شريط الأخبار

أوسلو والعولمة ودولة اليهود ..بقلم: عبد الحكيم مفيد

10:28 - 02 حزيران / أبريل 2009

      

قد يفيد وجود نتنياهو بالحكم ومعه ليبرمان "سويد الوجه" استمرار حالة سياسية مثيرة للغاية، فالحكومة من جهة يمينية للغاية، وخطيرة، ومن جهة أخرى يتواجد حزب العمل داخلها، فكيف يمكن التوفيق بين الهجوم على حكومة يمينية هي "الأشد  تطرفا" بحسب وصف البعض، وكيف يمكن توصيف أو وصف (متعلق بالرومانسية التي يملكها كل واحد تجاه حزب العمل) حزب العمل منذ الآن.

 

أكثر ما يثير للشفقة في تقديرنا هو تقييم حكومة نتياهو على أساس أنها ستوسع الاستيطان، الأمر الذي يعني أن الحكومات التي سبقت هذه الحكومة، التي قادها العمل وكاديما منذ ان هزم براك نتياهو في العام 1999 على أنها حكومة تصدت للاستيطان ومنعت انتشاره، أما الحقيقة فيعرفها الجميع حتى وزراء السلطة الفلسطينية الذين ابدوا تشاؤما وقلقا على "مستقبل العملية السلمية".

 

كل ما يجري الآن ليس أكثر من صراع على المصطلحات، وعلى حدة التصريحات، فليبرمان الذي رفض في خطابه الافتتاحي أنابوليس ويقبل خارطة الطريق، ورط  الذين حذروا من تصريحاته، لان  معنى التحذير من تصريحاته هو قبول أنابوليس التي رفضها حتى أولئك الذين حذروا من تصريحاته ومن التشدد الكبير الذي  تبديه الحكومة الجديدة، حكومة ليبرمان-براك.

 

لم يرغب نتنياهو  في ائتلافه الجديد في أكثر من تشكيل حكومة بقيادته، مصلحته  ومصلحة براك وانعدام الفوارق بين الأحزاب والمصالح التي احتكم إليها الذين يبحثون عن  مقعد دافئ في الحكومة هو الذي قرر تركيبة هذه الحكومة.

 

 

لم  يكن هناك ومنذ اللحظة الأولى أية خلافات جوهرية في الجانب السياسي، كما يعتقد البعض (بغض النظر عن الموقف من التسوية وجوهرها)، وما مكن جلوس   اوفير  بينس شديد  الحمائمية وشيلي يحيموفيتش الأكثر منه شدة في حمائميتها  في ائتلاف فيه افيغدور ليبرمان، هو بالضبط المكان الذي تجلس به الآن السياسة الإسرائيلية، بدون لون، بدون رائحة وبدون طعم.

 

هذه الحكومة بالذات (وهي لا تحمل أي عنصر مفاجأة كما يعتقد البعض)، تشير إلى نهاية مرحلة تاريخية في الحياة الحزبية في إسرائيل، مرحلة تدشن لمرحلة  جديدة، منذ الآن لا يمكن التعامل مع السياسة في إسرائيل على أساس الفرق بين "اليمين" و"اليسار"، ولن  نخوض في حقيقة الفرق بين الاثنين.

 

الانهيار الذي حققه حزب العمل بجدارة لم يكن نتاج "غياب طريق"، وانعدام رؤية، كل ما حدث أن  الحزب تصرف على أساس حزب سلطة منذ أن خسر  الانتخابات لأول مرة عام 1977، منذ أن فقد هيمنته، ومنذ أن انتهت مرحلة "حكم الحزب الواحد".

