عصر إعادة الاعتبار للمقاومة ووحدتها وتوسيع صورها

فلسطين اليوم - غزة
الساعة 12:35 م
30 مايو 2021
عبد الله الاشعل

بقلم : د. عبدالله الأشعل   

أوضحت أحداث القدس وغزة من 10-22 مايو2021 وسلوك إسرائيل الإجرامى أن المقاومة المسلحة هى درع الآمان لكل الشعب الفلسطينى الذى انفردت به إسرائيل بكل قوتها المدعومة من واشنطن والغرب فانطلقت تبيد الشعب الفلسطينى فى كل فلسطين وبالطبع فإن المقاومة تدافع عن الشعب فى كل مكان فى فلسطين ضد وحشية إسرائيل التى تمثل رأس المشروع الصهيونى والتى تقيم شرعيتها على قوة الجيش وثقة الإسرائيليين فى هذه القوة وفى قدرته على حمايتهم وحماية وحشيتهم ضد الفلسطينيين.

 ويبدو أن إسرائيل أرادت أن تبدأ عملية واسعة لاقتلاع الشعب الفلسطينى من أرضه أو إجراء بروفه لعل بعضه يباد بقسوة والبعض الآخر يفر بجلده من مصير الإبادة. ولكن إسرائيل وجدت مفاجآت أربكت حساباتها. فرغم مباركة الغرب لحملة الابادة باعتبارها حقا مشروعا للدفاع عن النفس، وهى كذبة بلقاء يكذبها الواقع المرير وسجلتها كل وسائل الإعلام وكشفت الحكومات الغربية أمام شعوبها التى عانت القهر من بطش اللوبيات الصهيونية التى عطلت حرية التعبير فى الأكاذيب الصهيونية ولكن هذه الحرية تسطع كلما كانت تمارس ضد مقدسات المسلمين وتصادر هذه الحرية فى كل ما يتعلق بسلوك إسرائيل التى وصمت كل من ينتقده بأنه يرتكب جريمة معاداة السامية، أما الإسلاموفوبيا فهى مساحة لممارسة حرية المواطن ضد المسلمين.

من المفاجآت أيضا لإسرائيل ولكل العالم أن الشعب الفلسطينى كله فى جميع مناطق فلسطين أسقط رهانات إسرائيل على تمزيق الشعب وحصره داخل مناطق فلسطين.

ومن أهم المفاجآت أن الشعب كله صار حاضنة شعبية للمقاومة ويتحمل كل التضحيات والأضرار التى الحقتها إسرائيل بالسكان المدنيين حتى يكفروا بالمقاومة ويتمردوا عليها باعتبارها سبب كل هذه الكوارث ولكن الشعب أبى ان يقبل الظلم فى حى الشيخ جراح فى القدس ومنع المصلين من دخول المسجد الأقصى تمهيدا للسماح لجموع المستوطنين من جماعة الهيكل بدخول المسجد الأقصى وهدمه كخطوة اولية لبناء الهيكل المزعوم مكانه. لأول مرة تتجاسر المقاومة على إسرائيل فتضرب القدس وترفع الروح المعنوية لسكان الحى والمصلين، فتضطر إسرائيل إلى الغاء مشروع دخول المستوطنين المسجد الأقصى وربما خططت إسرائيل أن يكون هذا الإلغاء مؤقتا بينما تفرغ من تأديب المقاومة، ولم تحسب حساب روح التحدى التى ولدتها فى المقاومة مدعومة بروح التحدى الشاملة فى كل أراضى فلسطين وبالأخص داخل إسرائيل ووجدت إسرائيل أن الشعب ومقاومته تجاوزت السلطة الفلسطينية وحساباتها. يهمنا فى هذه المقالة أن نشرح العصر الجديد الذى أهل على المنطقة بتماسك الشعب كله وصموده ومطالبته بكل فلسطين مادامت إسرائيل المزروعة فى المنطقة تنكر عليه حق الحياة بكرامة وتجعل التعايش والسلام مستحيلا وقد أيقن الشعب الفلسطينى أنه هو الذى يحرر فلسطين ويتصدى وحده لقوة إسرائيل مدعومة بجفاء بعض العرب المضللين وأن مقاومته هى الضمان لبقائهم الذى هددته إسرائيل بعنف.

