نحو نظرة مقاصدية معاصرة- ثقافة التبذير وفقه التدبير

فلسطين اليوم - غزة
الساعة 10:30 ص
22 مارس 2021
وليد حلس
وليد حلس.JPG

نحو نظرة مقاصدية معاصرة

ثقافة التبذير وفقه التدبير

الجزء الأول

 بقلم/ وليد حلس

بسم الله الرحمن الرحيم

(۞ يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ). صدق الله العظيم

 

الحكمة تقول: بأنه لا كثير مع التبذير، ولا قليل مع حسن التدبير، ولا عالَ من اقتصد، والاقتصاد نصف المعيشة، لقد قسّمَ العلماء قديماً الشريعة لثلاثة أقسام، الأول: الضروريات والتي لابد منها ولا يمكن الاستغناء عنها بضوابط، أما الثاني: الحاجيات نحتاجها لكن يمكن الاستغناء عنها، والثالث: التحسينات وهي جانب من جمال وتحسين الحياة للإنسان. وكذلك المجتمعات تنقسم لمجتمع منتج كالدول الراقية والمتطورة ومجتمع مستهلك كالمجتمعات التي تجيد الثقافة الإستهلاكية الغير تنموية كحالنا وحال الدول العربية التي تساهم بخمسة بالمائة فقط من الإنتاج العالمي، إن المجتمعات الناضجة تسعى للاعتدال في موضوع الشراء والاستهلاك والإنفاق لأن تخفيض الأسعار والبيع بالتقسيط وكثرة العروضات ظاهرة غربية لتحطيم القيم وإفلاس الجيوب فالاستهلاك إن زاد عن حده يصبح رذيلة، والتي أصبحت مرادفة للحرية والتطور والرقي في مجتمعاتنا، وهذا نوع من الجشع في التملك وحب الأنا ونوع من الجهل وعدم معرفة قيمة المال فمن أخذ البلاد بلا حرب هان عليه تسليمها، وخير الأمور النمط الأوسط؛ إليه يرجع الغالي وبه يلحق التالي وهذا لا يعني مقاطعة الإستهلاك بل إيجاد نظام غذائي معتدل، وكبح جماح الذات وترويض النفس على قمع نزعة الاستهلاك المفرط التي تفضي للكبر الذي هو بطر الحق وغمط الناس ونشر ثقافة الاعتدال بعيداً عن المفاهيم الدينية الخاطئة التي تعتبر الجوع والفقر والزهد كمصطلحات محمودة عند بعض الدوائر السلوكية والتصوفية وغيرها، وهذا خطأ كبير لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ منهما قائلاً: (اللهم إني اعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع، وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة)، ومقولة: لو كان الفقر رجلاً لقتلته، ومقولة: كاد الفقر أن يكون كفراً، وقوله تعالى: "قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق"، إذاً فالاستهلاك في الإسلام إذا تعدى حدوده يصبح مفسدة ورذيلة لا تحمد عقباها، وقد تفضي للوقوع في الحرام لا محالة، فالتوسع والمبالغة في الحلال بلا ضوابط مدخل للوقوع في ارتكاب المعصية والحرام، وفي عام الرمادة والجوع وفي ظروف معينة كان سيدنا عمر رضي الله عنه يقول لرجل اشترى لحماً حلالاً ليأكله ويطعم أبناءه: أكلما اشتهيت اشتريت كأنه كره ذلك .

 

ولا زال الاستهداف والغزو الفكري قائم، ولم يقتصر الصراع والتطاحن الحضاري بين الأمم على الهدف السياسي والعسكري والثقافي والفكري، بل تجاوز كل الحدود والسدود ليدخل في أدق تفاصيل الحياة المعيشية من مأكل وملبس ومسكن وغيرها، مما جعل العرب والمسلمين ضحية لمواكبة الموضة الغربية والتقليد الأعمى الذي ضرب في العمق معظم القيم والمفاهيم الإسلامية "حتى إذا دخلوا جحر ضب دخلتموه"، علاوة على نظرية الإفراغ لجيوب وعقول الناس وإفلاسها على سفاسف الأمور وتفاهاتها حتى وصل الحال ببعض الناس للإستدانة والاقتراض من البنوك الربوية من أجل المباهاة بالإسراف والمغالاة بالتبذير في كماليات وهوامش الحياة، والتي بالإمكان الاستغناء عنها وخاصة في الأفراح والأتراح وتحسينات الحياة الأخرى في ظل ظروف معيشية صعبة ومعقدة،

