطني خارج السجون، بل حتى داخل السجون، "مبالغ فيه"، فهو طموح يرغب في أن تشكل الحركة الأسيرة دليلاً سياسياً وأخلاقياً، ونواة لمبادرة إنقاذ وطني، لكن هذا الأمر يحتاج إلى مزيد من الوقت لإنضاج دور "الحركة الأسيرة" كعامل إيجابي في المشروع الوطني الفلسطيني، والذي نأمل بأن يكون لهذا العدد من "مجلة الدراسات الفلسطينية" دور في إحداث "خلخلة" في الذهنية المهيمنة على مفاصل القرار فلسطينياً، تقود إلى فهم ضرورة الشراكة الفعلية مع الأسرى وحركتهم المقاومة.

المشاركون السبعة في الندوة توزعوا على عدة مستويات: طوبوغرافياً توزعوا على سجون: هداريم (مروان البرغوثي وثابت مرداوي)، وجلبوع (وليد دقّة وباسم خندقجي)، ورمون وكتسيعوت (عبد الناصر عيسى وعبد الرازق فرّاج ووجدي جودة)؛ أمّا فكرياً فجاءوا من خلفيات متنوعة، مثل "فتح"، و"حماس"، والجهاد الإسلامي، والجبهة الشعبية، والديمقراطية، وحزب الشعب، و"التجمع الوطني الديمقراطي" في فلسطين 48.

أسئلة الندوة تنوّعت في تناولها ما يتعرض له المشروع الوطني الفلسطيني من تحديات، وما هو موجود أمامها من حلول، وذلك في محاولة لأخذ صورة شاملة من القادة الأسرى لمفاصل العمل السياسي والمقاوم خارج السجون. وقد تنوعت الإجابات بتنوّع الخبرات التي يمتلكها المشاركون في الندوة، وبتنوع المرجعيات التي ينطلقون منها في قراءتهم للواقع الفلسطيني، وتحليله، وطرح الحلول الملائمة.

نحن هنا لا نتكلم عن "صوت واحد" سياسي أو فكري للحركة الأسيرة، وهذا غير مطلوب طبعاً، فهذه الحركة عاشت "التعددية" في هذين الأمرين تاريخياً حتى داخل التنظيم الواحد، على الأقل في المراحل المتأخرة من تاريخ الحركة الأسيرة التي صارت تتفهم الاختلافات الفكرية والسياسية من دون حساسية مفرطة. إلّا إن هناك إجماعاً على وجود أزمة تعصف بكل من المشروع الوطني الفلسطيني، والحركة الوطنية الفلسطينية، والنظام السياسي والقيادة الفلسطينية، وعلى خطورة تعيشها المرحلة التاريخية التي نمر بها، وهذا أمر يحتاج إلى حلول تُنهي هذه الأزمة، وتتوزع على مروحة الأفكار التي ينطلق منها كل من القادة الأسرى.

لقد كانت الجرأة واضحة في الإجابة عن السؤال المتعلق بالتناقضات الداخلية في البنى التنظيمية، وبـ "النقد الذاتي" الذي كان الأسرى في العادة يبتعدون عن التصريح به علانية، لما في هذا من مخالفة لأدبيات السجون وأخلاقيات الخلايا التعبوية داخلها، ولما لها من أهمية في تمتين الصف الداخلي والوقوف بحزم وراء القيادة السياسية.

