شريط الأخبار

العراق يعيد التوكيد على ثوابته ..د. بشير موسى نافع

09:38 - 26 تشرين أول / مارس 2009

 

لم يتعرض بلد وشعب منذ النكبة الفلسطينية في نهاية الأربعينات لما تعرض له العراق والعراقيون خلال سنوات الاحتلال الست الماضية. ولكن العراق، شيئاً فشيئاً، وخطوة فخطوة، يؤكد شروط وجوده من جديد، بالرغم من العبء الثقيل للشكوك في هذا الوجود. كلما فتحت نافذة صغيرة أمام العراقيين، أخذوا في دفع حدودها إلى نهاياتها؛ وكلما سنحت لهم فرصة، مضوا في اعتناقها إلى أبعد ما يمكن للزمن المتاح أن يسمح به.

وفي كل الأحوال، يكتسب العراق الجديد صورة ما كان يمكن لقادة الاحتلال وحكام البلاد الجدد أن يتصوروها، صورة هي اقرب إلى إعادة استلهام ثوابت التاريخ والجغرافيا منها إلى أوهام عرابي الاحتلال وأنصاره.

خلال شهور قليلة من الاحتلال، كان العراق، وطناً ودولة وشعباً، يتعرض لعملية اقتلاع من الجذور، اقتلاع بالمعنى الرمزي وبالمعنى الفيزيائي الملموس. بجرة قلم، قام المندوب السامي الأمريكي في العراق بحل المؤسسات العسكرية والأمنية للدولة، ووضع العراق تحت سيطرة مباشرة لضباط احتلال لا يعرفون لغة العراق ولا تقاليد شعبه ولا تاريخه. وبرغبة وتخطيط مسبقين، أو بتواطؤ مع دوائر معارضة سابقة، شيعية وكردية، وضعت إدارة الاحتلال أسس نظام منقسم على نفسه، إثنياً وطائفياً. في هذا العراق، لم يعد العراقيون عراقيين، بل شيعة وسنة، مسلمين ومسيحيين، عرباً وتركماناً وأكراداً. وبدلاً من العراق الديمقراطي الحر المزدهر، الذي وعد به العراقيون، تحول وطنهم إلى ساحة صراع على الحكم والسلطة والثروة. للحفاظ على استقلالها عن بغداد، سعت الأحزاب الكردية إلى أن يبقى المركز العراقي هشاً، ضعيفاً، وأسيراً لأهواء وإرادات ورغبات الأطراف؛ وعندما أتيحت لهم الفرصة، أضافوا بغداد إلى دائرة سيطرتهم الآخذة بالتوسع، بدون أدنى مراعاة للأكثرية العربية. في محافظات لا يوجد شك في أغلبيتها العربية، لم يعد للعرب سوى وجود رمزي في الإدارات المحلية. ولتحويل العراق الجديد إلى مزرعة لهم، استخدم جماعة المجلس الأعلى كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة لتوطيد عرى الطائفية السياسية، واستدراج غرائز الخوف والعزلة لدى الجماعات الأهلية. باسم التخلص من قهر وعنف وظلم النظام السابق، شهد العراق حملة واسعة من الاغتيالات الطائفية، والحشد الطائفي، وإعلاء قيم الطائفية فوق كل قيم أخرى. وتحت حراسة قوات الاحتلال وإدارته وطبقته السياسية الجديدة، شهد العراق أكبر عملية نهب شهدها بلد منذ ولادة الدولة الحديثة، عملية نهب شارك فيها سياسيون ومثقفون ومعممون، ورجال أعمال، وضباط: احتفال هائل لسرقة الثروات والموارد وتدمير المقدرات.

