بالصور قصة "مهند السعدوني" الذي حصل على المركز الأول: فقد البصر لكن لم يفقد البصيرة

فلسطين اليوم - غزة
الساعة 12:13 م
15 يوليو 2021
التقاط.JPG

أمل خالد الوادية :

منذ أن وضعت رضيعها الوحيد بين كفيها وهي تحمله فوق راحتها كحال كل الأمهات، فوضعته بين عينيها خوفاً عليه من جرح يخدشه، لتنعم بفرحتها بطفلها مدةً ليست طويلة، و يباغتها القدر بواقع غير الذي تحلم به وتتمناه، ولم يكن بالحسبان، ويصفعها بصدمتها الأولى وهو بعمر الثلاث سنوات، بعد أن أخبرها الطبيب بفقدان بصر فلذة كبدها، فلم ينفك لسان حالها بترديد الحمدلله رب العالمين وقلبها يعتصر ألماً، وبكاءً؛ لتبدأ معه طريق المشقة والمتاعب، وتمسك بيده منذ أن كان طفلاً صغيراً وتهديه لطريق النور، والعلم، والحياة، وتكون عونه وبصره بعد الله ليكمل مشوار حياته.

مهند عنتر السعدوني اسمٌ علا في رحاب منصات التتويج في حفل تخرج الجامعة الإسلامية، لم يتجاوز عمره الثالثة والعشرون عاماً، ابن مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة، لم يكسره فقدان عضو من جسده الذي من خلاله يرى جمال خلق الله تعالى، ولم تنلَ من عزيمته المواقف والكلمات المحبطة شيء، بل بقيّ شامخاً صامداً أمام كل العثرات محلقاً نحو حلمه بعزم وإرادة، فلم تضعفه نظرة فئة من المجتمع له؛ بل هزمها بنجاحه، وإنجازه.

صدمته الأولى

بقوة قلب وجرأة وفصاحة لسان، أخذ السعدوني يروي مرحلة اكتشاف فقدان بصره وتفاصيل عيش صدمته الأولى التي حرمته من التمتع بأبسط الحقوق وسلبت منه طفولته التي قضاها حزيناً بين جدران بيته، محاولاً الخروج منها والنهوض للقمم.

يقول الخريج السعدوني لمراسلة "وكالة فلسطين اليوم الإخبارية": " أنا انولدت إنسان طبيعي حتى سن الثالثة تعرضت عيني اليسرى لإلتهاب حاد أدى إلى فقدان بصري بها وتم استئصالها حتى لا يمتد أثرها إلى باقي جسدي، لكن الإلتهاب امتد إلى العين اليمنى وأُصبت بالمياه الزرقاء، وأصبحت كفيفاً منذ أن كان عمري ثلاثة سنوات، رغم أني أجريت عمليات كثيرة وسافرت لعدة دول.. لكن الحمدلله على ما أنا عليه".

WhatsApp Image 2021-07-15 at 10.49.39 AM.jpeg
 

الأم مدرسة

أما أمه التي كانت يداه وعيناه التي فقدها طول مشوار حياته تروي قصته وعيناها ممتلئة بالدموع: "كانت صدمة بالنسبة لي لأنه ابني البكر ووحيد على 3 بنات، لكن الصدمة الثانية هي عندما يأتيني ويريد اللعب بكرة القدم، وأن يمارس كل حقوقه كطفل، فكنت أقول له صعب عليك فيجلس حزيناً، ليبدأ بالسؤال :"ليش أنا ما بقدر ألعب".

لتضيف الوالدة:"واجهت صعوبةً كبيرةً في بداية الأمر لأنه كان طفل، وتابعت حالته في كل مستشفيات قطاع غزة وقمت بعمل تحويلات له للخارج للعلاج تم رفضها ببداية الأمر، ثم بعد ذلك سافرت به لعدة دول لكن قدر الله نافذ، فبدأت معه شيئاً فشيئاً أقنعه بحالته الطبية، فبدأ يقتنع أنه من ذوي الاحتياجات الخاصة، وهناك أشياء ممنوعة لا يستطيع ممارستها، لكني أنا ووالده عززنا ثقته بنفسه وكنا دعم له ولا زلنا، حتى أنني حصلت على دورة في "البريل" لأساعده بشكل أفضل .

صعوبات جمة

كان حاجز الخوف هو الوحيد الذي يسيطر على قلب السعدوني، ففي غضون لحظات تحول من طفل مبصر إلى طفل فاقدٌ للبصر، لتقتله الحيرة، والتساؤلات التي تحمل في باطنها أنه كفيف، ولن يستطيع أن يمارس أدنى حقوقه وهو طفل.

يكمل السعدوني حديثه:" حين تحولت من إنسان طبيعي إلى إنسان عاجز أخذت التساؤلات تقتلني، كيف بدي أنتقل بين المجتمع؟ وأمارس حقوقي واتمتع بطفولتي كباقي الأطفال؟ والكثير من التساؤلات التي راودتني، لكني بفضل الله ثم بفضل والديّ استطعت التغلب عليها جميعها لأخرج للمجتمع وأحاربه بإعاقتي".