لقد طال النقد كثيراً من الأمور، فمثلاً، مثلما يقول البرغوثي، تمتلك حركة "فتح"، على المستوى السياسي، "رؤية مرتبكة تحتاج إلى مراجعة عميقة وشجاعة لمسار أفضى إلى فشل كبير" (ص 29)، أو حين يقول دقّة إن "المعارضة غدت جزءاً من الخطاب السياسي المهيمن"، وإن قياداتها تعيش حالة من "اللاتوازن" وتسيطر عليها حالة من "الفُرجوية" (ص 31)، أو أن الفصائل تعيش مستويات من التناقض بين البنى التنظيمية القيادية وبين البنى القاعدية، جعلت الشعب، مثلما يقول فرّاج، ينظر إليها بحالة من "عدم الثقة" (ص 32)، أو أن هذه التنظيمات، وفق مرداوي، قد أخلّت بـ "العقد الوطني" بينها وبين الشعب، للقيام بما يلزم لتحرير فلسطين، بل هي لم تقترب يوماً من شروط الحد الأدنى لحمل هذه الأمانة (ص 33)، وبالتالي فإنها مسؤولة عن المعاناة التي يعيشها واقعنا السياسي والوطني "بمجمل مآلاته وأزمته وفشله" (ص 35). وكان باسم خندقجي أكثر وضوحاً وتحديداً في نقده حين قال إنه لم يعد يشعر بأن الحزب (حزب الشعب) يعبّر عنه وعن عضويته فيه بسبب ما يعانيه الحزب جرّاء ترهّله وانفصاله عن الواقع، الأمر الذي أدى إلى نشوء حالة من الاغتراب بينه (خندقجي) وبين قيادة الحزب (ص 35).

السؤال الأكثر أهمية في الندوة "الافتراضية" يتعلق بالمبادرات الإصلاحية أو الثورية، وما يهمنا هنا هو "وثيقة الأسرى" لسنة 2006، التي تُعدّ إحدى تلك المبادرات، والتي جاءت في وقت مهم ومفصلي من تاريخ المشروع الوطني الفلسطيني، ظهر فيه الواقع السياسي الفلسطيني بحالة سلبية كبيرة.

لقد جرى العبث بـ "وثيقة الأسرى" وأصبحت "وثيقة الوفاق الوطني"، بعدما عمدت الفصائل إلى "تصحيحها" وإعادة توجيه بوصلتها لتكون وثيقة للوفاق الوطني من دون إثبات للمرجعية التي أنتجتها من قادة الحركة الأسيرة في سجن هداريم من الفصائل الخمسة، أو الأربعة على وجه الدقة، فالجبهة الديمقراطية كتنظيم لم يكن لها وجود في سجن هداريم القسم 3، وإنما وُجد ممثلها في التوقيع، "مصطفى بدارنة"، في السجن نفسه، لكن في القسم 4، وهو عملياً لم يكن جزءاً من الحوارات التي خاضها المشاركون في التوقيع.

