شكلت عملية اغتيال الناشط السياسي والمرشح البرلماني السابق نزار بنات صدمة كبيرة لكل الفلسطينيين سواء في الوطن أو في الشتات، وحتى صدمة للمتابعين للقضية الفلسطينية والمحبين لها. فلم يكن يظن أحد أن نزار بنات سيقتل ويغتال بسبب الكلمة أو النقد الذي لم يترجمه نزار ولا مرة إلى حالة اشتباك أو اعتداء على أي عنصر من عناصر السلطة، وإنما كان يتحدث بما ضمنه له الدستور الذي وضعته السلطة وضمن له حرية التعبير، لكن ذلك لم يشفع له وقتل على خلفية ما ظن أنه القانون يكفله له.
كان الجميع يتوقع أن يتوقف بعض العقلاء في السلطة الفلسطينية عند هذه الجريمة ويضعوا حدا لجبروت الأجهزة الأمنية على شعبها وعلى معارضي الاحتلال والداعين لمواجهته وأيضا الداعين إلى إصلاح النظام السياسي الفلسطيني الذي بات لا يصلح أن يصطلح عليه نظام، وإنما قوات أمنية.
لكن ذلك لم يحدث من قبل ما اعتقدنا أنهم عقلاء في السلطة، بل تجاوز الأمر محاسبة ومعاقبة كل المطالبين بتنفيذ القانون ضد قتلة نزار بنات وكل المستجيبين لدعوات عائلته للتضامن معهم والضغط الشعبي على القوة الحاكمة في الضفة بمحاكمة القتلة، وهذا يرجع إما إلى أن هؤلاء العقلاء لم يعودوا مؤثرين في صنع القرار، أو أن من ظننا أنهم عقلاء هم أصلا عقليات أمنية.
وفي تجاوز واضح لكل الخطوط الحمر ودون أي اعتبار لأي علاقات داخلية أو وطنية، أقدمت قوات عسكرية تابعة للسلطة في رام على اعتقال مجموعة من قادة الرأي وقادة العمل الوطني، ورموز وطنية أرّقت الاحتلال وأزعجته، ليصدم شعبنا مرة أخرى باعتقال الشيخ خضر عدنان والشيخ ماهر الأخرس والمجاهد الجريح أحمد نصر والأسير المحرر محمد علان والبروفسور عماد البرغوثي والشاعر زكريا محمد، وجميعهم رموز وطنية وعلمية وثقافية لها دور كبير في مواجهة المشروع الصهيوني وتحريك الناس لمواجهته، تم اختطافهم من خيمة التضامن التي دعت لها عائلة نزار بنات بحجة إثارة النعرات الطائفية وتعطيل عمل موظف حكومي وبعضهم لم يزل معتقلا حتى هذه اللحظة.
بل زاد المشهد تعقيدا ما تعرضت له زوجة الشيخ خضر عدنان من اعتداء لفظي وقح من أحد عناصر الأجهزة الأمنية شاهده العالم، لا لشيء سوى أنها معتصمة ومحتجة على اعتقال زوجها وقادة الرأي، وكأن من يفتك بالناس اعتقالا واختطافا يقول لهم لا تدقوا جدران الخزان.
أي ثورة هذه التي يتبناها هؤلاء ويواجه فيها الثائر إما القتل أو الاعتقال؟ كيف يمكن أن يصدق الناس حديثهم عن مواجهة إسرائيل، بينما في ممارساتهم يصبح الثائر مشبوها ويعرض على القضاء والنيابة؟.
إن ما أقدمت عليه قوات عسكرية تابعة للسلطة، هي حماقة ما كان لها أن تحدث، فلا يعقل أن يعتقل الثائر والمجاهد مرتين، مرة لدى عدونا الإسرائيلي وأخرى لدى أجهزة أمن السلطة.
أجهزة الأمن التي يقدر عددها بعشرات الآلاف تقف عاجزة أمام منع جيب صهيوني من دخول قلب رام الله أو الخليل أو نابلس لاعتقال أبناء شعبنا، وتقف مكبلة مكتفة الأيادي أم قطعان المستوطنين الذين لا يفوّتون ليلة دون إيذاء أهلنا في مدن الضفة، فتارة تحرق بيوتهم وتارة تحرق أشجارهم أو يتم اقتلاعها وتارة أخرى ينتهكون حرمة مساجدنا، دون أن توفر أجهزة الأمن أي حماية لشعبنا.
بات وتضحا أن حجم الانتهاكات والاعتقال على خلفية إبداء الرأي قد تنامى في عهد رئيس الحكومة الحالي القادم من صفوف مركزية حركة فتح محمد اشتية، والذي قدم نفسه على أنه رئيس وزراء منفتح على الشعب وقدم إلى مكتبه في اليوم الأول مشيا على الأقدام وذهب إلى خيمة أسرى مضربين عن الطعام احتجاجا على قطع رواتبهم من حكومة سلفه رامي الحمد الله وسقاهم الماء من يده، وتعهد بمعالجة قضيتهم ودعاهم إلى مكتبه وكأنه يومها يتبرأ مما فعلته حكومة الحمدالله.
اشتية لم يعد هو نفسه اليوم، ففي عهده شهدت أراضي الضفة قتلا واعتقالا على خلفية الرأي واقتتالا عائليا أدمى قلوبنا في الخليل، وهذا يضعنا أمام فرضية أن الرجل قد تورط في قضايا خلافية وطنية قد يكون صانعوها أرادوا وضع حدا لطموحه السياسي في خلافة أبو مازن كرئيس للسلطة ضمن حالة التناحر على هذا المغنم، والذي بدا واضحا من خلاله في الشهور الأخيرة، أن شعبنا هو من سيدفع ثمن هذا التناحر على كرسي السلطة.
أو أن الدكتور اشتيه لم يعد مسيطرا على زمام الأمور في الضفة الغربية، وأن الأجهزة الأمنية متنوعة الولاءات صاحبة العقيدة الأمنية الدخيلة على مجتمعنا الفلسطيني هي القوة الحقيقية التي تحكم وتسيطر على مجريات الأمور.
لا يمكن أن نفقد الأمل في رجل رشيد بحركة فتح يعيد الأمور إلى نصابها ويعالج كل هذه القضايا التي تمزق نسيجنا الوطني ويعالج أخطاء أجهزة أمنية من الواضح أنها لم تعد تهتم سوى بمصالح مشغليها وقادتها.
وأختم حديثي بالاستشهاد بما قاله الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي الاستاذ زياد النخالة، وأعتبر ما قاله قاعدة يجب أن يعيها كل أصحاب القبضة الحديدية في الضفة بأن هذه السياسية لن تنجح وعليهم أن يعيدوا حساباتهم "إن من يستطيع مقارعة الاحتلال لا يمكن لسلطة أن توقفه أو تنال من إرادته مهما ادعت من وطنية".