متمسكاً بها لإحياء التراث الفلسطيني...

تقرير الحاج صبري عطالله: بالفخار يُحيي تراث أجداده.. ويكسب قوت يومه

الساعة 07:30 م|26 ديسمبر 2021

فلسطين اليوم

غزة/أمل خالد الوادية:

يجلس على كرسيه أمام الدولاب الكهربائي، ويُشكل بيديه كتلة طين، تارةً يُبلل يديه بالماء لتلين أطراف الطين، وتارةً أخرى يدور بأصابعه حول الطين مع دوران الدولاب، فيحوَّل كتلة الطين إلى زبدية أو إناء وغيرهما، ثم يضعه جانباً، ويتركه لمدة تتجاوز الأسبوع في مكان يسمونه "سِدة" حتى تجف، ثم يُدخلها الفرن المصمم بأيديهم من الطين على درجة حرارة عالية، حتى تخرج كل الرطوبة التي بداخلها، ويخرج الشكل النهائي المطلوب، ويُباع بالأسواق بأسعار متوسطة، يكسبون منها لقمة عيشهم.

هي مهنة الأجداد الذين عاشوا أيام الزمن القديم بكل حذافيره، فكانوا يعتمدون اعتماداً كلياً في أكلاتهم على الأواني الفخارية، فيشربون الماء بإبريق الفخار، ويضعون طعامهم بزبدية فخارية، إحياءً لتراثهم الفلسطيني، فبين الماضي والحاضر خرجت بدائل كثيرة عن الفخار، كالأواني الزجاجية والبلاستيكية وغيرهما، مما شكَّل اندثاراً لحرفة الفخار، وإغلاقاً للكثير من المصانع التي تُنتجها.

الفخار (1).jpeg
 

وراثة تتناقلها الأجيال

ورث الحاج صبري عطالله هذه الحرفة من والده حيث كان يعمل منذ الآف السنين في مدينته الأصلية (عكا) ثم هُجر أيام نكبة 1948 الى لبنان، ليعود لمسقط راسه غزة، ويؤسس مصنع الفخار عام 1960، يقول الحاج صبري لمراسلة وكالة فلسطين اليوم: "تعلمت هذه الحرفة من والدي منذ أن كان عمري سبع سنوات والآن أصبح عمري 60 عاماً، وأنا لا زلت أعمل بها وأورثتها لأبنائي، فمنهم من يعمل معلماً ومهندساً ليأتوا بعد عملهم، لممارسة الحرفة في مصنعنا الخاص بنا في مدينة غزة."

الفخار (10).jpeg
 

صناعة الفخار

تتم صناعة الفخار من طين البلاد ورائحته الزكية، حيث يأخذ العم صبري الطين من الحدود الشرقية لمدينة بيت حانون شمال قطاع غزة، وتتم هذه العملية خاصةً في فصل الصيف، لأن الحرارة تكون عالية جداً ويجف الطين، يُكمل الحاج صبري حديثه: " نقوم بجمع الطين الموجود بين أراضينا المحتلة وقطاع غزة، فهو أفضل نوع طين لصناعة الفخار، ويتم وضعه بالمياه، فيقوم أحد العمال بتذويب الطين مع الماء، ليخرج القش للأعلى والحصى للأسفل، ثم نضع الماء والطين بمكان يُسمى (المصول) لمدة شهرين حتى يجف الطين."

وأضاف: "بعد عملية التجفيف يدخل الطين في ماكينة تسمى (العجانة)، تعمل على دمج الطين الخشن مع الناعم بعضه ببعض، لإخراج طين قابل للتشكيل، فيقوم أصحاب الحرفة بتشكيل قوالب عبر الدولاب الكهربائي، وإنتاج الفواخير المطلوبة بالسوق كالزبدية، ثم يضعونها لتجف لمدة معينة حسب الطقس، ويدخلونها الفرن على درجة حرارة عالية، ليخرج الفخار بشكل مقرمش، ويتم اعادة وضعه بالفرن على درجة حرارة 750 حتى يخرج الشكل المطلوب."

وأشار إلى أن الفخاري تأخذ ألوانها حسب طريقة صناعتها، فالفخاري ذات اللون الأبيض يُضاف على طينها مادة كلوريد الصوديوم، وتُوضع تحت درجة حرارة 750 حتى تأخذ لوناً أبيض، أما الفخاري السوداء فيتم تسخين الفرن، واضافة زيت محروق داخله، واغلاقه من كل الجهات، وتُترك الفخاري داخل الفرن لمدة 48ساعة حتى تكتسب اللون الأسود المطلوب.

الفخار (9).jpeg
 

إحياء التراث الفلسطيني

بأيدي فلسطينية وبطين البلاد تُصنع الفخاري فيرفض العم صبري أي اقتراحات لتطوير مهنته، وذلك لاحتياجها مواد خام من خارج فلسطين، وهو لا يريد إضافة أي مواد من الخارج، فهذه الحرفة هي من أقدم الصناعات التراثية في فلسطين، فيقول مستشهداً بمثل شعبي: "من زيت بلادنا أكلنا."

ونتيجة الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة منذ سنوات طويلة، انعدم اقبال الناس على شراء الأواني الفخارية، وقلَّ الدعم الثقافي لأصحاب هذه الحرفة خاصةً من وزارة الثقافة، يقول: "في الوضع الحالي لا يوجد اقبال نهائي على شراء الفخاري، بسبب الحصار الإسرائيلي، حيث كنت أُصدر بضاعتي إلى الخارج، أما الآن ممنوعٌ من التصدير، ناهيك عن إغلاق العديد من المصانع المُنتجة للفخار في قطاع غزة، إذ كان قديماً يوجد من 40 -50 مصنع، أما الآن فلا يوجد إلا عدٌّ على الأصابع."

وأضاف: "أن بلدية غزة تأتي علينا وتخبرنا بأن المصنع سيتم إغلاقه، بحجة أنه خطر على الناس، ويُعطل حياتهم، بسبب الدخان الذي يخرج من الفرن."

فلا زال العم صبري متمسكاً بحرفته حتى الممات (على حد قوله)، متحدياً كل الظروف التي تواجهه، وذلك لحبه الشديد لها، وانتماءهُ بتعزيز احياء التراث الفلسطيني، خاتماً حديثه لمراسلة وكالة فلسطين بمثل شعبي: "قوتوا ولا تموتوا."

الفخار (8).jpeg
الفخار (7).jpeg
الفخار (6).jpeg
الفخار (5).jpeg
الفخار (4).jpeg
الفخار (3).jpeg
الفخار (2).jpeg
 

كلمات دلالية