تفاصيل ليلة سوداء على عائلات بغزة: أطفال تحت الأرض عاشوا اليتم مرتين

فلسطين اليوم - غزة
الساعة 10:47 م
13 يونيو 2021
قصف عائلة أبو العوف (4).jpeg

غزة/ أمل خالد الوادية:

كمن يوقد الشمعة وينتظر أن تذوب، جاثمين على أقدامهم  بزاوية يظنون أنها أكثر الأماكن أماناً بالبيت (الممر) مجتمعين حول بعضهم البعض، يضعون أيديهم على رؤوسهم يرددون بصوت عالٍ مع كل زلزال بل بركان تحدثه الطائرات الإسرائيلية " برداً وسلاماً يا الله"..

يخفت ضوء نيران القصف فجأة ليخبرهم عقلهم أن ما بعد الهدوء عاصفة فينهالون بالدعاء والخوف يجوب قلوبهم تُرى من سيموت هذه الليلة؟ ومن دوره القادم؟ يسترقون النظرات لبعضهم البعض، وكأنها نظرة الوداع الأخيرة، يرتقبون طلوع الفجر ظناً منهم أنهم سينجون متناسين قصف النهار..

هكذا كان حال سكان قطاع غزة، يعيشون شبح الليل في غزة أيام الحرب، وكانت أكثرها سواداً، في السادس عشر من مايو 2021، على عمارة أبو العوف الكائنة في شارع الوحدة غرب مدينة غزة والتي عاشت فصول من المأساة التي لا توصف.

ففجأة ودون سوابق إنذار طالت طائرات الغدر الصهيونية عائلة أبو العوف، بعدد كبير من الصواريخ التي هزت أرجاء مدينة غزة، ليصبح البيت الذي يتكون من 4 طوابق كقطعة بسكوت على رأس ساكنيه ليرتقي الدكاترة والمهندسين شهداء ويخرج الطفل أحمد اليازجي من تحت الأنقاض حياً، ودخان الصواريخ أخفت ملامحه الجميلة ليتحول وجهه الابيض وبحر عيونه الى رماد وجروح ستبقى ندبة في حياته.

ذاق اليُتم مرتين

لم يعلم أن مجيئه على الحياة سيرتبط للأبد برحيل أعز ما يملك، فلقد توفت والدته وهي تنجب به نتيجة الإهمال الطبي في إحدى مشافي قطاع غزة الخاصة، لتُبصر عيناه النور ويلتصق به لقب يتيم الأم للأبد، لتتكفل به وتأخذه ببيتها عمته الشهيدة ديانا اليازجي (أبو العوف) وتكون أماً ثانية له منذ الولادة حتى رحيلها.

يخبرنا والد الطفل وأخ الشهيدة وعيناه المليئتان بالدموع تهرب يميناً وشمالاً : "عندما تزوجت بعد وفاة والدته خلال ولادته، أردت بعد سنة أن أعيد أحمد الذي كان يعيش مع عمته، لكي يعيش معي لكن أختي ديانا الله يرحمها طلبت مني أن يظل عندها لتربيه وتعلمه وتتمنى أن يصبح أفضل شخص في بالعالم فأبقيته لديها"، لم تحقق إلا جزءاً ضئيلاً من حلمها واعتنت به مدة سنتان ونصف بعدما غدرت بهم طائرات الاحتلال الاسرائيلي لترتقي شهيدة تاركة خلفها أحمد وحلمها الذي لم يكتمل.

فتحة الإنقاذ

ركام فوق ركام، لا نعرف من أين نبدأ ومن أين سننتهي؟ الخوف كان سيد الموقف ليوقظنا صراخهم من تحت الأنقاض يبكون صدمتهم الأولى، وخوفهم على بعضهم البعض، لتُديرنا مشاعرنا بعد عناء وجهد طويل بحفر فتحة صغيرة ننقذ الجرحى وننتشل الشهداء حتى مجيء الإسعاف والطواقم الطبية. يضيف محمد

ويكمل محمد اليازجي حديثه لمراسلة "وكالة فلسطين اليوم الإخبارية": "سمعت أصوات ناس تصرخ وتطلب النجدة لكني لا أعرف من هم، لكني عندما خرجت فوق الركام سمعت صوت ميساء ومرام بنات اختي الشهيدة ديانا يصرخون وصوت أحمد ابني يبكي بحرقة".

