"الإبراهيمية" دعوة دينية إنسانية أم تسويق مسيس للتطبيع؟

فلسطين اليوم - غزة
الساعة 09:21 ص
16 نوفمبر 2021
بسام ناصر.jpg

بسام ناصر

انتقد شيخ الأزهر، الدكتور أحمد الطيب التوجهات التي بات يروج لها على نطاق واسع في الآونة الأخيرة، تحت مسمى "الديانة الإبراهيمية"، الرامية إلى دمج الديانات ومزجها تحت ذلك العنوان المضلل والملتبس، وهو ما أثار موجة من النقد في أوساط إسلامية ومسيحية في مصر وخارجها.

وقال شيخ الأزهر في كلمته التي ألقاها الإثنين الماضي بمناسبة مرور عشر سنوات على التأسيس بين العائلة المصرية "وهذا التوجه، أو هذه الدعوة مثلها مثل دعوة "العولمة" و"نهاية التاريخ"، و"الأخلاق العالمية"، وإن كانت تبدو في ظاهر أمرها كأنها دعوة إلى الاجتماع الإنساني وتوحيده والقضاء على أسباب نزاعاته وصراعاته، إلا أنها، هي نفسها دعوة إلى مصادرة أغلى ما يمتلكه بنو الإنسان، وهو "حرية الاعتقاد.. وحرية الإيمان والاختيار..".

وأضاف: "ثم هي دعوة فيها من أضغاث الأحلام أضعاف أضعاف ما فيها من الإدراك الصحيح لحقائق الأمور وطبائعها.. ونحن وإن كنا لم نر ـ حتى هذه اللحظة ـ هذا الوليد الإبراهيمي الجديد، ولا نعرف شيئا عن ملامحه وقسماته، إلا أننا ـ ومن منطلق إيماننا برسالتنا السماوية ـ نؤمن بأنّ اجتماع الخلق على دين واحد أو رسالة سماوية واحدة أمر مستحيل في العادة التي فطر الله الناس عليها، وكيف لا واختلاف الناس اختلاف جذري، في ألوانهم وعقائدهم، وعقولهم ولغاتهم..".

من جانبه رفض القمص بنيامين المحرقي، الأستاذ بالكلية الإكليريكية بالأنبا رويس، الدعوة إلى الديانة الإبراهيمية، لأنها دعوة مسيسة تحت مظهر مخادع واستغلال الدين، مؤكدا في تصريحات صحفية أنه لا أحد يقبل مزج جميع الديانات تحت ديانة واحدة، ولن تقبله أي من الديانات خاصة المسيحية أو الإسلام، لأن معناها العودة إلى اليهودية، وقد تحدث فرقة داخل المجتمع..".

وفي هذا الإطار يُشار إلى أن الإمارات العربية أطلقت مطلع هذا العام مبادرتها لبناء "بيت العائلة الإبراهيمية" ليجسد حالة التعايش السلمي، وواقع التآخي الإنساني الذي تعيشه مختلف الأعراق والجنسيات من العقائد والأديان المتعددة في دولة الإمارت".

وسيضم "بيت العائلة الإبراهيمية" المقرر إقامته في جزيرة السعديات بالعاصمة الإماراتية أبو ظبي، والمقرر افتتاحه عام 2022، كنيسة ومسجدا وكنيسا تحت سقف واحد، ليشكل للمرة الأولى مجتمعا مشتركا، تتعزز فيه ممارسات تبادل الحوار والأفكار بين أتباع الديانات" وفق التغطيات الإعلامية المروجة للمشروع.

ووفقا لمراقبين فإن الدعوة إلى "الديانة الإبراهيمية" والسعي الحثيث لترويجها، وإن كان يجري تسويقها تحت عناوين دينية وإنسانية جميلة، إلا أنها في حقيقتها دعوة مسيسة بامتياز، تهدف إلى تجاوز كل الموانع الدينية تجاه مشاريع التطبيع مع الكيان الصهيوني، التي باتت الإمارات العربية من أكثر الدول انخراطا فيها، وأنشطها في الترويج لها، والدعوة إليها.

فالدعوة إلى "الديانة الإبراهيمية" تعني إفساح مساحة أوسع للمشروع الصهيوني، وتهيئة المناخات لإشاعة مشاريع التطبيع، وإزالة كل الأفكار والمبادئ الممانعة لانتشاره والانخراط فيه، وهو الأمر الذي ما زالت المجتمعات العربية والإسلامية في غالبها ترفض ذلك، ولا تستسيغه، بل تقف موقفا شرسا من كل من يقدم على ذلك وينخرط فيه، حسب الإعلامي المصري، الباحث في الفكر الإسلامي والحركات الإٍسلامية، عمرو عبد المنعم.

