شريط الأخبار

عروبة القضية الفلسطينية ..عبد الإله بلقزيز

01:35 - 06 تشرين أول / أبريل 2009

ـ الخليج 6/4/2009

لفلسطين على عروبتها وأمتها حقٌ ليس يلتغي باستنكاف العرب عن نصرتها. وللقضية الفلسطينية على العرب حق ليس يسقط بالتقادم، ولا يتوقف بتنصيب “أهل مكة” (الفلسطينيون) أنفسهم أولياء على أمرها. نعم، فلسطين أرضٌ لشعب هو الشعب الفلسطيني. لكن ذلك أول التعريف الذي لا يكتمل إلا بالقول إنها أرضٌ عربية، وفيها أملاك قومية وروحية لسائر العرب، كما لسائر المسلمين، ليس لأحد أن يقضي في شأنها بالتفريط والتفويت، كائنة ما كانت الأسباب التي تسوّغ له الإنابة عن سائر أهلها في تقرير مصير لها على الوجه الذي ليس يرعى الحقوق أو يكفلها.

ربما لا يحتفل كثير من الفلسطينيين  قياداتهم “الحاكمة” على وجه التحديد  بهذه الحقيقة، ولا يقيمون عليها حساباً أو رهاناً. وربما خُيِّل لهؤلاء  تحت وطأة نزعات انعزالية استبدّت بهم  أن الصراع الفلسطيني  “الإسرائيلي”، وأن تعريبه لن ينتج إلا قيدين على القضية الفلسطينية: قيد على القرار الفلسطيني المستقل، وقيد على حل للقضية الفلسطينية ورهن له بحل شامل للصراع العربي  الصهيوني. ولسنا في حاجة الى كبير بيان بأن في هذا التصور أبلغ المجافاة لواقع الحال، نعني لواقع أن القضية عربية في المقام الأول، وأن صراع العرب مع المشروع الصهيوني  دولته اليهودية  ليس صراعاً على أرض فحسب (فلسطين وجوارها العربي المحتل)، بل هو  أيضاً  صراع على وظيفة استراتيجية إقليمية يقوم بها كيان “إسرائيل”، في قلب الوطن العربي، ضد مشروع النهضة، والوحدة القومية، والتنمية، فيه. وهي وظيفة لا يعود بها هذا الكيان دولة عادية  مغتصبة  في المنطقة، بل قوة إقليمية عظمى تضع القيد على مستقبل أمة بكاملها، وخاصة حينما تكون هذه القوة وطيدة الصلة والارتباط والتحالف مع قوى دولية عظمى ذات مصلحة في تأبيد حال التخلف العربي، وحال التجزئة والانقسام، من حيث هما أعلى أنواع الضمانات لتأمين مصالحها الكبيرة في المنطقة.

“إسرائيل” تدرك  على نحو أوضح من إدراك القيادة الفلسطينية “الحاكمة”  أن القضية ذات بعد قومي، وعلى هذا الأساس تتصرف في بناء استراتيجياتها وفي تخطيط سياساتها. بل إن قوى سياسية فيها  مثل “حزب العمل” و”ميريتس” وسائر اليسار الصهيوني.. أبدت الاستعداد للتخلي عن قسم من “أرض إسرائيل” للفلسطينيين مقابل تأمين أداء أنجع لتلك الوظيفة: وظيفة الاختراق الاقتصادي والإلحاق السياسي ل “الأطراف” العربية للمركز الصهيوني، داخل نظام إقليمي تنعقد لها القيادة والولاية فيه (وهو يسمى اليوم في اللغة الأمريكية  “الإسرائيلية”: “نظام الشرق الأوسط”). ثم إنها تفضل أن تنجز ذلك الدور الإقليمي من دون حرب، فتتوج نفسها على عرش المنطقة برضا “أهلها”. وهذا كان في أساس سعيها إلى إنجاز تسوية يكون ثمنها المجزي التطبيع السياسي، والدبلوماسي، والاقتصادي، والثقافي. وهي تعرف جيداً أن دفع فاتورة الأرض (بعض الأرض) مقابل ذلك التطبيع أقل كلفة من الاحتفاظ بها ومواجهة احتمالات العداء والمواجهة العربيين وبذلك يصبح معنى التسوية  الجارية منذ “مدريد” و”أوسلو”  هو “التنازل عن الأرض” لا للفلسطينيين، بل للعرب، من أجل استحصال ثمن عربي عالٍ: تصفية المحتوى العربي للقضية، واستكمال تلك التصفية بتحقيق حلم السيطرة الكاملة على المنطقة من دون الاضطرار الى خوض الحرب.

لا مدلول للسياق السابق إلا أن “إسرائيل” تنطلق من تعريف مرجعي للصراع، هو أنه صراع مع الأمة العربية، لا مع الشعب الفلسطيني، أو  للدقة  صراع مع هذا الشعب من حيث هو جزء من الأمة العربية، وإلا لا شيء يجبرها على “الانسحاب” من بعض أرضه (إلا للتمتع بخيرات التطبيع، والنعيم بموقع الهيمنة والقيادة الإقليميتين): لا “النظام الدولي الجديد”، الذي هو لمصلحتها، ولا “الضغط” الأمريكي الذي لا يساوي عندها عبارة عتاب رمزية، ولا “ضغط” “المفاوض” الفلسطيني، الذي رسمت له دوره سلفاً: تقديم الشواهد والأدلة على حسن السلوك وحماية أمن “إسرائيل” من “إرهابيي” “حماس” و”الجهاد الإسلامي”.. فهذه “الضغوط” جميعها عوامل إعلامية برسم التسويق أملاً في تضليل من ما زال يحتاج الى وجبة تضليل إضافية. أما الهدف، فيقع في منطقة أخرى هي مركز الحسابات الاستراتيجية للعقل الصهيوني: إخضاع سائر الجسم العربي من الخاصرة الفلسطينية! ولا ينبغي  هنا  أن يُعتدّ كثيراً بتشدد ومبدئية نتنياهو في مسألة الانسحاب من الأرض، وفي مسألة حق تقرير المصير (جزئياً)، ف “إسرائيل” مستعدة يميناً ويساراً  لقبول قيام دويلة فلسطينية صغيرة على جزء صغير من بقايا فلسطين، في نهاية المطاف، فقط لأنها ستأخذ ثمن ذلك عربياً  على ما تعتقد أو تروم  إنهاء لصراعها مع الأمة.

وعليه، نحن في غنى عن التعريف الفلسطيني الرسمي للصراع مع المشروع الصهيوني: الذي أنتج “أوسلو” وما دونها! ربما لاءَمنا التعريف “الإسرائيلي” أكثر لأنه أقرب الى تشخيص وتعيين حقيقة ذلك الصراع. ومع ذلك لا بأس من تسجيل ملاحظة مثيرة: يختلف التعريفان “الإسرائيلي” والفلسطيني (الرسمي) للصراع، لكنهما يذهبان الى توليد نفس النتيجة: إهدار البعد العربي لذلك الصراع.

انشر عبر