عندما تتجسد كل معاني الاخلاص والابداع في رجل .. د. أبوجعفر الحساينة نموذجاً ..

فلسطين اليوم - غزة
الساعة 02:38 م
31 مايو 2021
عرفات عبدالله أبوزايد
عرفات عبدالله أبوزايد

لازلنا في إطار دورة الحياة نقابل الكثير من الأشخاص الذي تختلف طرق وأنماط تفكيرهم ونظرتهم للحياة, فهناك ثمة أشخاص نقابلهم نجزم لقاءنا الأول معهم بأننا أمام شخصيات مختلفة, شخصيات لديها ما يميزها عن غيرها, شخصيات غير نمطية في تعاطيها وتصرفاتها وسلوكها, لم نكن في ذاك التوقيت تحديداً ندرك أسباب هذا الانجذاب نحوهم, ولكن كان شيء ما يجول في دواخلنا يؤكد لنا بأننا أمام شخصية ليس من السهولة أن تجد مثلها, وهكذا كانت شخصية الأخ والحبيب والصديق العزيز الدكتور إبراهيم الحساينة "ابو جعفر" رئيس مجلس إدارة جامعة الإسراء.

ربما يعتقد البعض للوهلة الأولى أننا نبالغ حين نكتب عن هذا الرجل, الذي لم نُصدق حتى الآن بأننا فقدناه حقاً, لأن طيفه لم يغادرنا للحظة, فهو يعيش معنا وبيننا في كل لحظاتنا, في لحظات السعادة والحزن, لما لا يكون كذلك؟ فهو في واقع الأمر كذلك وزيادة, عندما كنا نمر بلحظات السعادة والفرح كان أول من يأتي للتهنئة ومشاركتنا سعادتنا, وعندما كنا نمر بلحظات الحزن والبؤس كان هو البلسم والشفاء فلم يتوانى للحظة أن يسوق إلينا عباراته التي نحفظها عن ظهر قلب, تلك العبارات والكلمات التي كانت تواسي الحزين فينا, تلك الكلمات التي كانت ترفع معنويات البائسين, لم يكن يملك الكلمات فقط, بل كان لا يتوانى عن المساعدة المادية أيضاً لكل شخص يراه في ضيق من أمره, ولم يبرح مكاناً رأى فيه مريضاً بحاجة إلى مساعدة مادية, فنحن نشهد والله شاهد علينا أنه لم يتوانى للحظة عن تقديم مساعدات مادية لكل حالة مرضية قابلته أو كان على عِلم بها, ولم يتخلى عن مكانه الذي يحب أن ينفق فيه, ولم يغلق بابه أمام كل مريض ومهموم, ولم ينتظر أن يأتي أحد إليه, بل كان يبادر هو بتقديم المساعدات المادية للمتعففين والمرضى دون أن يطلبوا منه ذلك, وذلك حتى لا يُشعرهم بالاحراج, ولهذا كانت كلماته تؤكد دوماً بأن التجارة المُثلى هي مع الله عزوجل, وليس مع عباده.

الدكتور أبوجعفر الانسان المجاهد المبدع والمتفاني في عمله, المخلص في مشروعه, من لم يعرفه عن قُرب وكانت لديه فرصة لذلك, فقد أضاع على نفسه كنز ثمين ليس من السهولة تعويضه, نحن كنا أمام نموذج مملوء بالنورانية, نموذج مملوء بالإيمان والوعي والبصيرة, لم يكن مجرد إنسان مثلنا, بل كان كائناً غريباً في البصيرة والنضوج والقدرات التي يملكها, والتي أصبحت شعاراً ودرباً  يسلكه كل محبيه.

هذا الرجل الذي سبق الكثير من أبناء جيله ومن هم أكبر منه سناً, سبقهم بسنوات ضوئية, فلم يركن ولم يهدأ له بال طوال فترة حياته القصيرة التي لم تتجاوز الــ 44 عاماً, تلك الاعوام التي أشعلها بالكثير من الانجازات والمشاريع التي أصبح اليوم يُشار إليها بالبنان, مشاريع لم تأتي جُزافاً وعبثاً, بل بالجهد والعرق والتفكير السديد, والأهم من هذا كله الإخلاص مع الله عزوجل.

كان لنا الشرف بالعمل تحت قيادته لبضع سنوات بالعمل الطلابي, لم يكن في حينها ينتهي من فكرة ومشروع حتى كان يضع أمامنا أفكار جديدة, لدرجة أننا كنا نعتقد أننا أمام بئر لا ينضب من المشاريع, التي كنا في بادئ الأمر نراها ضرب من الخيال والمعجزات, ولكننا كنا أمام رجل  لم يكن يؤمن يوماً بالمعيقات أو الحواجز, بل كان يؤمن بالسعي والعمل والطاقة والثقة التي يملكها هو وإخوانه من حوله, الذين كان يزرع بهم دوماً مبدأ رفيع وراقي وهو "الاخلاص والتجارة الرابحة مع الله", تجارة لا يتملكها الخُبث أو الضغينة, أو الحقد, لدرجة أننا في لحظات كثيرة كنا نقول له بأنك تعيش في زمن وحياة غير التي نعيشها, لم يبالي بما نقول بل كان يزيدنا بالبيت شعراً عندما يسترسل بالحديث معنا عن المعاني الرائعة للإخلاص والقرب من الله, ويستشهد لنا بقصص الصحابة والأثر .... أصارحكم أننا كنا نقف بكل معاني الانبهار أمام حديثه الذي كان يزيدنا إيماناً بأن التجارة مع الله هي رأس مالنا, ومطالبته الدائمة لنا بأن نتحسس إخواننا, وعدم الاهتمام بالانتقادات والسِهام التي توجه من المُحبطين الذين يحاولوا تقزيم الانجازات, لأنه كان يرى بأن المشروع الذي فيه مرضاة الله لابد وأن تتذلل له كل العقبات والصعوبات, تلك الصعوبات التي لم يقتنع أحد بأنه يمكن تجاوزها, لكنه كان عنده يقين بأن لا صعوبات تقف أمام مشروع طامح, طموح لم يكن يضاهيه شيء, فقد كان يسعى الأخ أبوجعفر نحو مشاريع كبرى, مشاريع تخدم جماهير شعبنا بشكل مباشر.