ولم يكن غريباُ بالتالي أن ينحدر العراق إلى حافة الحرب الأهلية. عندما يتعرض وطن لهكذا عنف احتلالي، ولهكذا طبقة حكم، ولهكذا طموحات، تختفي سردية المواطنة وتتوارى، وتولد في مكانها سردية من نوع آخر، سردية حدود الطائفة والعرق، نصيب الطائفة والمجموعة العرقية، خوف الجميع من الجميع، وتربص الجميع بالجميع. في لغة التعمية وادعاء البراءة، أصبح من الدارج تحميل القاعدة مسؤولية انفجار العنف الهائل الذي دهم العراق. ولكن الحقيقة أن العنف الطائفي سبق القاعدة بكثير، عندما انطلقت مجموعات الاغتيال التابعة لهذه الجهة أو تلك من أحزاب الحكم الجديد لتصفية كل من ظنت فيه تحدياً لسيطرتها على الجيش، أو على الجامعة، أو هذه الوزارة أو تلك، وحتى على المسجد. ولأن مخطط الهيمنة الطائفية كان هو الأصل، نظر إلى المقاومة باعتبارها خصماً، لا فرصة تاريخية لتعزيز البنية الوطنية وتحقيق استقلال ناجز. وما أن أدركت مراكز المصالح الطائفية والعرقية أن مشروع الهيمنة لم يعد ممكناً، حتى لجأت إلى الخيار الأكثر صداماً مع موروث العراق وطبيعة بنيته الخاصة: التقسيم الفيدرالي. وباكتساب الفيدرالية شرعية دستورية، وإنشاء تسويغياً، انفجر العنف الأهلي كما لم ينفجر في تاريخ العراق كله، تاريخ دولته الحديثة، وتاريخ ما قبل الدولة الحديثة.

في خطاب العراقيين الجدد، لم يعد ثمة عراق، بل عدد من الولايات العثمانية التي جمعت قسراً، بقوة الاحتلال البريطاني، لبناء دولة مصطنعة، آن لها أن تغادر الخارطة السياسية للإقليم وتفسح المجال لدولة المجلس الأعلى، ودولة الحزب الإسلامي، ودولة البارزاني والطالباني، وربما دولة التركمان والآشور وإلخ. لم يعد لقوى الوحدة التي سادت تاريخ العراق القديم من اعتبار، لم يعد للدور المركزي الذي لعبته بغداد منذ أربعة عشر قرناً من اعتبار، لم يعد لهذا الانتشار العشائري الفريد في جغرافية العراق من اعتبار، لم يعد للتداخل الطائفي والإثني من اعتبار؛ الاعتبار الوحيد أعطي لطموحات حفنة صغيرة من السياسيين الجدد، الذين افتقدوا المعرفة الأولية بالعراق، والإدراك الأولي لما تعنيه الدولة. وبذلك، تحول العنف الأهلي إلى تطهير دموي وواسع النطاق، تطهير طائفي وعرقي وديني. استبيح السنة العرب الذين صنعوا تاريخ البصرة وبغداد، وارتبطوا بجوارهم الشيعي بروابط العشيرة والنسب والتاريخ؛ استبيح الشيعة العرب من أبناء العشائر نفسها، وبعضهم لم يكن أجداده قد تشيعوا قبل أكثر من قرن من الزمان؛ واستبيح المسيحيون العراقيون الذين قطنوا قرى ومدن شمال العراق منذ فجر المسيحية الأول؛ بل واستبيحت حرمات البيت الواحد، عندما أخذت عصابات الموت وميليشيات الأحزاب الحاكمة في إجبار الزوج على تطليق زوجته وتقويض سلامة أسرته وبقائها.