 

عندما انتصر الليكود عام 1977  ظل حزب العمل مسيطر على المؤسسات المركزية في إسرائيل، القضاء والجيش والشرطة والإعلام والاكاديميا، انهيار الحزب هو المؤشر الأهم على استبدال الهيمنة في المؤسسات المركزية، لكن في الجهة المقابلة فان اقتراب الليكود من العمل، واقتراب العمل إليه، ونشوء كاديما كممثلة رسمية للتيار المركزي في إسرائيل، أي التيار المهيمن، سهل من مهمة اقتلاع الحزب، في السياسة الإسرائيلية عاد تيار العمل التاريخي ليهيمن ولكن بدون العمل، كاديما والليكود، هما الممثل الرسمي لتيار العمل اليوم في السياسة الإسرائيلية، وهو في تقديرنا ما سهل من مهمة انضمام العمل إلى حكومة نتياهو-لبيرمان.

 

في  تقديرنا أن أهم تغير جذري حصل في السنوات الأخيرة في إسرائيل هو اقتراب الأحزاب من الإجماع القومي واصطفافها في المركز (ليس بمفهوم الاعتدال طبعا)، في المركز الآن تجتمع كل الأحزاب الإسرائيلية بدون استثناء، وما كان يشكل وجهة  نظر خلافية في السابق، أو على  الأقل ما بعد حرب 1967، الأراضي  المحتلة والمسألة  الاقتصادية-الاجتماعية  لم يعد  قائما، أوسلو حل الإشكال الأول والعولمة حلت الإشكال الثاني، ولا نظن أن خلافات حول مسائل الزواج المدني وتعريف من هو يهودي تشكل خلافات جوهرية بعد أن أثبتت شاس ويسرائيل بيتينو في هذه المسألة أن كل شيء ممكن، وان الكرسي أهم بكثير من زواج مثليي الجنس.

 

بين أوسلو  والعولمة وسياسة السوق وحكم العائلات، تبرز مسألة "دولة اليهود" كأهم مركب سياسي الذي قد يشكل خلافا بين الأحزاب، وفي هذه بالذات تبدو المسألة في غاية التناقض للوهلة الأولى بين ليبرمان الذي يطالب العرب بـ"الولاء مقابل المواطنة"، وشاس التي تطالب اليهود بإثبات الأصول الدينية لكل قادم (من دول الاتحاد السوفييتي سابقا بشكل خاص)، لكن هذا التناقض يحل أو يؤجل بمعادلة مقبولة لتقسيم المقاعد في الحكومة.

 

ليبرمان الذي يطالب العرب بالولاء لأنهم من غير اليهود هو أكثر المستفيدين من "غير  اليهود" الذي ما زال قسم كبير منهم يدين بالإسلام (مجموعة من القادمين من التتار) والمسيحيين الذين تزوجوا من يهوديات أو اللواتي تزوجن من يهود ومنحوا أصواتهم لحزب ليبرمان (بحسب التقديرات حصلت يسرائيل بيتينو على 11 مقعدا من أصوات الروس (اليهود وغير اليهود)، مما يخلق حالة من التناقضات للوهلة الأولى.

 

لكن العرب يحلون لليبرمان وشاس وكاديما والعمل والليكود كل هذه التناقضات حين يبدون إجماعا على "دولة اليهود"، التي تجعل من العرب الآن أكثر وضوحا، وأصعب حالة مما كانوا عليه في السابق.

 

"دولة اليهود" هي التي تجعل من الفوارق شبه معدومة، وتكشف ما تم إخفاؤه على مدار سنوات، وتنهي الكثير من المصطلحات السياسية القديمة، تخرجها من الاستعمال.

 

السياسة في إسرائيل اليوم غير قائمة على أساس التطرف والاعتدال، ولا على أساس "اليمين واليسار"، ولا يمكن طبعا الاستمرار باعتبارها على هذه الأسس. طبعا لا احد يقلل من حدة وتطرف التصريحات، لأنها إن لم تفعل شيئا فإنها على الأقل تخلق اجواءا، المشكلة الآن ليس كم عدد الاكادميين العرب في الجامعات الإسرائيلية، المشكلة هي كم عدد الأكاديميين  اليهود  الذين يدعون لطرد العرب، ليس من حزب "يسرائيل بيتينو"  بل من حزب العمل..!!

 

* الكاتب صحافي فلسطيني من مدينة "أم الفحم"- الجليل. -

انشر عبر