محللون :حرب غزة الأخيرة كشفت عددا من الأوراق وأسقطت أخطر سلاح بيد "إسرائيل"

فلسطين اليوم - غزة
الساعة 10:07 ص
25 مايو 2021
منازل المدمرة إثر القصف (33).JPG

يُجمع أغلب الباحثين على أن حرب غزة الأخيرة وحدت الفلسطينيين وأعادت قضيتهم إلى واجهة الأحداث الدولية، بعدما حاولت اتفاقيات التطبيع الأخيرة دفنها للأبد، كما أنها ساهمت في تجريد إسرائيل من سلاحها الأخطر (الدعاية)، حيث عملت دولة الاحتلال على تسويق نفسها دوما كـ”ضحية”، لكن هذه البروباغاندا سقطت اليوم مع تصاعد موجة التعاطف الدولي مع الفلسطينيين الذي عرفوا كيف يستغلون وسائل الإعلام الاجتماعية في إيصال قضيتهم للعالم، وتسليط الضوء على جرائم الاحتلال في الأراضي المحتلة.

عدوان وليس حربا غير متكافئة

ويرى الباحث والمحلل السياسي التونسي د. رياض الشعيبي أن ما حصل في حرب غزة الأخيرة هو “عدوان جديد على الشعب الفلسطيني وانتهاك صارخ لأهم حقوق هذا الشعب بما في ذلك الحق في الحياة والحرية. لذلك لا مجال للحديث عن حرب غير متكافئة لأن هذا التوصيف يقفز على كثير من حقائق الواقع. المقاومة في غزة تحاول حماية الشعب الفلسطيني من هذا العدوان الهمجي بما توفر لها من وسائل بسيطة لا ترتقي الى مستوى الآلة الحربية الإسرائيلية المدمرة. ومع ذلك نجحت مرة أخرى في صد العدوان ليس بقوة الحديد والنار ولكن بقوة الإرادة والإصرار على المقاومة وبحاضنتها الشعبية الواسعة”.

ويضيف لـ”القدس العربي”: “في معارك صدّ العدوان، لا يقاس النصر بعدد الضحايا ومقدار الدمار. بل أن المفتاح الأول للنصر في إفشال مخططات العدو لتحقيق أهدافه، وقد حصل ذلك في هذه المعركة وعجز العدوّ عن فرض أجندته على المقاومة. ثم في حسن إدارة المعركة والتحكم في إيقاعها ومداها وخلق إرباك لدى العدوّ وقد حصل ذلك. وأخيرا في التغطية السياسية للمعركة وتعزيز الموقف الميداني بموقف أخلاقي وسياسي وتفاوضي خادم لاستراتيجية المقاومة، وقد حصل ذلك أيضا”.

ويرى الشعيبي أن من أهم إنجازات المقاومة الفلسطينية في حرب غزة الأخيرة هو “تطوير المنظومة الصاروخية ووسائل الردع على غطرسة جيش العدوّ وإيلامه حيث لم يكن يتوقع. وقد مثل استمرار قدرة المقاومة على إطلاق الصواريخ والمناورة تحديا كبيرا ضرب الروح المعنوية لجيش العدوّ وللعمق الشعبي للعدوّ”.

ويضيف “لقد عودتنا المقاومة على أن كل معركة من معاركها مع العدو تدشن مرحلة جديدة من مراحل تطور قدراتها الميدانية ورفع سقف مطالبها السياسية. فالمقاومة التي نجحت إلى حد الآن في الدفاع عن الحقوق الفلسطينية، استطاعت في هذه المعركة أن تتخذ منحى هجوميا من المتوقع أن يتعزز مستقبلا من خلال تطوير المقدرات المادية واللوجستية. فتوازن الرعب والقدرة على التدمير تحقق منه شيء كبير، لكن هذا التوازن من المتوقع أن يمنح المقاومة قدرة أكبر في المستقبل لمهاجمة العدوّ ورفع شعار التحرير”.

ويتابع بقوله “كما مثّل انتصار المقاومة هذه المرة قفزة نوعية في أفقها السياسي. فبعد تلاحم مجتمع الداخل المحتل مع جماهير الضفة الغربية مع المقاومة الفلسطينية وحاضنتها الشعبية في غزة، بهذا الالتقاء التاريخي فقد قفزت القضية لأول مرة على هزيمة 67 وما فرضته من معادلات على حساب الحقوق الفلسطينية الثابتة. وبالتالي فإن من المتوقع أن تأخذ القضية الفلسطينية منعرجا قويا يعزز مكانتها وقدرتها على التعديل المتصاعد لأسهمها في أية رؤية مستقبلية للحلّ”.

