الشيخ رياض بدير .. صاحب المصحف والبندقية

فلسطين اليوم - غزة
الساعة 11:51 ص
07 ابريل 2021
أ.محمد حميد
أ.محمد حميد.jpg

لطالما زخرت مدينة طولكرم الواقعة شمال غربي الضفة الغربية وذات خط التماس الأقرب إلى قلب أراضينا المحتلة عام 1948 بمئات الشهداء وآلاف الأسرى والجرحى في سبيل الله دفاعاً عن فلسطين، تاريخٌ حافلٌ وطويل تملؤه سطور العمل الجهادي والمقاوم التي كتبت بدماء شهداء هذه المدينة، ومنهم الشيخ الشهيد القائد/ رياض بدير المولود في إحدى قرى هذه المحافظة والذي ترعرع فيها وتعلم في مدارسها وتخرج من أحد معاهدها وهو معهد الخضوري الذي كان إيذاناً لبدء مسيرة عظيمة لهذا الشيخ من التربية وتعليم الأجيال، حيث عمل في سلك التعليم فيها، ولم يمنعه ذلك عن المشاركة في كافة فعاليات الانتفاضة الأولى حيث شغل عضوية لجنة التنسيق الفصائل التي قادت العمل الوطني المقاوم على مستوى المحافظة.

وأمام هذا النشاط النضالي للشيخ/ بدير تعرض مثله مثل آلاف الكوادر الفلسطينية للاعتقال لدى سجون الاحتلال (أنصار2)، حيث كان من أوائل متجرعي مرارة الاعتقال الإداري، ولكن هذا الاعتقال لم يثنه عن ممارسة دوره الطبيعي –بعد الإفراج عنه- في التربية والبناء وإعداد كثيرٍ من الكوادر الشبابية وتوجيههم إلى العمل الوطني والإسلامي والجهادي، بل إن دور الشيخ/ بدير بدأ يأخذ منحىً جديداً في تنظيم عدد من الخلايا الشبابية العسكرية تمهيداً لمأسسة العمل الخاص في المحافظة الأمر الذي تسبب في اعتقاله للمرة الثانية وخضوعه لتحقيقٍ قاسٍ في زنازين الاحتلال والذي شهد تسجيله صموداً أسطورياً ، ليقرر الهالك رابين رئيس حكومة الاحتلال في حينه إبعاد الشيخ/ بدير وثلةً من كوادر الحركة الإسلامية من الجهاد الإسلامي وحماس إلى مرج الزهور جنوب لبنان عام 1992م.

وبعد عودته من المنفى عاد الشيخ/ بدير إلى سيرته الأولى في التربية وإعداد الشباب المسلم الذي يحمل عقيدة جهادية سليمة، فكان صاحب الكرامات الحركية في هذا المضمار، فقد استطاع في تربيته الجمع بين الشرط الذاتي في بناء الإنسان المؤمن وبين الشرط الموضوعي الباحث عن فلسطين كقضية مركزية للعرب والمسلمين كما أشار إلى هذين الشرطين الشهيد المعلم د. فتحي الشقاقي الأمين العام المؤسس.

ولأن مسيرة الجهاد التي انتهجها الشيخ/ بدير لم تَرُق إلى مسيرة التطبيع والتسوية التي تبنتها سلطة أوسلو، فبادرت إلى اعتقاله حيث مكث في سجن طولكرم المركزي فترة طويلة منذ بداية انتفاضة الأقصى، ليتعرض السجن لقصف من مقاتلات الاحتلال الحربي ويتسبب ذلك في إصابته جراء ذلك وتمكنه من الإفلات من قبضة السجان.

ولكن نهر الجهاد والدم لا يتوقف، ويتابع الشيخ/ بدير مشواره النضالي بعد ذلك في إنفاق ماله الشخصي وجمع التبرعات المحلية والخارجية لإعداد العدة وتجهيز الأسلحة، وكذلك تنظيم استعدادات المجاهدين للمواجهة القادمة مع قوات الاحتلال التي كانت عازمةً في ذلك الوقت على اجتياح عدة مناطق في الضفة الغربية، ليعلن المجرم شارون رئيس حكومة الاحتلال عام 2002م عملية السور الواقي التي بدأت بحصار محافظة جنين ومخيمها في نيسان من ذات العام، ولينهض الشيخ/ رياض بدير إلى ساحة القتال المحتدمة هناك حاملاً سلاحه ومنضماً إلى إخوانه المجاهدين في مخيم جنين الذين كانوا يعدون العدة ويسابقون الزمان لتجهيز المفاجآت لقوات الاحتلال، فكان مع الشهيد القائد الكبير/ محمود طوالبة قائد معركة جنين يداً بيد إلى جانب العشرات من المقاتلين الكبار من جميع فصائل العمل الوطني والإسلامي كالشهيد/ أبي جندل قائد كتائب شهداء الأقصى.

وعلى مدار أيامٍ عدة قاتل الشيخ الشهيد/ رياض بدير رفقة إخوانه المجاهدين حتى النهاية، في ظل لفيفٍ من الآليات العسكرية وزخامة الغارات الجوية لطائرات الاحتلال الحربية، حتى ارتقى منهم أكثر من خمسين شهيدٍ من رجال المقاومة ومن المدنيين العزل في معركة لا تزال قائمة في ذاكرة كل فلسطيني، إذ تمكن هؤلاء العظام –على قلة سلاحهم-من الإثخان في قوات الاحتلال وجنوده.

بالفعل لاطم الفلسطينيون في هذه المعركة المخرز، ونجح عشرات المقاتلون في مواجهة الجيش الأكثر تقدماً في المنطقة وصمدوا في عُباب المعركة قرابة الأسبوعين لم تتمكن فيهما قوات الاحتلال من الدخول إلى قلب المخيم، حتى صعدت جميع أرواق مجاهديها إلى السماء بعد نفاد رصاصهم، حيث شوهد جثمان الشيخ الشهيد/ رياض بدير مستلقياً في إحدى مفترقات المخيم إلى جانب قرآنٍ وبندقيةٍ آمن بهما ليلقى الله عليها، رحم الله الشهداء جميعاً وألحقنا بهم مقبلين غير مدبرين، ونسأله تعالى الحرية لأسرانا والشقاء العاجل للجرحى.