أبرزت الندوة اختلافاً بشأن الوثيقة في آراء المشاركين من الأسرى القادة، سواء بشأن قيمتها أو صلاحيتها في إيجاد إطار حل، أو حتى إزاء إمكان إعداد الحركة الأسيرة الفلسطينية وثيقة أُخرى في ظل الظروف الحالية التي تعيشها القضية الفلسطينية. فالبرغوثي، "عرّاب الوثيقة"، الذي لا يزال يرى فيها "قاعدة وطنية يمكن البناء عليها وتطويرها وإدخال أفكار جديدة عليها"، لا يرى صعوبة كبيرة فحسب، بل استحالة إمكان وضع "وثيقة ثانية" أيضاً، في ظل التحديات التي تواجهها الحركة الأسيرة داخلياً وخارجياً (ص 38)؛ أمّا وليد دقّة فيرى أن الوثيقة "تندرج في سياق تقاسم السلطة ذاته، وإجراء محاصصة في مؤسسات منظمة التحرير بعيداً عن أغلبية الشعب الفلسطيني" (ص 42)؛ بينما يرى عبد الرازق فرّاج أن الوثيقة صالحة كإطار عمل، وهو يدعو إلى عقد "مؤتمر وطني" يشارك فيه ممثلو الفصائل الفلسطينية وممثلون عن الأسرى والمؤسسات والفاعليات، وتكون ورقته الأساسية وثيقة الأسرى لسنة 2006، مع ضرورة تطويرها لتأخذ في الاعتبار متغيرات 15 عاماً أتت بعدها (ص 43)؛ ويتبنّى خندقجي موقفاً حاداً تجاه وثيقة الأسرى، فهو لا ينظر إليها على أنها "ممارسة سياسية واعية يمكن أن تمهّد الطريق أو تحلّ محل ميثاق منظمة التحرير الفلسطينية لسنة 1968، إذ إنها مجرد محاولة فاشلة لإجراء صلح عشائري بالمعنى السياسي. وبالتالي، فإنها لا تشكل الحد الأدنى من المظلة الاستراتيجية للكل الفلسطيني" (ص 45)، بل يرى إمكان بلورة "وثيقة ثورية جديدة لا تستند إلى الوثيقة الأولى" (وثيقة الأسرى)، وتكون معبّرة "عن تطلعات وحراكات الشباب الفلسطيني"، وليس عن "برامج ومصالح الأحزاب" (ص 46)؛ ويرى ثابت مرداوي أن ضعف الوثيقة يكمن في أنها لم تكن "تمتلك من الأدوات والقوة" التي تؤهلها لتكون إطاراً لحل إشكال الانقسام الفلسطيني بين قطاع غزة والضفة الغربية، مثلما كان يريد موقّعوها، كما أن وثيقة أسرى جديدة لا يمكنها تلافي القصور والضعف في الوثيقة الأولى لسنة 2006، علاوة على أن "أوضاع الأسرى وتفتّتهم وانقسامهم وتراجع دورهم، كلها عوامل تدفع إلى الشك في قدرتهم على إنتاج وثيقة ثانية." والأمر الأكثر أهمية، من وجهة نظر مرداوي، هو أن "عدة أطراف من الخارج 'استكثرت' على الأسرى دخول 'الحرملك السياسي'، أو حتى الوقوف على بعض نوافذه" (ص 48)، وفي رأيي، فإن هذا موقف مهم يضع الإصبع على مكمن الألم، فالذي يعيش في الخارج هو غير السجين، وهو لا يرى له أي دور، وكل ما يقوم به هو اعتداء على صلاحية الخارج، ربما، من دون دقة في التأصيل، مشياً على القاعدة الفقهية "ليس لأسير ولاية"؛ لكن وجدي جودة يرى أنه، حتى بعد التعديلات التي أُجريت على الوثيقة لتصبح وثيقة الوفاق الوطني، فإن الوثيقة "شكلت وما زالت أول وثيقة مؤسسة لصوغ العلاقات الفلسطينية - الفلسطينية، وربما هي الإنجاز الفلسطيني الصرف من دون تدخلات وضغوطات عربية وإقليمية ودولية"، وأنها "ما زالت صالحة وتشكل استراتيجيا متكاملة" (ص 51)؛ أمّا عبد الناصر عيسى فيؤكد أن " 'وثيقة الأسرى' أو التي سُميت 'وثيقة الوفاق الوطني'، بعد أن أُجريت عليها تعديلات طفيفة، هي الصيغة الوطنية الواقية لمواجهة الاحتلال وتحقيق بعض حقوق الشعب الفلسطيني في الدولة والتحرر"، مشيراً إلى أن أهمية الوثيقة تأتي من أنه "لأول مرة توافق حركة 'حماس'، بشكل رسمي، [....] على إقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة على كامل أراضي 67" (ص 53).

هذا الاختلاف بين قادة الأسرى، بشأن وثيقة الأسرى، سواء لجهة صلاحيتها أو لنجاعة استخدامها حالياً أو لإمكان إعادة إنتاج وثيقة أُخرى تتجاوز مكامن ضعفها، نابع من أن التعامل مع الوثيقة منذ البداية كان يحمل في طياته مكامن فشلها وضعفها في إبراز الدور الفاعل للأسرى ولإمكان التعامل معهم بشكل أكثر تماسّاً مع ما يلزم من أجل إعطائهم دوراً فاعلاً في الحياة السياسية. فبعد صوغها، وقعت الوثيقة في أزمة ثقة كبيرة بين الفصائل التي وقّعتها، وذلك بعد أن جرى التعامل معها إعلامياً بشكل يخالف ما اتُّفق عليه من ضرورة إيصالها إلى قيادة الفصائل في الخارج، والتي وقّعتها لأخذ الموافقة النهائية، وهو ما لم يتم، بل إن الفصائل سمعت بالوثيقة من خلال وسائل الإعلام بعد إعلانها إطاراً للحوار الفلسطيني من جانب الرئيس الفلسطيني محمود عباس، الأمر الذي أوجد أزمة ثقة عالية أدت إلى الطعن بها وبصدقيتها وصدقية عدد من موقّعيها من حركتَي "حماس" والجهاد الإسلامي. وساعد في هذا الأسرى في بعض السجون، والذين لم يُحاطوا علماً بها، بسبب السرعة في إعدادها، فأعلنوا عدم موافقتهم عليها، معتبرين أن الوثيقة تمثل الأسرى في "سجن هداريم" فقط. هذا كله أضعف الوثيقة وأضعف إمكان أن يكون للأسرى دور فاعل هو بالضرورة غائب منذ سنة 1967 عن الحركة الوطنية الفلسطينية.