صواريخ الحسين تعود إلى تل أبيب

ويرى الباحث إدريس لكريني، مدير مختبر الدراسات الدولية حول إدارة الأزمات في جامعة القاضي عياض المغربية أن حرب غزة الأخيرة “تأتي في ظرفية مأزومة على اعتبار أن سلطات الاحتلال اعتادت على خرق جميع الاتفاقيات المبرمة واستمرت في بناء المستوطنات واغتيال الفلسطينيين والتضييق وممارسة الحصار عليهم، في ظل تواطؤ من الدول الكبرى التي يفترض أن تلعب دور الوسيط أو المواكب لاتفاقيات السلامة المبرمة التي يبدو أن إسرائيل تنكرت لها تماما”.

ويضيف : “هذه الأحداث يمكن أن ندرجها في خانة العدوان المنتظم الذي تمارسه السلطات الإسرائيلية على الفلسطينيين على اعتبار أن الأراضي الفلسطينية محتلة وأن السلطات الإسرائيلية تمارس مجموعة من السلوكيات التي تندرج ضمن خانة خرق قواعد القانون الدولي. وبالتالي يمكننا القول إن ما تقوم به المقاومة الفلسطينية يندرج ضمن حق الدفاع الشرعي عن النفس”.

ويوضح أكثر بقوله “إسرائيل تحاول كل مرة أن تسوق لما تقوم به من عمليات عسكرية في الأراضي الفلسطينية المحتلة على أنه دفاع شرعي، والواقع أنه لا مجال للمقارنة بين ما تقوم به المقاومة من عمليات محدودة في الزمان والمكان وعلى مستوى الآثار، وبين ما تقوم به إسرائيل من أعمال عدوانية تستخدم فيها كل مظاهر القوة من طائرات وقنابل وغيرها من الأسلحة الخطيرة، وكان من الطبيعي أن تستخدم المقاومة الفلسطينية -التي تدافع عن حقها المشروع في الاستقلال وطرد المستعمر- آلية الدفاع عن النفس في مواجهة الغطرسة الإسرائيلية”.

ويرى لكريني أن حرب غزة الأخيرة “حققت مجموعة من الأهداف وكشفت عددا من الأوراق، لفائدة المقاومة الفلسطينية بشكل خاص، ويبدو أن إسرائيل لم تكن تتوقع الرد النوعي والعنيف الذي قامت به المقاومة في غزة، على اعتبار أن الأمر يتعلق بإرسال صواريخ يبدو أنها أربكت وأرعبت الإسرائيليين، وربما هذا يذكّرنا بصواريخ الحسين التي كانت تنطلق من العراق إبان حرب الخليج الثانية”.

سقوط أسطورة القوة الإسرائيلية

ويضيف “العمليات الأخيرة للمقاومة كشفت عن نقاط عدة، أولا أنها أبرزت أن أسطورة القوة العسكرية الإسرائيلية الضاربة في المنطقة لا تجدي نفعا مع مقاومين لهم من الشرعية القانونية والسياسية ما يمكنهم من الدفاع عن حقوقهم وسط تأييد عربي وإسلامي ودولي كبير”.

ويرى لكريني أن الانتهاكات الإسرائيلية الأخيرة في القدس ورد الفعل الفلسطيني تجاهه أثبتت أن الفلسطينيين “يعتبرون القدس خط أحمر وبدا هناك تقارب كبير هو أشبه بالوحدة وعودة المياه إلى مجاريها، وخصوصا من جانب السلطة الفلسطينية والمقاومة اللتين بدتا متفقتين في ضرورة مواجهة المحتل الذي ما زال يتنكر للحقوق الفلسطينية، ثم لا ننسى احتجاجات فلسطينيي الداخل (عرب 48) الواسعة التي وضعت إسرائيل في أزمة كبرى”.

ويضيف “ثم إن المقاومة الفلسطينية أفشلت منطق إدارة الأزمة الذي استخدمه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كسبيل لتجاوز الضغوط التي طالته في الآونة الأخيرة، وخصوصا بعد اتهامه بقضايا فساد، ما يرهن مستقبله السياسي ويجعله أمام كل الاحتمالات السيئة، وخاصة أنه فشل فشلا ذريعا في إيقاف الصواريخ التي أمطرت الأراضي المحتلة”.

