في ذكرى الانطلاقة.. نشأة الجهاد الإسلامي ميلاد الفجر

فلسطين اليوم - غزة
الساعة 10:01 م
06 أكتوبر 2021
حركة الجهاد الإسلامي

في ذكرى الانطلاقة.. نشأة الجهاد الإسلامي ميلاد الفجر

بقلم أ. نضال ارحيم أبو عمر

ميلاد فجر حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين غيّر معادلة المعايشة مع الاحتلال إلى حالة المواجهة الدائمة، وجعل من المستحيل واقعًا، وبرزت القضية الفلسطينية ووُضِعت على أجندة وأولويات الأمة الإسلامية والعربية بالمقاومة والصراع الدائم مع الاحتلال الصهيوني.

فمرحلة نشأة الجهاد الإسلامي علا فيها الخطاب الثوري قولًا وعملًا، ولنبين ذلك لا بد من الحديث عن مرحلة ما قبل نشأة الجهاد الإسلامي بقليل، ومرحلة نشأة الجهاد الإسلامي حتى الانتفاضة الأولى.

أولاً:: مرحلة ما قبل نشأة الجهاد الإسلامي:

مرحلة ما قبل نشأة الجهاد الاسلامي كانت مرحلة استسلام مطلق للهيمنة الأمريكية والاسرائيلية، وتعاملت مع الاحتلال أمرًا واقعًا وكأنه قدر مفروض على الأمة، وأهم مكونات هذه المرحلة:

١. المجتمع الدولي.

٢. الأنظمة العربية.

٣. الحركة الوطنية.

٤. الحركة الإسلامية.

٥. الشعب داخل فلسطين.

 

• المجتمع الدولي:

وهو الذي أوجد اسرائيل وزرعها في قلب الأمة الإسلامية "فلسطين" حتى تظلًّ الأمة في صراعات دائمة وغير قادرة على تحقيق النهضة، ولا زال المجتمع الدولي قائم على حماية الاحتلال بكل ما يملك من قوة ووسائل.

•       الأنظمة العربية:

للأسف عجزت عن مقاومة جماعات صهيونية محدودة العدد والعدة بحكم الضعف أو الخيانة، مما أدى إلى احتلال كامل فلسطين وأجزاء من دول الطوق مصر والأردن وسوريا ولبنان، وفرض الاحتلال نفسه على الأمة الإسلامية برمتها بالقتل والإرهاب والتطرف والعربدة والقيام بالعديد من المذابح مما دفع غالب هذه الأنظمة للخنوع بفعل الإرادة الضعيفة للمقاومة، وبالتالي أن تتعامل مع الاحتلال وكأنه مكون أساسي من مكونات المنطقة، ونسيج طبيعي بداخلها ( عبَّر عن هذه المرحلة اتفاقية ~كامب ديفيد~ مع الاحتلال عام 1979م).

•       الحركة الوطنية:

كانت تعتبر المقاومة خيارًا استراتيجيًا لا بديل عنه وأبدعت في مقاومة المحتل لسنوات عديدة، وقد فرضت المقاومة هيبتها واحترامها على القريب والبعيد، حيث كبَّدت العدو خسائر كبيرة، وكانت حينها القضية الفلسطينية حاضرة وبقوة، لكن بعد منتصف السبعينات بدأت تبهت المقاومة ويخفت بريقها حتى العدوان الصهيوني على المقاومة الفلسطينية في لبنان عام 1982م،

وعلى أثره توجهت المقاومة إلى اعتماد مسيرة التسوية كخيار استراتيجي وحيد ولحتى الآن،

وقد يكون السبب ضعف المنظمة وخيانة بعض الأنظمة.

•       الحركة الإسلامية:

تحملت مسؤولية الدعوة وتربية الجيل، وأبدعت في هذا المجال؛ لكن للأسف أجلَّت الحديث عن فلسطين وأجلَّت واجب الجهاد والمقاومة بحجة أنَّ المرحلة مرحلة تربية وإعداد، وتركت هذا الجانب لفصائل منظمة التحرير هي مَن تتكلم باسم الشعب الفلسطيني، وتتحمل تبعات ذلك من قتل وتشريد واعتقال وجرح وغيره.