في مفصل آخر من مفاصل الندوة، فتح سؤال أولويات العمل فلسطينياً وعربياً وإقليمياً وعالمياً، إجابات على جميع المستويات، أشارت إلى غياب رؤية واحدة لدى الحركة الوطنية الأسيرة، تجيب على سؤال "ما العمل" فلسطينياً. ومع اقتناعنا بأن هناك استحالة لتوحيد موقف الحركة الأسيرة تجاه أي من القضايا السياسية والفكرية، فإن غياب "الموقف الموحد" لهذه الحركة تجاه القضايا السياسية وضعها في صورة الموقف "المفتّت" والمنقسم، حتى في ظل التنظيم الواحد، ولا أدلّ على ذلك من إفشال إضراب الأسرى في سنة 2017، والذي كان لأطراف من الحركة الأسيرة دور فيه، إمّا لأسباب شخصية، وإمّا تنظيمية.

إن العمل على وضع الأسرى في المكانة التي يستحقونها، كمقدمة لإنتاجهم رؤى سياسية تشكل إطاراً سياسياً / مخرجاً من الأزمة، يأتي ضمن إخراج الحركة الأسيرة نفسها من الأزمة التي تعيش في ظلها: تنظيمياً وإدارياً وسياسياً، والتحول من التعامل مع القضايا الداخلية المطلبية تجاه إدارة السجون لتحسين أوضاع الأسرى الحياتية، وهي حق، إلى النظر في اتجاه أخذ الدور الفاعل إيجابياً وعدم انتظار الآخرين لإعطائهم إياه.

بالنسبة إلى الموضوعات الأُخرى التي يتناولها العدد، نقرأ في "قصص عن الحرية" كتبتها قَسَم الحاج، تجارب أربع أسيرات (ميس أبو غوش؛ سماح جرادات؛ شذى حسن؛ إيلياء أبو حجلة)، جميعهن طالبات في جامعة بيرزيت وناشطات في العمل الطلابي، أُفرج عنهن أخيراً، وكنّ قد خضعن لعملية تحقيق قاسية مادياً ومعنوياً، وخضن تجارب جديدة عليهن، سواء فيما يتعلق بتجاربهن الشخصية ذاتها، وما فيها من جدّة طالت كل شيء في واقع يتكثف فيه الأمل والحزن، أو حتى فيما يتعلق بتجارب الأُخريات اللواتي كنّ برفقتهن داخل المعتقل.

وفي "حكايات تكسر صمت القضبان"، والتي كتبتها سعاد قطناني، نقرأ عن ثلاث تجارب في الأسر: الأولى، تجربة لمى خاطر الكاتبة والناشطة السياسية والوطنية؛ الثانية، مخلص برغال المعتقل منذ 28 عاماً داخل السجون الإسرائيلية - وهو من فلسطينيي الداخل من مدينة اللد؛ الثالثة، مجد بربر وخطيبته التي انتظرته عشرين عاماً. في هذه التجارب الاعتقالية الثلاث، لا يمكن فكّ الوضع الإنساني عن الوضع السياسي والنضالي / الوطني، مع الأخذ في الاعتبار الاختلاف في طبيعة التجربة وطريقة عيشها، ما بين مشاعر الأم وكثافتها في التعامل مع طريقة الاعتقال أمام أبنائها الصغار، أو في البعد عنهم، أو العزل وما يحمله من قسوة ومرارة لا يعين على تجاوزهما إلّا امتلاك الأسير ذكريات وقدرة على التحمل، واجتراحه أساليب كالرياضة والثقافة والعلاقات الاجتماعية كأدوات للاستمرار، أو من خلال العاطفة بين حبيبين، والتي أوقف الاحتلال تدفقها في إثر الاعتقال.

