قراءة في مشهد سيف القدس بين دوافع المعركة وتداعيات وتحديات المرحلة..

فلسطين اليوم - غزة
الساعة 07:43 م
31 يوليو 2021
أ. هاني عواد
أ. هاني أبو عواد محلل سياسي.JPG

تأتي الجولات القتالية المتعاقبة على ساحة قطاع غزة لتترجم الطريق المسدود التي وصلت اليه نتائج الاتصالات والمفاوضات الغير مباشرة  بين المقاومة في قطاع غزة واسرائيل برعاية الوسطاء  في  انجاز ملف التهدئة وصفقة تبادل الاسري ,  التي يدور رحاها منذ انتهاء حرب عام  2014  علي قاعدة التفاهمات التي خرجت بها , وشكلت حالة المد والجزر للتوترات والتصعيدات  العسكرية التي تشابهت في محدداتها العسكرية من حيث النوع والكم  والكيف والجودة والادارة  منذ تلك الحرب على جبهة قطاع غزة استعراضا ميدانيا  لطرفي الصراع سعيا منهما بفرض اوراقهما السياسية الضاغطة كلٌ علي الاخر و الداعية الي تثبيت قواعد المواجهة بما يحقق الاجندة الوطنية لكل منهما.
 وتأتي الرؤية الاستشرافية للمقاومة قبيل معركة سيف القدس للتطورات والمتغيرات الدولية والاقليمية سيما بعد التغير الملموس الذي طرأ علي  سياسات الادارة الامريكية الجديدة للصراعات في منطقة الشرق الاوسط  والتعارض في بعض  الاحيان مع سياسات الحكومة الاسرائيلية  التي يقودها  نتنياهو مع المصالح الامريكية في المنطقة الي جانب الحالة السياسية الهلامية داخل اسرائيل , لتعزز من موقف المقاومة  في الاعداد  لاستعراض عسكري نوعي يختلف عن باقي الاستعراضات العسكرية في الجولات القتالية السابقة محددة بوصلة قتالية جديدة لمرحلة سياسية جديدة, تراهن المقاومة من خلالها علي الخروج من عنق الزجاجة واحتلال صدارة المشهد وتغيير قواعد الاشتباك  علي جبهة غزة من ناحية ,  وفرض تنازلات  علي اسرائيل عبر المفاوضات الغير مباشرة بما يخدم الاجندة الوطنية لقطاع غزة بموجب سياسة الامر الواقع المفروضة عليه منذ اكثر من عقد من الزمن  من ناحية اخري.
 وجاءت معركة سيف القدس لتضفي بصمة خاصة غير مسبوقة علي اهداف و تكتيك واستراتيجية المعركة التي  تفاجئت اسرائيل بها  من حيث امتلاك زمام المبادرة بالضربة الاستباقية  والقدرات العسكرية والتكتيكات الميدانية والادارة الاعلامية للمقاومة , ولكن المراقب لمشهد المعركة عسكريا,  يجد بأن من اشرف علي اعدادها هم خبراء عسكريين ذو كفاءة عالية قد يتجاوزون الحدود المحلية للمقاومة في قطاع غزة , ويأتي إدراج القدس عنواناً لها ليضعها على صدارة ثلاثية الأبعاد على الصعيد المحلي والإقليمي والدولي الغير مسبوقة ، الامر الذي يعزز من عمق حركة حماس  الاقليمي والدولي والذي يعتبر احدي المكتسبات السياسية للمعركة في المرحلة السياسية القادمة.
 ولعل من راقب الحراك الاحتجاجي العالمي المناصر والمتضامن مع الشعب الفلسطيني في قطاع غزة يجد بأن التوجه العام لقيادة الدفة الاحتجاجية ينصب في سياق العمل المنظم وكأن هناك مؤسسة توجه المسيرات الاحتجاجية التي عمت العالم لتشكل ضاغطاً على اسرائيل ، وهذا يدفعنا إلى الوقوف عند حرب ال73 التي صنفها الخبراء العسكريين بالحرب التحريكية التي قادت إلى افق سياسي جديد مع مصر آنذاك ، وما شهدناه خلال المعركة الاخيرة  جاء متزامناً مع عدة متغيرات محلية تمس بالقضايا العامة للمقدسات الدينية لدى الشعب الفلسطيني وسياسة الأبارتهايد بالإخلاء القسري للإحياء العربية، والحالة التراكمية التي تفجرت ردا علي احداث القدس لفلسطينيي  الداخل  صراعا علي تحسين ظروفهم الحياتية داخل إسرائيل ,  ولكن ما افضت إليه المعركة من نتائج بوقف اطلاق نار غير مشروط  زاد من خطورة الموقف وأدخل المعركة بمكوناتها النوعية للمقاومة في آتون مخاطر سياسية قد تلتف على مشروعها وانجازاتها التي حققتها خلال المعركة فضلا عن قواعد المواجهة الجديدة التي رسمتها حكومة نتنياهو في ايامها الاخيرة والتي حملت عنوان " ما كان لن يكون " والدخول في تثبيت قواعد جديدة للمواجهة  علي جبهة قطاع غزة والعمل علي اسقاط مشروع المقاومة الشعبية والبالونات الحارقة التي باتت تشكل ازمة حقيقية لسكان منطقة غلاف غزة والاضرار الكبير بالسلة الغذائية التي  تعتمد عليها  اسرائيل.