•       الشعب في داخل فلسطين:

كان في حالة تعايش وانسجام كامل مع الاحتلال وكاد الاحتلال يطلق على شعب غزة والضفة عرب اسرائيل كما شعب فلسطين الذي اُحتل عام 1948م، وصفًا لحالة التناغم والانسجام التي كانت معاشة بين الطرفين، ( عبَّر عن هذه الحالة عندما رفع الاحتلال جميع الحواجز الفاصلة مع "غزة" معبر إيرز ومعبر ناحل العوز وكذلك المعابر الفاصلة مع "الضفة" وأصبحت الطرق مفتوحة 24 ساعة دون أي حاجز )، ذلك مما كانت تمثله المرحلة من الأمن والأمان بين الشعبين، وكان هناك تبادل الزيارت الاجتماعية في الأفراح والأتراح وتبادل الرحلات والحفلات والسهرات الليلية وكان الأهالي اليهود يأتون للتسوق من أسواق القطاع وغيره من أشكال التعايش بين الطرفين.

هذا باختصار شديد جدًا عن شكل مرحلة ما قبل نشأة حركة الجهاد الإسلامي، ففي هذه المرحلة أفل نجم القضية الفلسطينية وبات لا يذكر، وأصبح صوت المقاومة باهت جدًا وغير مسموع، مما خيم على المؤسسة الفلسطينية حالة من اليأس والإحباط دفعتها للتناغم مع المجتمع الدولي واعتماد المفاوضات والتسوية السلمية كخيار وحيد لحل القضية الفلسطينية.

 

ثانيًا: مرحلة نشأة الجهاد الإسلامي بداية الثمانينات حتى الانتفاضة:

وسط هذا الانهيار العربي والتراجع الفلسطيني وحالة التعايش الشعبي مع الاحتلال كانت نشأة الجهاد الإسلامي، رغم صعوبة المرحلة، وضد التيار أطلق الجهاد الإسلامي مجموعة من الثوابت أهمها:

- اعتبار فلسطين القضية المركزية للأمة الإسلامية

- إعادة الفريضة الغائبة فريضة الجهاد والمقاومة.

- الجماهير أداة الثورة للتغير.

- الوحدة من خلال التعدد أساس النهضة.

هذه وغيرها من الثوابت التي اعتبرها الجميع أنها مستحيلة التحقيق وكأنها ضربًا من الخيال لِما كانت تمثله المرحلة من السقوط والاستسلام المطلق والتعايش مع الاحتلال.

بدأ الجهاد يعمل على ترسيخ هذه الثوابت رغم كل الصعاب ورفع شعار "الكف الذي يواجه المخرز" بدل الشعار السائد حينها "الكف لا يواجه المخرز"، واستخدم من أجل ذلك كل السبل والوسائل المتاحة لتحقيق ما اعتبره الجميع مستحيل منها:

* إدخال لغة الثورة ورفض الاحتلال على الخطاب الديني في خطب الجمعة والدروس والمحاضرت، وهذا الخطاب الثوري الإسلامي لم يكن مألوفًا حينها.

* استخدام المنشورات والملصقات والمجلات التحريضية ضد الاحتلال.

* لأول مرة في فلسطين إعتماد صلاة العيد في العراء والتي كانت بمثابة مهرجان تحريضي بصوت إسلامي ضد الاحتلال وكل صلاة كانت تنتهي بمواحهات مع الاحتلال.

* الانتقال إلى ثورة السكاكين التي أرعبت الاحتلال كونها سهلة المنال ومتوفرة في كل بيت وفي متناول يد الجميع.

* وتبعها مباشرة بعض العمليات العسكرية المركزة والموجعة للعدو.

 

هذه وغيرها من الأساليب والوسائل سخَّنت الشارع الفلسطيني ودفعت الاحتلال إلى مزيد من الاحتكاك والمواجهات مع المواطنين، ومن هذه الممارسات الاستفزازية التي أظهرت أنَّ الاحتلال أصيب بهستيريا قبل انتفاضة الحجارة بوقت قصير، أحضر الاحتلال طاولة في منتصف ميدان فلسطين "الساحة"، وكان يجبر الرجال للصعود على الطاولة ويرغمهم على الرقص كنوع من الإهانة والإذلال، وكذلك يأتي بمجموعة من كبار السن والصغار ويفرض على الصغار التفل "البصق" على الكبار، وأيضًا كان يأتي بمجموعة من الشباب وارغامهم بتقليد صوت الحيوانات،،، رغم ذلك كان الشباب الثائر المجاهد المؤمن بعدالة قضيته يتمرد على قرار الاحتلال إلا في حالات استثنائية.