في مشهد تقشعر له الأبدان، أن تسمع صراخ الأحبة من تحت الأنقاض يناشدونك وانت الحائر الضائع بين كومة القش لا تعرف ماذا تفعل من هول الصدمة فبعدما حفر الحفرة الصغيرة استطاع أن ينقذ مرام ابنة 9 أعوام لتكون أول الناجين من تحت الركام في عمارة أبو العوف بعد ارتقاء15 شهيد من بينهم أمها وأخواتها روان وشيماء أبو العوف.

الأمانة غالية

 لبث رجل الدفاع المدني ساعات طويلة تحت الأنقاض وفوقه محمد اليازجي ينظر إليه من الفتحة الصغيرة ليكون شاهداً على ما حدث تحت الركام بين رجل الدفاع المدني وابنة أخته الشهيدة ديانا، حيث رفضت ميساء أبو العوف الخروج من تحت الأنقاض لتدخل بجدال صارم مع رجل الدفاع المدني الذي أخبرها: (يلا هلقيت يا عم بدنا نطلعك انتي) لترفض ميساء وتخبره: ( أول طلعوا الطفل الصغير أحمد لأنه أمانة عندي وهوا ابن خالي ويتيم وانا جبته عشان أكون قد الأمانة والمسؤولية أنا ياعم مش مشكلة وهيني بتشاهد فإذا طلع أحمد أنا بكون بخير) لتخرج ميساء من تحت الأنقاض حية ويكون أحمد أمانة عندها بعد استشهاد أمها.

المكالمة الأخيرة

( مشتاقلك يختي بكرا بدي أجي عليكي ان شاءالله ويمكن أنام عندك) بهذه الكلمات ختم محمد اليازجي مكالمته الأخيرة مع أخته الشهيدة ديانا وكأنه يشعر أن أمر ما سيحدث، لم تكن نفسيته مرتاحة، وخز في قلبه أخبره أنها النهاية وأن زيارته لن ولم تتحقق فلقد غادرت أخته الحياة الدنيا ليقطع حديثنا فجأة ويخبرنا بعزيمة  صلبة (أنا قلبي قوي والصبر من ربنا وكل ما تقع عليا مصيبة بقول الحمدلله رب العالمين).

قصف منزله ومعاناته

في اليوم التالي بعدما قصف الاحتلال الاسرائيلي منزل أخته وهو فوق الركام يحاول إنقاذ ما تبقى من عائلة أخته، وصل له الخبر المفاجئ من قبل المخابرات الاسرائيلية بأنه سيتم قصف عمارة أنس ابن مالك الكائنة في شارع اليرموك والمكونة من 7 طوابق والتي يتواجد بها منزله، بمهلة لا تتجاوز النصف ساعة سيتم إخلاء البناية.

يقول محمد:"لا أعرف كنت في حيرة من أمري، بين أن أكمل إنقاذ الجرحى وانتشال الشهداء أم الذهاب لبيتي لأخذ الأشياء الضرورية لأني أنا أخليت البيت وأرسلت أولادي لمنزل جدهم، فاخترت أن أكمل بإنقاذ الجرحى لأن المال يُعوض)..  لم يكن يُدرك أن المعاناة الحقيقة تُكمن في ما بعد قصف المنزل، لينتقل بأسرته من منزل لمنزل ويفقد استقراره النفسي قبل الجسدي بعد تراكم الديون عليه نتيجة الإيجار، إلى جانب الوضع المأساوي الصعب الذي يعيشه جميع من يقطن بهذه العمارة، مردداً في ختام حديثه لوكالة فلسطين اليوم دعائه ب "حسبي الله ونعم الوكيل".

وشنت طائرات الاحتلال حرباً عدوانية على قطاع غزة استمر 11 يوماً، خلفت أكثر من 250 شهيداً ومئات الجرحى، فضلاً عن دمار هائل في المنازل والمنشآت والأبراج السكنية والبنية التحتية، فيما ارتكبت مجازر بحق عائلات بأكملها.

قصف عائلة أبو العوف (1).jpeg
قصف عائلة أبو العوف (4).jpeg
قصف عائلة أبو العوف (3).jpeg
قصف عائلة أبو العوف (2).jpeg
قصف عائلة أبو العوف (1).jpg