شريط الأخبار

جلعاد الألف يوم .. توجد خطوط حمراء .. يديعوت

11:07 - 23 تموز / مارس 2009

بقلم: ناحوم برنياع

ذات مرة قبل سنوات كثيرة، سأل يرون لندن أحد الرجالات الهامين بين شعراء اسرائيل، ممن كان انتقادهم للدولة حادا ولاذعا على ماذا ومتى سيوافق رغم ذلك الخروج في حرب من أجل الوطن. فكشر الشاعر الوسيم واجاب: "عندما تصل الدبابات السورية الى الضفة الشمالية من اليركون". بعد عدة سنوات اندلعت حرب الخليج الاولى. صواريخ صدام حسين وصلت الى ضفتي اليركون وشاعرنا كان أول احد الاوائل الذين فروا من تل أبيب.

هناك شعراء مثل حاييم غوري ويهودا عميحاي لم تمنعهم القصائد الرائعة التي كتبوها من حمل السلاح.  وهناك آخرون، تتلخص مساهمتهم للمجتمع الذي يعيشون فيه في قصائدهم. ولست أسعى الى أن اندد بالشاعر اياه بل الى الثناء عليه، لانه كان لديه خط أحمر. ربما ليس في الواقع، ولكن على الاقل في الكلام. خط احمر كان دبابة سورية على ضفة اليركون.

ما لا يمكن قوله عن قسم كبير من الاشخاص الذين رافقوا الحملة البائسة من أجل تحرير جلعاد شليت. لا اتحدث عن ابناء عائلته، هم لهم الحق الكامل، بل وربما الواجب، للمطالبة باعادة عزيزهم بكل ثمن. انا اتحدث عن العديد من الرجالات العامة، بينهم وزير دفاع قائم، ايهود باراك ووزيرا دفاع سابقان، فؤاد بن اليعيزر وشاؤول موفاز، اللذان اضافا وزنهما للمطلب الذي طرح من الخيمة في القدس.

ما هي خطوطهم الحمراء، أنا لا ادري. فلست واثقا من أنهم يدرون. فقد نزلوا من سياراتهم المحروسة، عانقوا العائلة، تفوهوا بكليشيه أو اثنين امام عدسات الكاميرات وعادوا الى عالمهم المحروس.

لو أنهم تفرغوا لان ينصتوا قليلا الى الاصوات حولهم لكانوا تعرفوا على شيء ما من الضرر الذي الحقته حملة شليت. كانوا سيسمعون تلاميذ عشية التجنيد يقولون انهم لن يذهبوا الى الجيش لان "الدولة تترك جنديا لمصيره". الكثير من الامور حصلت هنا في الـ 61 سنة على الدولة، ولكن رفض التجنيد برعاية وزراء دفاع لم يسبق أن كان.

هل الدولة تركت جلعاد شليت لمصيره. لا شك انه ارتكبت اخطاء في اثناء المفاوضات، ولكن اكثر المنتقدين حدة للقرارات لا يدعون بانه كان هناك ترك او اهمال. هذا الكذب، الذي كبر وانتفخ على خلفية فقدان الثقة العامة بالساحة السياسية هو تجاوز لخط احمر.

في العقد غير المكتوب بين الدولة وجنودها جاء أن الجندي يتعهد بتعريض حياته للخطر من اجلها وهي تتعهد الا تعرض حياته للخطر عبثا وان تفعل كل ما يمكنها فعله كي تنقذه من الاسر. لا يرد في العقد "بكل ثمن". شيء آخر لا يرد فيه: ان الجندي هو طفل، مخلوق عديم الوسيلة، حماية حياته هي غاية كل شيء، اهم من المهمة العسكرية، اهم من حياة المواطنين الذين يفترض به أن يحميهم. الدولة دوما سيئة. الجندي دوما ضحية. هذه مفاهيم جديدة، ثمرة سياقات غير صحية يجتازها المجتمع الاسرائيلي في السنوات الاخيرة. انها تجاوز لخط احمر.

نحن معتادون على ان نصف معاضل من هذا النوع بتعابير تبسيطية: جندي اختطف؛ الطرف الاخر يطرح مطالب؛ رئيس الوزراء يتخذ قرارا. ليس هكذا حصل في الماضي وليس هكذا في قضية شليت. هذا سياق. تغييرات سجلت في اثنائه في الجانبين، ولكن التغيير الاكبر سجل في الرأي العام في اسرائيل. من رفض مطلق وتوقع للخلاص من خلال عملية عسكرية انتقل الرأي العام بالتدريج الى استعداد لتنازلات مبالغ فيها. في مثل هذا الموضوع، القيمي والعاطفي، يمكن لرئيس الوزراء أن يؤثر على رأيه العام، بل وربما يسبقه، ولكنه لا يمكنه أن يعمل في تناقض تام مع مزاجه. الشارع لا يسيطر على الحكومة ولكن الحكومة ملزمة بان تنصت له. هذه هي خلاصة الديمقراطية. من يلعب بالراي العام العاب صورية يجتاز خطا أحمر.

المفاوضات على تحرير شليت ستستأنف في الايام القريبة القادمة. الازمة في المحادثات لم تضر بالضرورة: لحماس كانت فرصة لان تتعرف على نحو افضل على قيودها في التأثير على عملية اتخاذ القرارات في اسرائيل؛ وكان لاسرائيليين فرصة للتعرف على المعضلة التي تقف امامها حكومتهم.

لا يوجد في العالم مجتمع قادر على البقاء دون خطوط حمراء، وبالتأكيد ليس اسرائيل. خطوط حمراء ليست اراضٍ او اعداد سجناء، ولكنها الاستعداد للقتال من أجل وجود المجتمع ودفع الثمن اللازم، مهما كان عاليا. الخطوط الحمراء هي القدرة على الامتصاص: لشدة الاسف، ستكون هناك حروب اخرى ومخطوفون آخرون. محظور التصرف وكأن جلعاد شليت هو المخطوف الاخير.

انشر عبر