وأكدّ عبد المنعم لـ"عربي21" أن الدعوة إلى "الدين الإبراهيمي" دعوة مسيسة، ولها بالتأكيد أهداف وأغراض سياسية، وثمة فرق كبير بين الدعوة الإبراهيمية التي تعني الإعلاء من قيمة التوحيد، ونبذ الشرك والتبرؤ منه، وبين الدعوة إلى "الديانة الإبراهيمية" بصورتها الجديدة، والتي تعني دمج الديانات ومزجها في ديانة واحدة، وهو أمر مرفوض، كما أوضح ذلك وأكده وحذر منه شيخ الأزهر، الدكتور أحمد الطيب".

ولفت إلى أن "هذا المشروع سُبق بمشروعات وأفكار أخرى، كانت تهدف كلها إلى إزالة كل الحواجز الممانعة لإقامة علاقات طبيعية مع الكيان الصهيوني، وهو ما قوبل من قبل مؤسسات المجتمع المدني التي لا ترتبط بأجندات مع مؤسسات غربية، ومن النقابات المهنية بالرفض التام، بل إن تلك النقابات كنقابة الصحفيين المصرية ومثلها سائر النقابات الأخرى، تتخذ قرارات صارمة بحق كل من يتورط بمثل تلك العلاقات من منتسبيها".

وقلل عبد المنعم من أثر تلك الدعوة إلى "الديانة الإبراهيمية"، لأنها ستبوء بالفشل كغيرها من الدعوات السابقة، ولن تجد لها موطئ قدم في البيئات العربية والإسلامية، وستذهب أدراج الرياح بسبب رفض غالب الشعوب العربية والإسلامية لها، وهي المجتمعات المتدينة بفطرتها، والرافضة لكل مشاريع الاستعمار، خاصة المشروع الصهيوني الاستيطاني في فلسطين".

من جهته أكد أستاذ الفقه الإسلامي وأصوله في جامعة الزيتونة الأردنية، الدكتور أحمد شحروري أن الدعوة إلى "الديانة الإبراهيمية" في أصلها مشروع سياسي صهيوني، تولت الدعوة إليه أطراف عربية، وبألسنة عربية، لتكون نصيرا للمشروع الصهيوني العالمي، ومن المعلوم أن دولة الإمارات العربية هي من تولى الدعوة إلى الديانة الإبراهيمية علنا، وعلى رؤوس الأشهاد".

وردا على سؤال "عربي21" حول غايات الجهات الداعية إلى ذلك المشروع، قال شحروري: "تتلخص تلك الغايات في تمييع التزام المسلمين بدينهم، والتعطيل على دعاة الإسلام في دعوتهم لمواجهة المشروع الصهيوني، والتشويش على وضوح دعوة القرآن الكريم والسنة للانتصار لبيت المقدس، ومحاولة خلط الأوراق لإضاعة الدين الحق في دوامة الروايات الباطلة للتوراة والإنجيل المحرفين" على حد قوله.

وعن مخاطر تلك الدعوة وآثارها، لفت إلى أنها "تتلخص في نشأة جيل عربي مسلم مشوش الفكر تائه الطريق، منبهر بزركشة العناوين، لكنه في الوقت نفسه عاجز عن التمييز بين الغث والسمين منها"، متمنيا أن "لا يكون لها ذلك الأثر، وأن تبوء تلك المشاريع والجهود بالفشل".

بدوره نبه الباحث السوري المتخصص في الفقه الاجتماعي، الدكتور إبراهيم سلقيني على أن "جمع الأديان يكون بالإيمان بكل الأنبياء، فالمسلم لا يكون مسلما إلا بالإيمان بمحمد وعيسى وموسى وإبراهيم عليهم السلام أجمعين" متسائلا: "فكيف يتم توحيد الأديان دون أن يؤمن اليهود بعيسى ومحمد عليهما السلام، ودون أن يؤمن النصارى بمحمد عليه الصلاة والسلام"؟

وأضاف لـ"عربي21": "عندما تأتي الدعوة إلى توحيد الأديان ودمجها في ديانة واحدة من طرف واحد فقط، فهي حيلة سياسية للوصول إلى التطبيع مع القتلة والمحتلين تحت ستار ديني محرف أو منقوص، وبالتالي يصبح المسلمون والنصارى يهودا، دون أن يؤمن اليهود بمحمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين".

وشدد في ختام حديثه على التحذير من مثل تلك الدعوات لما تتضمنه من محاذير عقائدية "إذ إن من يدعو لغير الإسلام من المسلمين يكفر، لما في ذلك من الإقرار بما فيها من الباطل" مقللا من تأثير الدعوة إلى "الديانة الإبراهيمية" على المجتمعات العربية والإسلامية، ولافتا إلى ما يراه فيها "من وجوه إيجابية، تتمثل في أن الأمة ستكتشف المنافقين فيها، وبالتالي تعرفهم على حقيقتهم، وتتخذ الموقف المناسب منهم".