وقد رصدنا خمسة أسباب شكلت عناصر قرار إسرائيل بحملة الإبادة الشاملة لغزة بالذات وفى عموم فلسطين:

السبب الأول: هو أن المقاومة فى تقديرها فى أسوأ أحوالها وأن خطة الإبادة تشمل القضاء على المقاومة ونزع سلاحها وقد أوضحت إسرائيل هذا الهدف.

السبب الثانى: أن المقاومة تجد الدعم فى إيران وحدها وإيران يتم إحباطها وإضعافها ولاشك أن تحقيق هدف إسرائيل فى المقاومة كان كفيلا بتشدد واشنطن والغرب فى مفاوضات فيينا بشأن الملف النووى. ثم أن حصار غزة ونشر العملاء والدعاية النفسية ضد المقاومة وبأنها ليس لديها الشجاعة للتصدى لإسرائيل وحاولت إسرائيل الوقيعة بين فصائل المقاومة ثم بين المقاومة والشعب الفلسطينى خاصة فى غزة التى تعرضت لحصار ظالم وقاسى من جميع الجوانب البرية والبحرية والجوية. وقد حرصت إسرائيل علي المكيدة لغزة وأنها تعمدت ان تعاقب المقاومة بانزال افدح الأضرار المادية والبشرية واغتيال قيادات المقاومة وبدأت بعدوان 2008-2009 ثم عام 2012 ثم عام 2014، وكانت فى خسائرها فى مستوى الهلوكوست الذى يقول اليهود أن هتلر أنزله بهم فجاء أحفاد الناجين من المحارق لينصبوا محارق للشعب الذى استضافهم وآواهم ولاعلاقة له بما حدث لاجدادهم  فى آلمانيا، حسبما عبرت بعض أصوات المنصفين.

السبب الثالث: هو تخلى الوسط العربى الرسمى عن المقاومة بل وصمها رسميا فى الجامعة العربية بالإرهاب، بل إن بعض عناصر حماس وقياداتها تم سجنهم أو اغتيالهم بالتعاون مع إسرائيل فى بعض دول الخليج كما تم وضع المنظمات على قوائم الإرهاب فى الاتحاد الأوروبى والولايات المتحدة. كما تم تعقب حماس ورفع دعاوى ضدها فى بعض الدول العربية.

كل ذلك أحبط المقاومة وأحبط الفلسطينيين وقسم الدول العربية والشعب الفلسطينى بين المقاومة (الإرهاب) وبين السلام (المفاوضات عن طريق السلطة) وهى قسمة ظالمة ومضللة. وقد انضمت الدول العربية المتعاونة مع إسرائيل فى معاداة المقاومة وتشديد الحصار على غزة رغم أن غزة بدون عدوان وتدمير لاتحتمل ظروف البقاء.

والفصل بين غزة (الشعب) وبين غزة (المقاومة) كان عاملا أساسيا فى السياسات الإسرائيلية وبعض الدول العربية.

السبب الرابع: هو أن إسرائيل أسهمت فى حملة مطاردة الإخوان المسلمين فى بعض الدول العربية واعتبرت أن العداء للإخوان سوف يمتد إلى حماس على أساس أنها فرع من الإخوان وهذا سبب حرجا لحماس فى الكثير من المواقف والدول. وقدرت إسرائيل أنه كلما اشتدت حملة مطاردة الإخوان كلما ألحق ذلك الضرر بحماس والجهاد.

 وارتبط بهذه الأزمة أن سيناء شهدت موجات من الإرهاب عقدت علاقة حماس أحيانا بالسلطات المصرية.