لكن المعاناة الحقيقية التي عاشها مهند في مرحلة دراسته باحتياجه كتب البريل، حيث أن كتاب البريل الواحد يعتبر ضعف كتاب المبصر، فصفحة من كتاب المبصر تعادل صفحتين من كتاب البريل، فإذا كان كتاب المبصر 100صفحة يكون للكفيف 300صفحة بلغة البريل، فكان مهند يبذل جهداً مضاعفاً في القراءة بوقت قصير جداً أثناء فترة الاختبارات بالجامعة، فكان المساق الواحد في الجامعة يحتاج من 3-4 كتب بلغة البريل، منوهاً إلى أن كتاب البريل لا يمكن أن يعدل عليه ككتاب المبصر، إلى جانب عدم توفر الورق الذي يأتي من الخارج؛ لطباعة كتب البريل، وعدم توفره شكل صعوبة كبيرة لأن الاعتماد الكبير عليه، على الرغم من توفر البدائل كالكمبيوتر والأجهزة الصناعية.

وأشار الخريج مهند إلى أنه واجه صعوبات كثيرة على صعيد المجتمع من أصحاب النفوس الضعيفة التي لا تحترم كلمة احتياجات خاصة، من كلمات مسيئة ونظرات لا يتحملها أي قلب، فمساعدته يجب أن تكون من منطلق إنساني؛ لأنه يحتاج إلى رعاية خاصة.

WhatsApp Image 2021-07-15 at 10.49.54 AM.jpeg
 

حَوَل إعاقته إلى حلم

حين أخذ عقله يجوب يميناً وشمالاً، يفكر بالمستقبل المجهول الذي ينتظره، والصعوبة الكبيرة التي تلاحقه أينما يرنو، بجلسة عائلية واحدة حوّل إعاقته إلى حافز حلم النجاح.

يقول السعدوني: " حين جلست مع والدي وأخبرني لم أنا حزين.. وأشعر بالنقص؟ لكنه أجابني: "بالعكس أنت أحسن منهم"، وأنت فقدت البصر لكن لم تفقد البصيرة وستبدع وتكون أفضل من كل المحبطين، وبالفعل تعززت ثقتي بنفسي وتسلحت بسلاح العلم الذي يفتقده أغلبهم، وعرفت أنني شخص ناجح حين ينعتوني بالألفاظ السيئة".

فبعد هذه الجلسة العائلية استطاع مهند أن يدرس تعليمه الابتدائي في مركز نور الأمل لاسيما أنه لا يوجد بقطاع غزة إلا مدرستين فقط للمكفوفين، فكانت أمه تأتي به من خانيونس وهو ابن الثلاث سنوات ليشق طريقه بالعلم، ليخرج بعد ذلك من مدرسة المكفوفين ليكمل مرحلة الثانوية بالمدارس الحكومية، فعلى الرغم من بُعد المسافة بين بيته والمدرسة، وتأخر الوقت استطاع أن يكون الأول طوال مشواره المدرسي، ويحصد نتيجته في الثانوية العامة بمعدل 97%، ليتخصص بالجامعة الإسلامية كلية الآداب قسم اللغة العربية وينهي مشواره الجامعي بإمتياز ويكون الأول على كليته.

وأهدى نجاحه وإنجازه إلى والديه، ورفاق دربه الذين ساعدوه منذ السنة الأولى بالجامعة وهما : عطية لافي، ناهض أبو الروس، الذين كانوا بصره طوال فترة سنوات دراسته بالجامعة.

شغفٌ وطموح

مشوار الألف خطوة يبدأ بخطوة، وأول خطوات مهند كانت ولا زالت هي التمسك بإعاقته ليصل للخطوة الألف وهو حلمه الذي يسير إلى الآن لتحقيقه، قائلاً بعزيمته القوية: " حلمي أن اسافر للخارج لأعمل قرنية صناعية في عيني اليمنى حتى أستطيع رؤية متر فقط او متر ونصف لأرى وجه أمي وأبي الذين كانوا عوناً لي، وشغفي الأكبر أن أكمل الدراسات العليا وأكون دكتوراً في اللغة العربية وأجاور أساتذتي ومعلميّ وها أنا أخطو خطواتي لأحقق ما أتمنى".

وفي ختام حديثه، وجه السعدوني رسالته إلى كل ذوي الإحتياجات الخاصة، وإلى المجتمع ككل قائلاً: " لا تستسلموا واجعلوا من إعاقتكم حافز ودافع تواجهوا به كل العقبات والتحديات وتكون سبيلكم للحلم، فيا مجتمعي نحن جزء منكم ولسنا عالة بل نقوم بالمجتمع ونصنع من إعاقتنا ميزة لكم، مستذكراً قول رسول الله( صلى الله عليه وسلم): " نصرت بضعفائكم"، فنحن الضعفاء لنصرة المجتمع، فلا عيب أن يفقد الإنسان عضو منه لكن العيب أن تحتقره".