- نأسف لنقل هذا المشهد لكن هذا حصل ويظهر مدى تفاهة وحقارة جيش الاحتلال-،

هذا وغيره من الفعل ورد الفعل نشر بذور الحقد والكراهية أكثر وأكثر بين المواطنين والاحتلال مما أفضى إلى المزيد من المواجهات والتحدي واستخدام كل الأدوات الممكنة على الرغم من بساطتها في حينه.

 

انتفاضة الحجارة عام 1987م:

بدأ تسخين المرحلة مع بداية نشأة الجهاد الإسلامي -كما أسلفنا- من خلال::

▪الخطاب الديني الثوري غير المسبوق، واستثمار المناسبات الوطنية وتحويلها إلى مناسبات مواجهة مع الاحتلال.

▪طباعة العديد من الكتب والمجلات والمنشورات التحريضية.

▪استثمار صلاة العيد في العراء للمواجهات مع الاحتلال، ▪الشروع في ثورة السكاكين في القطاع وداخل الأرض المحتلة، وتنفيذ بعض العمليات العسكرية النوعية من المجاهدين الذين حطَّموا قيود الأسر وهربوا من سجن غزة المركزي ليواصلوا طريق الجهاد والمقاومة.

هذا وغيره سخَّن المرحلة مع الاحتلال، وانقلبت من مرحلة تعايش مع الاحتلال إلى مرحلة مواجهة دائمة حتى وصلت إلى الشرارة الأكبر في 6 / 10 عملية الشجاعية البطولية التي قُتل فيها الضابط رونتال واستشهد فيها المجاهدون الأربعة الذين هربوا من سجن غزة محمد الجمل، سامي الشيخ خليل، أحمد حلس، زهدي اقريقع.

حينها وبعد أن أصبحت الانتفاضة أمرًا واقعًا مع الاحتلال شاركت فيها جميع قوى الشعب الفلسطيني مما أعطى زخمًا أكبر للانتفاضة والمواجهة مع الاحتلال، عَلَتْ فيه صوت المقاومة وطفت على السطح القضية الفلسطينية، وفرضت نفسها على الواقع العربي والإسلامي والدولي وعجز الاحتلال عن إخمادها مستخدمًا جميع وسائل القوة والإرهاب؛ لكن للأسف المؤسسة الفلسطينية استخدمت الانتفاضة أسوأ استخدام وأبرمت اتفاقية أوسلو التي من أهم بنودها:

☆ الاعتراف بالاحتلال.

☆ القبول بحدود 67.

☆ التنسيق الأمني.

☆ نبذ الإرهاب "المقاومة".

لتنتهي الجولة الأكبر والأهم في تاريخ الصراع مع الاحتلال، والذي وقف حائرًا وعاجزًا عن إخمادها لصالحه بفعل المؤسسة الفلسطينية.

رغم هذا الاستخدام السيئ كانت من نتائج الانتفاضة بأن نقلنا الشارع من حالة المعايشة إلى حالة المواجهة، وفرضنا حالة المقاومة على جميع فصائل المؤسسة الفلسطينية، ورسخنا مبدأ الاعتماد على النفس ونقلنا المواجهة مع الاحتلال من خارج فلسطين إلى الداخل، وقد يكون هذا الاخطر على الاحتلال.

هذه مرحلة لم نقرأ عنها أو نسمع من أحد ممكن أن نشكك في قوله؛ بل مرحلة عايشناها خطوة بخطوة وكنا شهودًا على جميع فصولها وقد يكون الحديث مختصر وغيَّبنا بعضه خوفًا من أن يُفهم خطأ ومنعًا للحساسية وإغارة الصدور، رغم أننا نتكلم عن تاريخ حصل، والجميع كان له دور إيجابي فيه

ولنا لقاء لنكتب عن مرحلة ما بعد انتفاضة الحجارة حتى اليوم.

اللهم ألهمنا التوفيق والسداد في القول والعمل