وعلى الرغم من الوقت الضيق لديه, وما يدور حوله من ضغوط العمل, إلا أنه كان يهتم بأن يلتقي بنا, فهو لم يكن ذاك الصديق العابر, أو ذاك القائد العابر الذي ينتهي من مسؤوليته وتكليفه حتى يتخلى عن إخوانه, فكان يعطينا من وقته, الوقت الذي كان يستثمر كل لحظة فيه, كيف لا,  وهو رئيس مجلس جامعة الإسراء التي خرجت بسرعة الصاروخ بتوجيهاته وعمله الدائم نحو التطوير, فهو لم يكن يحمل ذاك المسمى البروتوكولي أو من باب البرستيج, فمن يعرف الحقيقة لهذا الرجل يدرك تماماً بأنه لم يكن تلك النوعية من الشخصيات المغرمة بذاتها والمهووسة بالبرستيج لتعويض النقص, فالأخ أبوجعفر الذي يحمل شهادة الدكتوراة كان يُشرف ويساعد عمال النظافة داخل الجامعة, وكان يُشرف على العمال في الانشاءات داخل الجامعة بل يساعدهم ويتابع أدق التفاصيل, وكان يزرع الأشجار بيديه, وكان يتابع الموظفين, ويطمئن على الأمن داخل الجامعة, هو كان يعتبر هذه الجامعة بمثابة طفله الصغير الذي يحتاج عناية ومتابعة وتعزيز, فكان أول من يأتي للجامعة وأخر من يغادرها في ساعات المساء بعد أن يطمئن أن كل شيء على ما يرام.

وفي ظل التعليم الجامعي الذي تحول الكثير منه يذهب تجاه التعليم الاستثماري, كان للدكتور أبوجعفر دوره الخاص البعيد عن الاستثمار في التعليم, الذي اعتبره حق أصيل ومكفول لكل أبناء شعبنا بغض النظر عن قدرتهم على دفع الرسوم الجامعية من عدمه, هذا التعاطي لم يأتي من فراغ, بل هو صدق مع الذات, عندما كان رئيساً للرابطة الإسلامية في العام 2010 كان يشعر بالامتعاض عندما تقوم بعض الجامعات بطرد الطلاب من قاعات الامتحانات بسبب الرسوم الجامعية, وكان ينتقد هذا الإجراء, وعندما أصبح رئيساً لجامعة لم يمارس الازدواجية في المعايير, مثل الذي يرفع شعارات جوفاء وعندما يصل للتطبيق يصبح هو الأجوف, بل تلك الشعارات والمبادئ التي كان يتبناها الفقيد أبوجعفر الحساينة مارسها بكل صدق مع ذاته وتماشياً مع ما يؤمن به, وتقديراً لتضحيات شعبنا الصابر والصامد الذي يحتاج إلى كل وسائل التعزيز والدعم للتمكن من مواجهة الاحتلال.

لم يكن توفير فرصة للتعليم الجامعي لأبناء شعبنا مسلكه الوحيد, بل كان يعلم تماماً بأن هذا الشعب المحاصر الذي يعيش ضنك الحياة وصعوبتها, هذا الشعب يحتاج حياة أفضل, فكان مشروع إفطار الصائم الذي كان يُشرف فيه على افطار آلاف الاسر الفلسطينية في قطاع غزة خلال شهر رمضان المبارك, والذي يساهم بشكل مباشر بالتخفيف عن كاهل الأسر المتعففة في القطاع, ولهذا رفع الله ذِكره فكان آلاف المشيعين في جنازته تأكيداً على حجم الحب والامتنان لهذا الرجل.

الأخ والصديق العزيز الدكتور أبوجعفر .. نعم ألف نعم.. ودون مكابرة نشعر بالحزن والقهر كلما تذكرنا أنك رحلت عن دنيانا, ولكن قدر الله نافذ ولكل أجل كتاب, وعلى الرغم من هذا الرحيل عنا بجسدك, إلا أنك حي في قلوبنا, وهذا الإرث الذي تركته فينا وأنت تزرع فينا ضرورة الإخلاص مع الله في كل أعمالنا ونوايانا وحب الخير للجميع, والحفاظ على ما يتم انجازه, هذه وصيتك الكبرى لنا ولن نتركها.