السبب الخامس: تقدير إسرائيل أن السلطة العربية لديها حساسية من المظاهرات، وحيث أن التيارات الإسلامية هى التى كانت تقود مظاهرات الاحتجاج على إسرائيل ومناصرة المقاومة، فقد أطمأنت إسرائيل إلى تورطها فى صراع السلطة فى معظم الدول العربية وأسهم ذلك فى قتل الشارع العربى الذى كان نصير الفلسطينين والمقاومة.ويخطيء من يقيس تعاطف الشارع العربي مع المقاومة بعدد المظاهرات ضد اسرائيل فالشارع الذي يغلي بالغضب لايميز بين الغضب من الحكام والغضب من اسرائيل .أى أن شيطنة الثورات العربية منع المظاهرات لأى سبب وأفاد إسرائيل كثيرا خاصة وأن إسرائيل توسعت فى التطبيع مع عدد جديد من الدول العربية، كما ضمنت قمع الحكام العرب للشارع العربى ومنع المظاهرات لأى سبب خوفا من تحول مظاهرات الاحتجاج على إسرائيل إلى الاحتجاج على الحكام ونظمهم.

لكل هذه الأسباب وغيرها شجع الغرب إسرائيل على إبادة الشعب الفلسطينى ومقاومته.

وتدرك إسرائيل جيدا أن المقاومة ضد اسرائيل قامت فى فتح عرفات واتخذت أشكالا مختلفة ثم آلت إلى حماس ثم بقية المنظمات بما فيها جناح ثورى فى فتح، كما أطمأنت إسرائيل إلى نتائج أوسلو وانقسام فتح وحماس، وانقسام الشعب بين منهجين: مفاوض ومقاوم. وقد أزعج إسرائيل رهان المقاومة على قضية القدس والمسجد الأقصى وكسبها للرهان حيث أشعرت إسرائيل أن للقدس سيفا يحميها خاصة وأن المقاومة أسمت الحملة سيف القدس. وكانت إسرائيل فيما رددت أوساطها قد اشتاطت غضبا لما اسمته مساس المقاومة بالقدس عاصمتها الأبدية المزغومة وفى ذكرى ما أسمته زورا وبهتانا توحيد القدس فصورت حملة الإبادة ضد الجميع بأنه انتقام للمساس بسيادتها المزعومة على القدس. وييدو أن الغرب قد استند إلى هذا التبرير الكاذب في تشكيل موقفه من الاحداث.

والخلاصة: نقلت هذه الأحداث المقاومة من مجرد منظمات إلى عقيدة كما نقلتها من كتلة سياسية وعسكرية إلى آفاق أوسع ثقافية وفكرية ونضالية. ومن ناحية ثالثة طورت المقاومة وظيفتها الأساسية وهى مقاومة العدوان ثم مناهضة الاحتلال إلى سلوك يرفض استحواذ اليهود على فلسطين والاستخاف بالعرب عموما. وقد خرج الفلسطينيون من هذه المعادلة حيث نابوا عن كل العرب فى الدفاع عن العروبة وعن كل المسلمين فى الدفاع عن الأقصى أول قبلة للمسلمين.

وفى عصر المقاومة لابد من إضافة مساحات أخرى للمقاومة وهى المقاومة الفكرية والثقافية وتفنيد الأساطير التى ألصقتها إسرائيل بنفسها،(وتوسيع دائرة المقاومين) وتلك التى وصمت المقاومة بها، كما ردت المقاومة بسلوكها الشجاع على الترهات التى ألصقها البعض بالفلسطينيين وحملة شيطنتهم فى الدول العربية.

وقد جرت العادة على تصنيف المقاومة الفلسطينية بأنها مقاومة سنية كما زعمت إسرائيل واستغلت الأزمة بين منظمات المقاومة فى سوريا والحكومة السورية. فأدرك الجميع أن إسرائيل تستهدف العرق الفلسطينى مهما كانت عقيدته الدينية.

كذلك ترتب على بزوغ عصر المقاومةالمطالبة بتصحيح الموقف العربى منها فى الدول العربية وداخل الجامعة العربية.

ومن أثار هذه المرحلة أن السلطة يجب ان تعتز بالمقاومة ولا تعتبرهاانقلابا عسكريا وفصلا لغزة عن مناطق فلسطين.وان يتوقف تعاون السلطة مع إسرائيل تحت شعار التنسيق الأمنى ورفع العقوبات عن غزة التي فرضت عليها لاعادتها الي بيت الطاعة.. فالآن عصر جديد كل الفلسطينيين وكل مؤسساتهم تطالب بكل فلسطين مقابل اغتصاب إسرائيل لها وخططها لتفريغ فلسطين من سكانها ليحل اليهود محلهم.