بيد أن شيئاً ما في روح العراقيين استعصى على الكسر، حتى والموت يعصف بالمدن والأحياء والقرى، ومئات الآلاف من الأسر تهجر مواطن آبائها وبيوتها. هذا الشيء، الذي أفسح المجال العراقي لاحتواء كل هذه التعددية الدينية والطائفية والإثنية على مدى قرون طوال، الذي جعل شمر وطي وتميم وعنزه تنتشر من الموصل إلى البصرة، ومن ديالى إلى صحراء النجف، أن يكون فرعها جنوب العراق شيعياً وفرعها شمالاً سنياً، الذي كرد العديد من العشائر العربية وعرب العديد من نظائرها الكردية والتركمانية، استعصى على بشاعة الاحتلال، وعنف الميليشيات، وطموحات السياسيين الصغار. لم ينقسم العراق ولا تجزأ، وسرعان ما أخذ الوعي العراقي الجمعي قراره بوضع نهاية للعنف الأهلي ـ السياسي، وبدأ العراقيون بناء وطنهم من جديد، ليس كما أرادته إدارة الاحتلال وأحزاب المنطقة الخضراء، بل كما ينبغي أن يكون، أو بالأحرى كما كان عليه دائماً. في الانتخابات المحلية الأخيرة، لم يرفض العراقيون مشروع التقسيم الفيدرالي وحسب، بل ورفضوا أيضاً القوى التي حملت المشروع واحتضنته، والتداخلات الإقليمية التي ساندته. وفي الأفق القريب للسياسة العراقية، ثمة تيار وطني يوشك أن يتبلور، تيار قد يصبح قاعدة العراق الجديد وركيزة وحدته واستقراره. الذين يقولون ان المالكي أقرب إلى صدام حسين جديد منه إلى صنف حزب الدعوة التقليدي ربما لا يخطئون كثيراً، اللهم إلا في سوء النية التي تغلف هذه المقولة؛ فمن يحكم العراق، من يمسك بمقاليد دولته، ولو لآونة قصيرة، سرعان ما يدرك أن للعراق قوانين وثوابت، لا تتغير بتغير الحكام والدول، لا تتغير سوى في الإطار الاخلاقي الذي توضع فيه، وفي الشكل الذي تكتسبه من حقبة إلى أخرى.

هذا، على أية حال، لا يجب أن يكون مدعاة لتفاؤل مبالغ فيه؛ فالعراق يتلمس الخروج من هوة الأزمة، ولكنه لم يخرج منها بعد. العنف الأهلي لم يختف تماماً، بل أن ثمة من يحاول تصعيده من جديد، وجعله رقماً أساسياً في ساحة التدافع السياسي. وهناك تقارير متزايدة حول حركة تسليح واسعة النطاق، من جنوب البلاد إلى شمالها، ناهيك عن الأحزاب ذات الأجنحة الميليشياوية المسلحة، التي تستخدم نفوذها في أجهزة الحكم والدولة لحماية ترساناتها من السلاح ومجموعاتها المسلحة. تنتظر هذه القوى، بل وتعمل على، إشعال جولة أخرى من العنف، بمجرد انسحاب الجزء الأكبر من جيش الاحتلال، تعتقد أنها ستساعدها على حسم صراع الدور والنفوذ والسيطرة لصالحها. هناك مشكلة التوسع الكردي، السياسي والأمني، خارج المناطق الكردية من العراق، بما في ذلك قضية كركوك. وهناك مشكلة المهجرين، سواء داخل العراق نفسه، أو في دول الجوار العربية، الذين يعتقد بأنهم يزيدون على المليونين. وإلى جانب ذلك كله، هناك الاحتلال الأجنبي، الذي يجب أن ينظر إلى إعلان أوباما حول الانسحاب من العراق باعتباره توكيداً لوجود عسكري أمريكي طويل. فكما كان متوقعاً، لم يخف الرئيس الأمريكي الجديد، الذي يسجل له أنه عارض الحرب على العراق أصلاً، أن خطته للانسحاب من العراق تتضمن الإبقاء على زهاء الخمسين الفاً من الجنود الأمريكيين، بمسوغات مختلفة، مثل تدريب القوات العراقية والأمن الدبلوماسي ومكافحة ما تبقى من الإرهاب. مثل هذا الحجم من التواجد العسكري الأمريكي في العراق هو في الحقيقة تأبيد للاحتلال، وضمانة لسيطرة أمريكية سياسية واقتصادية طويلة المدى. في مواجهة هذه التحديات، يحتاج العراقيون التخلص نهائياً من أوهام الفيدرالية، وإجراء تعديل حقيقي وشامل للدستور ولبنية الدولة؛ يحتاجون، بكلمة أخرى، التقدم الحثيث على طريق تعزيز البنية الوطنية. بدون المحافظة على هذا التقدم، فليس ثمة ما يمنع الانتكاس مرة اخرى إلى هاوية الأزمة، وإلى كهوف التدافع الطائفي والعرقي السوداء.

 

' كاتب وباحث عربي في التاريخ الحديث

 

 

انشر عبر