الثقة والحقيقة والأمن القومي: المعركة على الوعي في العصر الرقمي.. رؤية إسرائيلية/ بقلم: وديع عواودة

فلسطين اليوم - غزة
الساعة 07:46 م
21 ديسمبر 2021

توافقت مجموعة خبراء وعسكريين "إسرائيليين" ضمن مؤتمر واسع على أنه نتيجة الفجوة الاستراتيجية في الأداء في عصر المعلومات الرقمية فإن حركة المقاومة الإسلامية (حماس) تلائم رسائلها لجماهير الهدف المختلفة وتقوم بتمريرها بشكل ناجع بعكس إسرائيل.

جاء ذلك في مؤتمر نظمه معهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب على اسم قائد الجيش الراحل أمنون ليبكين شاحك حول الديموقراطية في عصر الأخبار الملفقة وحول الحقيقة، الثقة والأمن القومي ومصطلحات الانتصار في معارك تدور على الوعي على خلفية حرب “حارس الأسوار”.

وشمل المؤتمر ورشات عمل ومقابلات مع خبراء في مواضيع تتعلق بالقضايا المذكورة محورها المعركة على الوعي وكيفية دفاع إسرائيل عن مصالح استراتيجية. ويستدل من مداولات المؤتمر أن الولايات المتحدة لا تتجه لتفكيك شركات المعلومات التكنولوجية العملاقة بل تتجه لتعريف مصطلحات القوة والمنافسة من جديد من أجل خفض قوتها بواسطة تقييدات وإجراءات.

ونوه المؤتمر إلى أن معظم شركات الاتصال العملاقة اليوم هي شركات أمريكية علما أن شركة تيك توك هي شركة صينية تتصاعد قوتها مما يشكل تحديا لمؤسسات التشريع الغربية ويستدعي تفكيرا استراتيجيا مبدئيا وواسعا. وتوافق معظم الباحثين الإسرائيليين والأجانب المشاركين في المؤتمر على ضرورة عدم إبقاء عملية التشريع الخاص بهذه الشركات بيدها داعين الدولة للتدخل لكن الآراء اختلفت حول السؤال: هل بمقدور إسرائيل مواجهة الشركات المعلوماتية التكنولوجية العملاقة؟

شركات الاتصال العملاقة

من جهة أولى زعم بعضهم أن إسرائيل دولة صغيرة وواحدة من دول كثيرة تنشط فيها شركات الإعلام العملاقة ولذا فإن قوتها محدودة أمامها خاصة بعد جولات انتخابية متكررة أضعفت منظومات التشريع. من جهة أخرى زعم البعض الآخر أن تجارب دول أخرى تدلل على أن هذه الشركات المعلوماتية العملاقة غير معنية أو عاجزة عن مغادرة أسواق محلية أو التصادم مع حكومات الدول الفاعلة فيها في أعقاب محاولات تشريع.

ويستنتج المؤتمر أن المنظومة السياسية في إسرائيل لا تتواجه مع أسئلة مبدئية تستدعيها إجراءات وتشريعات الشركات التكنولوجية العملاقة وأحيانا تغلب كفة الحسابات الاقتصادية الفورية على اعتبارات استراتيجية طويلة الأمد ترتبط بتأثيرات على المجتمع والمرافق العامة كلها. وتباحث المؤتمر في الخطوات العاجلة التي ينبغي على إسرائيل القيام بها الآن من أجل حماية حقوق ومصالح مواطنيها في الحقول الرقمية ومن هذه الخطوات التي ذكرت: إقامة لجنة تحقيق ضد شركات التكنولوجيا المعلوماتية، تشريعات خاصة وسن قانون لحماية المستهلك وجباية ضرائب منها والتعاون مع دول أخرى وتوسيع التخاطب الأمني والأكاديمي في المجال وصياغة استراتيجية مبدئية لمواجهة شركات معلوماتية.

من الذي انتصر؟

وتم تكريس واحدة من ورشات المؤتمر في معارك التأثير التي تنتهجها إسرائيل خاصة بعد حرب “حارس الأسوار” على غزة في مايو/أيار الماضي من أجل استيضاح السؤال من انتصر فعلا في الحروب خارج ساحات القتال وكيف يفهم كل واحد من الأطراف ما هو الانتصار وكيف يعرفه ويقيسه؟

وتوافق الباحثون المشاركون في هذه الورشة على وجود فجوة في مفهوم كل من الأطراف للحرب وفي التوجهات نحو المعركة على الوعي بين إسرائيل وبين حماس. وحسب ما جاء في الورشة فإن إسرائيل من ناحية مفاهيمية تقوم بخطوات عسكرية مع أبعاد وعيوية بينما تقوم حركة حماس بخطوات وعيوية لها أبعاد عسكرية. ورغم أن حماس تتحرك منذ سنوات وفق هذه الاستراتيجية فإن إسرائيل لا تلائم توجهاتها القتالية لطرق عمل حركة حماس ولا تجمع معلومات استخباراتية جيدة عنها في هذا السياق ولذلك هي لا تنجح بتوفير رد مناسب. وتم الاتفاق على أن استهداف مكتب وكالة أنباء أمريكية في غزة انطوى على “عملية تخريبية” على مستوى الوعي.