أمّا مقالة "الصياد والتنين" التي كتبها زكريا زبيدي، وهو من مخيم جنين، وأسير في سجن جلبوع، وأحد أبطال عملية الهروب الجريئة، وهي جزء من رسالة ماجستير كان يُعدّها في جامعة بيرزيت، فنقرأ فيها سردية نضالية يؤرخ الأسير من خلالها تجربته منذ ولادته حتى مرحلة ما قبل اعتقاله الأخير في سنة 2019، مروراً بكثير من المحطات المهمة: مطاردة، واعتقال، ومواجهات، وتهديد بالاغتيال؛ مقالة نأمل بأن يُكملها الأسير زبيدي سواء بعد الإفراج عنه، أو قبل ذلك، إن أتيحت له الفرصة، لما تحمله من أهمية في إنتاج سردية نضالية متكاملة لمناضل كانت له تجارب متنوعة، وعاش حيوات مختلفة في عمر واحد، إن جاز لنا التعبير.

في مقالة "المؤسسات الفلسطينية العاملة في مجال الأسرى" التي كتبتها تسنيم القاضي، وهي الأسيرة المحررة، كنا نأمل بأن يضاف، إلى جانب ما تضمنته المقالة من سرد تعريفي بهذه المؤسسات - وهو أمر مهم - نقاش في أدوار تلك المؤسسات، وذِكر للتحديات التي واجهتها أو ما زالت تواجهها، وخصوصاً في ظل هجوم شرس عليها وعلى حدود صلاحياتها وقدرتها التمثيلية لشؤون الأسرى بعد إعادة هيكلة العديد منها ضمن ضوابط ومحددات جديدة. كما كان من المفترض بحث موضوع "المساقات التعليمية" التي تدرّسها بعض الجامعات الفلسطينية بشكل أكثر تفصيلاً، سواء تحت اسم "تاريخ الحركة الوطنية الأسيرة"، أو مساق "الحركة الأسيرة الفلسطينية"، أو مساق "دفاتر السجن: الحركة الفلسطينية الأسيرة"، وهو اسم له دلالاته المميزة بعنونته "دفاتر السجن"، فهذا الاسم "غرامشي" الطابع يضع الأسير في موقع الفاعل و"المنتج" للأفكار، أسوة بالمفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي الذي كتب هذه الدفاتر خلال وجوده في السجن، وكان لها صدى تجديدي داخل الماركسية خاصة، والفكر الإنساني عامة. ويمكن اعتبار هذا المساق الأخير أنه الأكثر "فهماً" لطبيعة قراءة تجربة الاعتقال، وربما كان لا بد من كتابة قراءة منفصلة لهذه التجربة الغنية.

أمّا حسام شاهين الأسير في سجن نفحة، فيكتب عن فدوى البرغوثي مقالة بعنوان "وزيرة خارجية بلا وزارة"، يتناول فيها جهد أم القسّام في حمل قضية الأسرى عامة، وقضية اعتقال زوجها مروان البرغوثي خاصة، إلى العالم من خلال جولاتها ومشاركتها في العديد من النشاطات العالمية، فضلاً عن ذكر بعض من ذكرياتها مع أبو القسّام خلال مختلف محطات حياته من الاعتقال والإبعاد، وصولاً إلى المحطة الأخيرة التي ما زال يعيش أحداثها داخل الاعتقال الإسرائيلي منذ 19 عاماً، وإن كانت المقالة تحمل معلومات تفتقر إلى الدقة بشأن "وثيقة الأسرى" وآليات التعامل معها خارجياً.

