عروبة قطع العلاقات

الساعة 04:44 م|05 نوفمبر 2021

فلسطين اليوم

معن بشور

لم يعرف العروبيون الصادقون العروبة يوماً إلاّ هوية تنطوي على مشروع للوحدة والتحرر والنهوض والتقدم والتكامل مع الإسلام والانفتاح على الإنسانية ، ولم يعرفوا ذلك المشروع إلاّ  كدعوة لتحقيق امرين رئيسيين:

 أولهما  استقلال الامّة بأقطارها جميعاً، لا سيّما فلسطين، من الاستعمار بكافة اشكاله وفي المقدمة الاستعمار  الصهيوني الإحلالي.

وثانيهما  وحدة الامّة على طريق صون أمنها القومي وتكامل اقتصادها وتحقيق تنميتها المستقلة وتجددها الحضاري وبناء نظامها الاتحادي الديمقراطي، وتعزيز علاقتها بدول الجوار الحضاري على قاعدة التكامل والتكافؤ والنديّة وعدم التدخل في شؤون الآخر الداخلية.

وفي أطار هذا المشروع حرص العروبيون الصادقون، من مشارب وانتماءات فكرية متعددة، على التمييز دوماً بين  أنظمة لها ارتباطاتها وحساباتها ، وبين شعوب لها مطامحها ومطالبها المشروعة، مدركين ان صراعات الحكام لا يجب ان يتحوّل الى صراع بين الشعوب او معها.

 لذلك رفض العروبيون الصادقون أسلوب قطع العلاقات الدبلوماسية  بين أقطار الأمة الذي تمتّ ممارسته مرات عديدة، وبغضّ النظر عن الأسباب، ورأوا دائماً في قطع العلاقات الديبلوماسية والاقتصادية، وما يرافقها من منع السفر الى هذا البلد او ذاك، مقدمة لمخاطر تهدّد هذا البلد في أمنه واستقراره ووحدته.

 فلقد رفض العروبيون الصادقون قطع العلاقات الديبلوماسية بين بعض الأنظمة العربية والعراق منذ أوائل تسعينات القرن الماضي بعد غزو العراق للكويت عام 1990، ورغم خروج الجيش العراقي في ربيع 1991 من الكويت بقيت العلاقات مقطوعة مع بغداد  والحصار مفروض على شعب العراق حتى الحرب الاميركية العالمية(2003) التي أدّت الى احتلال هذا القطر العربي الهام وتداعياتها المستمّرة حتى اليوم .

 والامر نفسه يتكرر مع سورية التي جرى قطع علاقات بعض الدول العربية معها، وتمّ تجميد عضويتها في جامعة الدول العربية وهي العضو المؤسس ، بذريعة الانتصار للشعب السوري، حتى  رأينا ما رأيناه من قتل ودمار وخراب واحتلال في هذا البلد العزيز، وعلى نحو مستمر منذ عشر سنوات ونيّف.

 وبحجة الانتصار لليبيا بوجه النظام القائم فيها، جرى قطع العلاقات مع هذا القطر ذي التراث النضالي العريق، بل وجرى استدعاء غزو اطلسي لتدمير هذا البلد وتمزيق وحدته وضرب تماسك مجتمعه .

 والامر ذاته ينطبق على اليمن الذي واجه ، وما يزال، حرباً ضروساً على شعبه ما زالت مستمرة منذ اكثر من 6 سنوات ، وحصاراً مضروباً غير مسبوق شمل كل مداخله البحرية والجوية والبرية، وكان قد سبق الحرب قطع علاقات بين اليمن ودول شقيقة كان يُنتظر منها ان تمدّ يدها لليمن للمساعدة على نهوضه وليس قصف مدنه واحيائه ومدارسه ومستشفياته ودور العبادة فيه.

حتى فكرة عزل مصر عن باقي الأقطار العربية بعد معاهدة “كمب ديفيد” في آواخر سبعينات القرن الماضي، حرص عروبيون صادقون رغم معارضتهم الشديدة لتلك المعاهدة ومثيلاتها، والذين اسسّوا فيما بعد المؤتمر القومي العربي عام 1990، على التحذير من مخاطر عزل مصر عن اشقائها العرب معتبرين ان هذا العزل هو الوجه الآخر لهدف المعاهدة المشؤومة القاضي بإخراج مصر من أمتها لصالح الكيان الصهيوني ولقد أجرى هؤلاء اتصالات مع قيادات عربية مهدّت مع غيرها من الجهود  الى عودة مصر الى جامعة الدول العربية.

  ولأن اجراءً واحداً من إجراءات قطع العلاقات لم يحقّق اغراضه المتعددة، ولأن الشعب وحده دون الحكام هو الذي كان يدفع ثمن هذه الإجراءات “العقابية “، فاننا اليوم لا نرى في قرار بعض دول مجلس التعاون الخليجي بقطع العلاقات مع لبنان ، والتلويح بقطع ارزاق لبنانيين يعملون في تلك الدول، إلا خرقاً مؤلماً جديداً في جدار الأخوّة العربية، بل في  فكرة العروبة نفسها التي بات زعماء هذه الدول لا يتحدثون إلاّ عنها لاستخدامها في صراعهم مع دول مجاورة تجمعها بالعرب روابط دينية وحضارية واقتصادية ومصيرية مشتركة. بل يندفع بعضهم إلى تطبيع وتحالف مع العدو الصهيوني فيما هو يقطع العلاقات مع لبنان.

 ان قطع العلاقات مع لبنان، بذريعة تصريح اطلقه منذ اشهر الوزير جورج قرداحي ، أطلق مثله ، بل وأشد منه،  الكثيرون من ساسة المنطقة والعالم حول حرب اليمن واضرارها على كل البلدان المعنيّة بها، هو إساءة  لفكرة العروبة والاخوّة العربية اكثر منه  إساءة للبنان الذي يُعتبر دائماً منارة حضارية عربية، وبيتاً مفتوحاً لكل أبناء أمته، وسلاحاً ممشوقاً بوجه كل اعدء العرب.

ان قضية تصريح الوزير جورج قرداحي  لا يجوز ان  تُعالج عبر إجراءات انتقامية غير متناسبة اصلاً مع حجم “الخطأ” المنسوب الى الوزير الشجاع ، بل عبر حوار بين الحكومات المعنيّة لكي  لا تصبح العروبة عروبة قطع العلاقات بين الاشقاء ، بل لكي تكون العروبة عروبة تعزز العلاقات بينهم.

كلمات دلالية