ويوضح أكثر بقوله “وبذلك أعتقد أن الصواريخ الفلسطينية التي باتت اليوم تطال مختلف الأراضي المحتلة تعطي درسا كبيرا لإسرائيل وتدفعها لإعادة حساباتها مستقبلا (في أي عمليات عدوانية ستخوضها ضد الفلسطينيين). صحيح أننا لسنا في حرب متكافئة من ناحية الإمكانيات العسكرية والقدرات، ولكن نحن أمام مقاومة تدافع عن حق مشروع -كما أسلفت- ولذلك يبدو أن الضغوط التي مورست على المقاومة والفلسطينيين في الآونة الأخيرة لم تزدهم إلا إصرارا على الدفاع عن أنفسهم وتطوير إمكانياتهم في سبيل الدفاع عن القضية الفلسطينية العادلة”.

لا مفر من حل الدولتين

ويرى لكريني أن الحرب الأخيرة في غزة أعادت البريق للقضية الفلسطينية على المستويين الإقليمي والدولي، “فاليوم كنا أمام مجموعة من ردود الفعل الدولية التي نددت بالتعسف الإٍسرائيلي وطالبت بضمان الحقوق الفلسطينية وتجاوز الخروقات الإسرائيلية في هذا الصدد. كما أن الأحداث الأخيرة لقنت الإسرائيليين درسا كبيرا، أولا كنا أمام ضغط داخلي على اعتبار أن إرباك الحياة السياسية والاجتماعية داخل إسرائيل هو أمر غير مألوف، وجعل الإسرائيليين في وضع صعب جدا، وهذا من إيجابيات المقاومة”.

ويضيف “إسرائيل باتت واعية أن المقاومة تملك نقاط قوة جعلتها في وضع أفضل بكثير مما كان عليه الأمر خلال العمليات الإٍسرائيلية على غزة خلال السنوات الأخيرة، حيث كانت الصواريخ محدودة الأثر على مستوى المدى والفعالية، اليوم نحن أمام طائرات موجهة ربما لا تصل إلى ما تملكه إسرائيل ولكن في عمليات نوعية جعلت إسرائيل في ضغط حقيقي”.

كما يشير لكريني إلى التعاطف الدولي الكبير مع فلسطين خلال الحرب الأخيرة، “فرغم التواطؤ الأمريكي الذي بدا في عرقلة إصدار قرار من مجلس الأمن، إلا أن مجموعة من دول العالم عبّرت عن تعاطفها مع الفلسطينيين وإدانتها لما تقوم به إسرائيل داخل الأراضي المحتلة، ولذلك أعتقد أن إسرائيل لم تجد بدا من عقد هدنة دون شروط مسبقة، وعيا منها بأن المقاومة باتت تملك من عناصر قوة ما يؤهلها كي تفرض منطقها، وخاصة أن المقاومة استفادت من العمليات الإسرائيلية السابقة التي طالت غزة، خصوصا أن الحصار بقدر ما تنتج عنه آلام اقتصادية واجتماعية وإنسانية ولكنه كذلك محك للإبداع وتطوير الذات والاعتماد على النفس وتجميع الإمكانيات لمواجهة التحديات والمخاطر المطروحة”.

ويضيف “يمكننا اليوم أن نقول إن إسرائيل باتت اليوم تحت مرمى صواريخ المقاومة، وعادة ما تبدأ الأمور عسكريا ومن ثم تتلوها مبادرات دبلوماسية من هنا وهناك، ولذلك أعتقد أن الإسرائيليين اليوم باتوا يقتنعون أنه لا مفر من دولتين تتعايشان مع بعضهما (فلسطين وإسرائيل)، وبأن القدس خط أحمر وخصوصا فيما يتعلق باحترام حرية الديانات في هذه المنطقة المقدسة وأيضا التوقف عن تهويد القدس ومقوماتها الحضارية الإسلامية”.

الصراع العربي الإسرائيلي تبدّل جذريا

ويقول محمود رفعت، رئيس المعهد الأوروبي للقانون الدولي “يمكن الجزم بأن مسار الصراع العربي الإسرائيلي تبدل بشكل جذري بعد العدوان الإسرائيلي الأخير، بسبب نوعية الرد هذه المرة، فلأول مرة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي تخرج مطارات وموانئ إسرائيل من الخدمة، ولأول مرة تصل صواريخ المقاومة إلى العمق الإسرائيلي وتشل الحياة الإسرائيلية بشكل كامل”.

ويضيف لـ”القدس العربي”: “الجيوش العربية النظامية على مدار 73 عاما وبعد حروب عدة خاضتها ضد إسرائيل لم تصل بأي حال من الأحوال إلى هذه النتائج، فالصراع تبدل بشكل جذري وهذا ما سيلقي بظلاله على مستقبل الصراع العربي الإسرائيلي، لأن المقاومة الآن بدلت أساليبها القديمة وشركائها، وهذا ما رأيناه في تصريحات عدد من قادة المقاومة أن الشركاء تبدلوا، والشريك الإيراني له حسابات وقدرات أخرى وإرادة مختلفة”.