أمير مخّول الأسير المحرر من فلسطينيي 48، والذي أمضى 9 أعوام داخل المعتقل الإسرائيلي، يسرد في نص يمتلك من كثافة اللغة الأدبية الشيء الكثير، ومن تأريخ، وإن بشكل مختصر، يبتعد عن الملل، تجربته الاعتقالية وما بعدها، والمشاعر التي يمتلكها للأسرى وحيواتهم التي علقوا بها داخل المعتقل، وهم الذين أصابهم "الجنون" إلى حد "فائض العقل"، و"حتى النبوغ" لما لتجاربهم من فرادة يتعايش فيها الجنون والعقل في فضاء يتكثف فيه الحدث ليأخذ شكلاً فريداً ينقله لنا مخّول بدقة وبرهافة عالية، كما في قصة "أسامة الأشقر ومنار الخلاوي" واقترانهما، هو داخل السجن وهي خارجه، وهي تجربة دفعت أسامة إلى إهداء كتابه "للسجن مذاق آخر" إلى منار التي أضاءت سماءه وأدخلت النور إلى زنزانته. أو في قصة الأسرى القدامى كصالح أبو مخ الذي كان يخشى، وهو المريض بحفنة أمراض جسدية، من أن يصاب بـ "مرض الأسرى" وهو الاستعجال على رؤية الفرج، والعيش في الخيالات التي يبنونها على "الرمال المتحركة". أو في قصة وليد دقّة وسناء سلامة وعرسهما الذي كان كبيراً بمقاييس الأسرى، ثم إنجابهما طفلة سمّياها "ميلاد"، رفض الاحتلال بعد إنجابها تسجيل وليد أباً، وإن سجّلها في سجل السكان.

البانوراما الرقمية التي أعدّتها أماني سراحنة، وهي المختصة بشؤون الأسرى في نادي الأسير الفلسطيني، مهمة لما لها من دور في اعتماد المؤسسات التي تُعنى بالأسرى على هذه الإحصاءات في قراءة إجراءات الاحتلال ضد الحركة الأسيرة، علاوة على أن الاستمرار في تحديثها يُعتبر أمراً مهماً وضرورياً. كما أن قراءة سراحنة لهذه الأرقام سياسياً، وخصوصاً عبر قراءة آليات القمع التي يمارسها هذا الاحتلال من خلال تناول مسارَي عملية الاعتقال: الأول هو الثابت والمتعامل مع أدوات العنف كآلية قمع ضد الأسرى وأهاليهم، والثاني هو المتحرك من خلال قراءة سِيَر الأسرى الاعتقالية، هي قراءة مفيدة يجب الاهتمام بها من جانب صنّاع القرار، ولا سيما المعنيين بشؤون الأسرى.

وللنصوص الأكاديمية مكان أيضاً، فالأسير طارق مطر ينشر خلاصة رسالة الماجستير الخاصة به، التي تتناول "الأبعاد النفسية والاجتماعية للمواجهة في زنزانات التحقيق"، وتحمل العنوان ذاته، والتي يطرح فيها بُعداً واحداً هو "بعد التحقيق"، هذه العتبة التي لا بد من أن يجتازها المعتقل وصولاً إلى السجن، وهي عتبة مفصلية مهمة دأبت الحركة الأسيرة على دراستها والتعلم من تجاربها في سبيل الحفاظ على "المعلومة" التي يجهد الاحتلال إلى الوصول إليها. والموضوع هنا يناقَش من زاوية أُخرى تختلف عمّا كانت الحركة الأسيرة تعتمده في تدريس الخلايا الثورية داخل المعتقل، والتي كانت تتعامل معه كوسائل وأدوات للصمود والفهم، فمطر يناقش الأمر من النواحي النفسية والاجتماعية، مستنداً إلى ما طرحه عدد من المفكرين كعلي شريعتي وفرانز فانون في "بناء الذات الثورية" و"معذبو الأرض" على التوالي، كإطار نظري لدراسته. وما نلاحظ هو أن الرسالة هي تحديد نظري بناء على رؤية صراعية بين المستعمِر والمستعمَر، وأهميتها تكمن ليس في طرح أدوات خلاصية للمعتقل، بمقدار ما هي تحديد لأطر نظرية تمتلك من النخبوية الشيء الكثير، وموجهة إلى الفهم أكثر منها إلى لممارسة.

