عبق التراث الفلسطيني والبساطة روح مأكولاته

بالصور العم أبو زهير: يمزج  أصالة الماضي وحداثة الحاضر في "مخبوزاته"

الساعة 10:57 ص|16 سبتمبر 2021

فلسطين اليوم

غزة / أمل خالد الوادية:

تشعر نفسك وكأنك تسرح وتمرح في شوارع القدس وأزقة المسجد الأقصى، تمشي بين آثاره القديمة وتخطف ناظريك أحجاره المعمارية، لتُعيدك ذاكرتك إلى عبق الماضي، ويسلب فؤادك الحزن لشدة الشوق والحنين للوطن المحتل، تجلس على مقعدٍ خشبيٍ بسيط يحيطك أقدم ارث وأعظمه وهو المسجد العمري الكبير في غزة القديمة، وتتزين طاولتك بأشهى المعجنات  المقدمة بأواني تراثية فخارية، تحتسي الشاي وتستمتع بالنظر الى جمال المكان، ومع كل منقوشة زعتر تجد نفسك وتشعر بها، وتنتابك الطمأنينة والراحة النفسية، فالبساطة والتراث القديم سر نجاح العم أبو زهير.

بدأت الحكاية منذ الثمانينات حين كان والده الحج محمود قاسم يقدم للناس الشاي ومنقوشة الزعتر بصنع يداه وبأدوات بسيطة جداً، إلا أنه أُغلق المحل نتيجة الانتفاضة الأولى، ليُورث بعد ذلك الابن إسماعيل قاسم المُكنى ب (أبو زهير) هذه المهنة، حيث يقدم للناس جميع أنواع المشروبات، ويمزج في صنع معجناته بين نكهة الماضي وحداثة الحاضر.

مخبوزات عم أبو زهير (9).jpeg
 

بداية نهايتها الشهرة

يقول العم أبو زهير لمراسلة وكالة فلسطين اليوم: "قبل 12عاماً عُدت إلى هذا المكان ورممته من جديد وأخذت أصنع منقوشة الزعتر والبيض اللتان ورثتهما عن أبي، لأواكب العصر فيما بعد وأُنتج جميع أشكال المعجنات من البيتزا، وصفيحة اللحمة، والشكولاتة وغيرهم، حيث أستيقظ كل يوم من الساعة الرابعة ليلاً وأصلي الفجر في المسجد العمري المقابل لمكان عملي وأبدا أولاً بمرحلة العجين ثم التقطيع، ليتولى مرحلة الحشي والخبيز ابني زهير، وكل ذلك بصنع يدوي لأحافظ على تراثها القديم، وأرفض جميع الأدوات البديلة".

بتنهيدةٍ عميقة يسند إسماعيل قاسم ظهره على الكرسي ويروي لمراسلة وكالة فلسطين حكاية شهرته على مواقع التواصل الاجتماعي:" طولت كتير لما الناس عرفوني وانشهرت بصعوبة كبيرة، حتى زارني مرة مهندستان معماريتان هما (ميار حميد وسندس النخالة) واقترحوا عليَ فكرة عمل صفحة على تطبيق الانستجرام فرفضت ببداية الأمر، لأنني رجل بسيط وأكتفي بالذين يعرفونني، فبعد إصرار منهما أخذوا هاتفي الخاص وأنشأوا لي صفحة واسموها العم أبو زهير للمعجنات".

مفاجأة غير متوقعة ودهشة مغمورة بالسعادة حلَت على العم أبو زهير بعد أسبوع من إنشاء الصفحة ويخبرنا وعيونه تُحاكي انتصاراً عظيماً "صار عندي 2000متابع" لتهل عليه التساؤلات وصدمة الناس بجمال المكان وبساطته ليخبرنا:" الناس تستغرب وتتساءل هل المكان هذا بغزة؟ وأنه مستحيل يكون فيها، فيقولون باستغراب هذا أكيد بشوارع نابلس والقدس"، لتكتمل فرحته بمعرفة جميع الناس به، ويزف قلبه فرحته باحتفاله قبل أيام ب 10 الآف متابع، حيث ساعدته مواقع التواصل بشكل كبير ونجحت في إيصال الصورة وبساطة المكان لأنحاء العالم كافة.