هذا ما حذرت منه هذه الورشة التي ترى أنه نتيجة الفجوة الاستراتيجية المذكورة فإن حماس وبعكس إسرائيل تلائم رسائلها لجماهير الهدف المختلفة وتقوم بتمريرها بشكل ناجع.

 في المقابل لا يوجد “صوت واحد” بل أصوات كثيرة تبث أحيانا رسائل متناقضة وعلى سبيل المثال طرح في الورشة كيف يتوجه الناطق بلسان جيش الاحتلال باللغة العبرية للإسرائيليين ويتم ترجمة الخطاب للغات أخرى وتصل لجماهير هدف أخرى بشكل يمس بمساعي إسرائيل.

كما ناقشت الورشة موقع الناطق العسكري وبدا أنه يخضع لمفهوم انتصار عسكري لا تشكل رسائله ردا مناسبا لرسائل حماس التي تتجه للأبعاد المدنية والعاطفية والشخصية (رواية جوليات وداوود) حيث تبين أن حماس عرفت بنهاية المطاف كيف تستغل الشبكات المعلوماتية وراكمت تجارب مهمة في تجنيد الموارد البشرية وتفعيلها. ولخصت الورشة هذه الجزئية بالقول إن حركة حماس نجحت في السطر الأخير بإحراز مكاسب مهمة في هذه المعركة بينما سادت في إسرائيل خيبة أمل حيال الأبعاد الخاصة بالوعي ضمن الحرب الأخيرة على غزة. وترى الورشة أنه كلما مر الوقت تتراجع مكاسب حماس خاصة بما يتعلق بالرابطة مع القدس وفلسطينيي الداخل حيث عاد الانتباه ليتركز في قطاع غزة.

ما هي المكاسب المهمة؟

وقالت الورشة إن هناك حاجة لمعاينة إسرائيل المنجزات المهمة بالنسبة لها خاصة أنه من الممكن أن التوقعات بالانتصار ليست واقعية. وتؤكد أن النقص في القوى العاملة، بناء الرواية، مفهوم الأمن، مهارات استخدام الشبكات المتنوعة وطريقة فهم كيف تعمل الحلبة الدولية – كل ذلك يحتاج لتقييم يقظ لقيود ومحدودية الواقع الذي تنشط فيه إسرائيل. وتعتبر الورشة هذه أنه لا توجد عمليات محددة تقلص الفجوة بين إسرائيل وبين حماس أو تؤدي لنصر قاطع واضح داعية للتحرر من التوقعات بإمكانية تشخيص وصياغة مثل هذه العمليات المحددة.

 التلاعب بالحقائق

وفي إطار هذا المؤتمر تحدث قائد جيش الاحتلال السابق الجنرال في الاحتياط غادي آيزنكوت في معهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب حول مساعي التأثير لدى الجيش وماذا يمكن تحقيقه بواسطتها. شدد آيزنكوت على ضرورة التمييز بين الدعاية والعلاقات العامة وبين الوعي فالأولى تتطرق لتمرير المعلومات للجمهور الإسرائيلي بينما الثاني يتعلق بالسعي ضد العدو بهدف تعزيز الردع منوها أنه من أجل هذا الغرض يصبح التلاعب بالمعلومات شرعيا. ودعا لصياغة استراتيجية تأثير من قبل الجيش خاصة في ظل الثورة المعلوماتية وتوترات بين قضية التأثير وبين عالم مصطلحات دولة ديموقراطية. كما تم التشديد على أن مساعي التأثير على وعي الآخرين ينبغي أن تترافق مع عمليات فعلية لأنها لوحدها تصبح فارغة.

وقامت الصحافية الإسرائيلية طالي ليبكين شاحك بمقابلة الجنرال ران كوخاف حول التوتر بين قول الحقيقة، كل الحقيقة، وبين تزوير الحقيقة في نطاق مساعي التأثير على الوعي- توتر يواجهه الناطق بلسان الجيش. وقال الناطق العسكري إن وظيفته هي قول الحقيقة فقط واستحضار صوت الجيش لجماهير الهدف المعنية في البلاد والعالم وليس أي جهد وأي تلاعب للتأثير على الوعي.

توصيات

وقدمت الورشة هذه سلة توصيات لإسرائيل: زيادة التنسيق بين الوزارات، الجيش، المنظمات المدنية وتغيير المصطلحات بطريقة لا تخدم حماس، فعاليات في الشبكة تتيح لمناصري إسرائيل في البلاد والعالم التعبير عن أنفسهم، تحديث عالم المصطلحات الإسرائيلية من فترة لفترة في مجال الوعي، صياغة استراتيجية شاملة تجمع البعد الوعيوي مع بقية الجهود.