أمّا بحث باسم خندقجي، والمعنون "أثر سياسات المعرفة في الخطاب البحثي الأكاديمي"، فمع أنه لا ينتمي إلى أدبيات السجون كموضوع بحت، إلّا إنه ينتمي إليها كمفهوم قابل للتأويل في البعد الاعتقالي، فالسياقات المعرفية في البحث تتناول مفاهيم ذات صلة بالسجين: "تابع" و"خاضع"، والتي يمارسها تجاهه الاحتلال داخل السجن ضمن رؤيته الكولونيالية التي تأتي في السياق المعرفي الحداثي الأوروبي، وكذلك من خلال محاولة إنتاج "الكائن الكولونيالي الخاضع"، مستنداً إلى رؤية ميشيل فوكو عن نسبية الحقيقة التي تنتمي إلى خطاب السلطة والسيطرة. إن الدراسة نظرية بحتة وتستند في مجملها إلى فوكو، أو مَن تأثر به كإدوارد سعيد وغيره في رؤيتهم النقدية إلى الفكر الإنساني المعاصر، ولا سيما ذلك الذي يمتلك السلطة بما هي خطاب وأدوات قمع، ويحدد الحقيقة بما هي منتَج خطابي. ويمكننا من خلالها، وغيرها من الدراسات التي يحويها هذا العدد من المجلة، قراءة الأهمية التي يوليها بعض المعتقلين للأطر النظرية، وخصوصاً ما بعد البنيوية وسواها، في قراءة الأمور المتعلقة بالسجن أو غيرها، الأمر الذي يحتاج إلى دراسة جدية لهذا التحول من "الممارسة" التي كانت الحركة الأسيرة تستند إليها في أدبياتها العملية والواقعية، بسبب الحاجة العملية للحركة إليها في إنتاج المعتقل القادر على المواجهة، إلى "النظرية" كإطار معرفي نخبوي لا يتوافق مع كثير من المعتقلين، ومع حاجاتهم الحقيقية داخل السجن.

النصوص الأربعة الأخيرة هي نصوص أدبية تراوحت ما بين الخاطرة والشعر، كما في النص النثري لليان كايد الأسيرة في سجن الدامون، والمعنون "السجن كنص"، "فالنص وثيقة تحنط السجن، والسجن وثيقة يمزقها النص"، مثلما تقول كايد، في عملية جدلية بين النص والموضوع تفتح الأفق للتأويل وتعددية المعنى الكامن بينهما. أو في نص سائد سلامة "عطر الإرادة" الذي يكشف في سرده لتجربة الزيارة من خلال اللوح الزجاجي الذي يفصل بين الأسير وبين أهله، ويضع حاجزاً يمنع الشخصي والإنساني من التبادل بين الجهتين، بحيث يشكل حالة من الرتابة المادية التي تضع الإنسان في قفص زجاجي كامل لا يُعتبر مجرد حاجز فاصل، وذلك في محاولة لثني العاطفي من التلاقي في حرارة لازمة لإعطائه فسحة حرية ولو لدقائق معدودة. إلّا إن السارد هنا، ومن منطلق رؤية ما بعد حداثية للمعنى، يعطي الإرادة رائحة العطر لأنه بتماسّه معها يستطيع أن يوصل إلى الآخر شيئاً من شذاه. أمّا النصّان المتبقيان لكميل أبو حنيش، وناصر سرور فنصّان شِعْريان يحملان شيئاً من شاعرية السجن التي لا يمكن قياسها فنياً وأدبياً، وإنما بما تمتلك من شاعرية تنبع من واقع فحواه هو أن مجرد كتابتك لقصيدة يعني أن تكون إنساناً قبل أن يتم تصنيفك شاعراً أو أديباً.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

السيرة الشخصية: خالد زواوي: باحث في علم الاجتماع.