مخبوزات عم أبو زهير (4).jpeg
 

معاناة تهزمها نجاحات

أما عن المعاناة الحقيقية التي واجهته فيقول:" صعوبات كتير واجهتني لكن المشكلة الأكبر هي محل معجنات وفي سوق الذهب انه كيف الناس حتعرفني وتأتي لزيارتي، لكن بعد ما الناس تعرفت عليا وحبت منقوشة الزعتر التي ارتبطت بالمكان الأثري زالت عني الصعوبة، إلى جانب عدم معرفتي بعمل المعجنات خاصةً مرحلة العجين والرق فكنت أنتبه لوالدي وأعمل كما يعمل ورسخت جميع الطرق بعقلي وتوارثت مهنته حتى الآن، منوهاً إلى أن مكان المحل بالإيجار منذ سنوات طويلة".

لم تكن هذه صعوبات العم أبو زهير فحسب، بل بعد إنشاء صفحة عبر تطبيق الانستجرام تعرض للمضايقات من قبل فئة معينة، حتى وصل الأمر به ليُغلق الصفحة، فأخذ يقص لمراسلة وكالة فلسطين موقفاً وصفه بالجارح:" بينما كنت منهك بالعمل جاء بعض الأشخاص وأعتقد أنهم دكاترة ومهندسين أخذوا ينظرون لي وللمكان وغادروه دون أن يطلبوا شيئاً، فأنا لم أتحمل المشهد وتركت العمل وذهبت للبيت مباشرة".

بحب الناس ومحبته لهم، وبساطته التي تُخيم على جمال المكان وعظمة ارثه تجاوز إسماعيل قاسم كل ذلك، بضحكة فخر يقول: " الناس لما تيجي وتصور المكان وتعمل منشن لصفحتي أصبح محلي مزار للجميع، وكل من يأتي لزيارة المسجد العمري تخطفه أقدامه ليتذوق معجناتي ويحتسي مشروبه المفضل، فأصبحت الناس الي روحت من عندي وما كان عاجبها المكان تزورني مرة تانية".

رافعاً أصبع سبابته ممتن لله تعالى بانتصاره الكبير، يخبرنا أبو زهير سر نجاحه: " رضا الله ثم رضا والديَ والتعامل الطيب مع الناس واستقبالهم بالوجه الحسن كان له أثر كبير في نجاحي، حيث كل زبون يأتي لزيارتي اعتبره وكأنه صديقي وأجلس معه وأقدم له بنفسي مأكولاتي".

مخبوزات عم أبو زهير (8).jpeg
 

حلم عنوانه البساطة

لا يملك العم أبو زهير أحلاماً خيالية ولا يريد أن يكون محله كباقي المحلات من حيث الفخامة، يقول في ختام حديثه لمراسلة وكالة فلسطين اليوم:" جاءني أشخاص كثيرون وقدموا لي مبلغ من المال، لأنقل مكاني على بحر غزة، لكني رفضت فأنا مكاني هنا ومسقط راسي وحلمي أن يبقى مكاني بسيط ومحافظ على عبق التراث القديم وأصالته".

وأشار المركز الاحصائي بقطاع غزة إلى الارتفاع الكبير بالبطالة حيث بلغت 212 ألف اي ما يقارب 79% بالمئة، إلى جانب الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها قطاع غزة نتيجة الحصار الاسرائيلي المفروض عليها منذ 15 عاماً وانتشار فيروس كورونا في الآونة الأخيرة الذي أثر بشكل كبير على دخل أهل غزة.

مخبوزات عم أبو زهير (1).jpeg
مخبوزات عم أبو زهير (7).jpeg
مخبوزات عم أبو زهير (6).jpeg
مخبوزات عم أبو زهير (5).jpeg
مخبوزات عم أبو زهير (3).jpeg