ويرى رفعت أن إسرائيل “لن تكون بعد الآن إسرائيل ذات القبضة المطبقة على الفلسطينيين سواء غزة أو فلسطينيي الداخل، سيكون هناك نوع من الندية للفلسطينيين أمام الجانب الإسرائيلي”.

ويضيف “والأهم من ذلك هو إعادة إحياء القضية الفلسطينية التي كادت أن تموت بفعل التطبيع والبروباغاندا العالية جدا في السنوات الأخيرة من التطبيع والمال الخليجي الذي تدفق بغزارة خاصة من الإمارات على الجانب الإسرائيلي، وهذا أثر بشكل كبير في سير القضية الفلسطينية وجعل الأمور وكأنه سيتم دفنها. الآن عادت قضية العرب المركزية وأيضا تحلق حولها الشارع العربي بشكل كبير جدا، وهذا سيبدل الأمور بشكل جذري مستقبلا”.

تل أبيب فقدت سلاح الدعاية

كما يشير رفعت إلى إنجاز جديد حققه الفلسطينيون في الحرب الأخيرة، ويمثل “نقطة هامة جدا في قضية تبدّل مسارات الصراع العربي الإسرائيلي، فلأول مرة يسقط من يد تل أبيب أهم وأخطر أسلحتها وهو سلاح الدعاية. وخاصة أن إسرائيل تستدر عطف شعوب وبلدان العالم بالدعاية التي تمارسها منذ 73 سنة، ويقف وراء هذه الدعاية كثير من الدول، بل وتمول منذ عشرات السنين بمال عربي”.

ويضيف “هذه الدعاية التي تقدم السردية الإسرائيلية وهي أهم وأخطر سلاح بيد إسرائيل، لأول مرة تسقط بما رأيناه من تعاطف شعبي وعالمي مع القضية الفلسطينية وتغيرات في مواقف أعضاء الكونغرس الأمريكي وبرلمانات وساسة العالم. لمسنا هذا بشكل كبير جدا والفضل في هذا يعود لمواقع التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتويتر التي أوصلت الصورة الحقيقية ومظلومية فلسطين للعالم. هذا التغير في المسار وسقوط هذا السلاح من يد إسرائيل سيؤدي إلى ضغوط شعبية على الساسة على الغرب، سواء في أوروبا وأمريكا في السنوات القادمة، وهو ما سيبدل تماما وبشكل جذري مسار الصراع العربي الإسرائيلي، كما أسلفت”.

وحول تحرك الجنائية الدولية للتحقيق في الجرائم التي ترتكبها إسرائيل في الأراضي المحتلة، يقول رفعت “تأتي أهمية ملاحقة الجنائية الدولية للقادة الإسرائيليين الذين ارتكبوا جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب في إطار توثيق هذه الجرائم وجعل المسألة تأخذ شكلا رسميا، يعني كما أن جائزة نوبل تُمنح للسلام فتعطي الشخص موثوقية معينة في أنه أنجز عملا من شأنه خدمة السلام الدولي أو الإقليمي والمحلي، فإن الجنائية الدولية تُثبت على من تُلاحقه أنه ارتكب جرائم ضد الإنسانية، وهذا أمر هام جدا لكسر سلاح الدعاية والبروباغاندا الذي تستخدمه إسرائيل، فضلا عن تحقيق العدالة لضحايا هؤلاء المجرمين”.

ويضيف “المعهد الأوروبي للقانون الدولي الذي أرأسه يقوم الآن بعملية توثيق للجرائم الإسرائيلية وأرشفتها حتى يمكن إيصالها إلى مكتب المدعي العام في الجنائية الدولية، مشفوعة بطلب فتح تحقيق في هذه القضايا. ولسنا وحدنا من يطالب الجنائية الدولية بذلك، فهناك أيضا منظمات حقوقية دولية عديدة على رأسها هيومان رايتس ووتش وأمنستي (منظمة العفو الدولية) تطالب الجنائية الدولية بالإسراع في ملاحقة قادة إسرائيل لارتكابهم جرائم ضد الإنسانية”.

وكانت فاتو بنسودا، المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية، أكدت في وقت سابق أن الجنائية الدولية ستبدأ بالتحقيق مع مسؤولين إسرائيليين حاليين وسابقين بتهم تتعلق بارتكاب جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.