 ولعل أبرزها زيادة الموقف الإسرائيلي تعنتاً من خلال السياسات الجديدة  تجاه قطاع غزة وذلك عبر اغلاق المعابر وعدم ادخال المنحة القطرية واللقاءات الماراثونية للوسطاء الإقليميين والأمميين  والتي تجانست مع الموقف الراديكالي والمتطرف لحكومة بينت اليمينية الجديدة ,  ففي اللحظة التي نجحت فيها المقاومة بتحديد ارهاصات لتغيير قواعد المواجهة ,  تجتهد اسرائيل في تغيير قواعد المفاوضات بإدراج ملف التهدئة لقطاع غزة جملة واحدة مقابل مشروع الاعمار والانعاش الاقتصادي لقطاع غزة والعودة من جديد الي اصلاح العلاقات مع السلطة الفلسطينية وطرح توليها الاشراف علي ملف الاعمار والمشاريع الاقتصادية وخلق ضاغطا سياسيا آخرا علي حركة حماس ، الامر الذي ترفضه حركة حماس جملة وتفصيلا ويدفع بها  الي التصادم من جديد , ولكن بدخول الوسيط المصري الذي تصدر مشهد وقف اطلاق النار خلال المعركة والذي احدث استعراضا مناوراتيا غير مسبوقا سمح له بالدخول الي ساحة قطاع غزة من اوسع الابواب وابراز الدور الاكثر تأثيرا علي حركة حماس والتي بدأت ارهاصاته بعد نجاح مصر  بلجم الحراك الليلي والبالونات الحارقة للمقاومة  الذي جاء بعد وقف اطلاق النار لمعركة سيف القدس.
والمراقب لمشهد المعركة الاخيرة يجد بأن مؤسسة الجيش ركزت علي قصف وضرب اهدافا اقتصادية وبنوكا تمثل ركائزا اقتصادية هامة لحركة حماس داخل قطاع غزة كنظام حاكم  وصفها الاعلام العبري بضرب الاذرع الاقتصادية , وتقتضي استراتيجية  اسرائيل علي الجبهة الجنوبية مع قطاع غزة منذ الانقسام عام 2007 بعدم تقويض النظام السياسي لحركة حماس,  ولكن التوجه العام لدي المؤسسة العسكرية الذي بدأ يظهر من خلال المعركة الاخيرة هو الضغط علي حركة حماس اقتصاديا والعمل علي تقويض نظامها الاقتصادي  كضاغطا جديدا عليها امام القضايا العالقة , وحيث ان المعركة الاخيرة لم تسجل حسما يقود الي تهدئة مؤقتة وفق التقليد الامني العام علي جبهة قطاع غزة من خلال الجولات السابقة , فان ذلك يفتح الباب مجددا  امام اغلاق المعركة الاخيرة من خلال سيناريو معركة جديدا  يركز علي ضرب الاهداف الاقتصادية وتجنيب وقوع خسائرا وسط المدنيين  بأكبر قدر ممكن وعدم تكرار ما حدث خلال المعركة الاخيرة , والقيام باستهدافات  مؤثرة   لصناع القرار  داخل حركة حماس والمقاومة.
ويأتي ذلك في حال فشل الجهود الدبلوماسية للوسطاء حيال ذلك,  وتراهن اسرائيل علي الصدام في العلاقة بين حماس وبين الوسيط المصري من حيث تنفيذ الوعود المصرية التي قطعتها مصر علي نفسها امام حماس قبيل انتهاء المعركة الاخيرة  فيما يتعلق بملف الاعمار والمشاريع الاقتصادية وادخال المنحة القطرية , الامر الذي من المحتمل بأن يشهد توترا  ينعكس علي الميدان  تغتنم اسرائيل الفرصة في توجيه ضربتها المتوقعة  وفقا للسيناريو المحتمل الذي يبدأ بعنوان الضربة الاستباقية  لإسرائيل للجزء المتبقي من المعركة وتهيئة المناخ العام  لافق سياسي جديد علي ساحة قطاع غزة .