أيضاً على صعيد المنظمات والحكومات حدث ولاحرج بإجادة التفنن والإتقان في إهدار المال العام، والإسراف في البذخ والترف، والشكليات الفارغة، ناهيك عن الفساد المالي والإداري؛ الذي يستنزف المقدرات ويهدر الأموال والذي أصبح واضحاً ولا يخفى على أحد، حتى وصل الحال بالعرب مجتمعين بانفاق خمسة بالمئة من الدخل القومي على الأبحاث والدراسات العلمية والتطوير والنهضة والباقي على المأكل والمشرب والملبس، وأصبحنا لا نستطيع القيام بواجباتنا كاملة من شدة التخمة والسمنة، ومن ثم ننفق ماتبقى من أموالنا على التداوي وأطباء الريجيم وتخفيف الوزن بعد ذلك، فيما يذهب آلاف الاطنان من الطعام يومياً لنفايات القمامة، وفي المقابل هناك ملايين من البشر تتضور وتموت من شدة الجوع والمرض. منظمة الأغذية العالمية تقول في آخر تقرير لها: بأن مليار طن من الطعام سنوياً يوضع في نفايات القمامة، بالمقابل هناك مليار جائع حول العالم وصدق الشاعر القائل: تموت الأسد في الغابات جوعاً ولحم الضأن يرمى للكلاب.

لقد ذم القرآن الكريم المبذرين والمسرفين بقوله تعالى: "إن المبذرينَ كانوا إخوانَ الشياطين وكان الشيطانُ لربّهِ كَفوراً"، وبقوله تعالى: "إن الله لا يحب المسرفين"، وامتدح الاعتدال والتوسط بقوله تعالى: "وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداءَ على الناس"، والوسط ليست النقطة التي تنتصف المستقيم بل هو الاعتدال والتوسط والاتزان في جميع الأمور التي يمر بها الإنسان المسلم في هذه الحياة الدنيا الفانية، ولقوله تعالى: "ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً"، والحديث: "ما خُيّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا واختار أيسرهما وفي رواية أوسطهما مالم يكن إثما أو قطيعة رحم"، هذا من جانب ومن جانب آخر، فإن جمهور العلماء يقولون بالحجر على من يسرف ماله بسبب السفه أو العته، فكيف بمن يهدر ويسرف بالمال العام المؤتمن عليه، والمقدم عن طريق الدعم من دول معينة أو الصدقات أو زكاة الأموال أو تبرعات من أهل الخير؛ للغلابة والمساكين والفقراء وهذا من أخطر المهلكات التي تفتت وتنسف النسيج المجتمعي، حيث تتحول فيها القيم الثورية والوطنية والمجتمعية إلى جمع للثروة والثراء الفاحش والاكتساب الغير مشروع على حساب تضحيات ومعاناة ودماء الآخرين،  فبعد ما كان يعرف الثائر الحقيقي فيما مضى من رائحة عرقه المعبقة بالبارود والنار لكثرة وجوده في الخنادق، أصبح اليوم يعرف بأفخم أنواع الماركات العالمية لكثرة وجوده في الفنادق، والمواكب، وكثرة تجاراته وعقاراته، والسمسرة والمتاجرة بما تبقى من الأوطان ببطاقة vip ، وجواز السفر الأحمر بلا حسيب ولا رقيب على حساب الفقراء والضعفاء المطحونين والمبعثرين على الطرقات والأرصفة وبين الأزقة وخلف جدران الوطن المنكوب والمسلوب، وهذا باب كبير من أبواب المفسدة المطلقة التي تسببت بها السلطة المطلقة بلا محاسبة أو رقابة؛ فالمبالغة في التبذير والإسراف وإهدار المال العام معصية وكبيرة تستحق العقاب في الدنيا والاخرة إن لم يتم الإقلاع والتوبة عنها قبل فوات الأوان ولأنها باب من أبواب الذرائع والتي يجب أن تغلق وتسد في وجه كل من تسول له نفسه المريضة والشيطانية من التلاعب والعبث بمقدرات وخيرات الأمة، لغياب المعرفة بفقه الأولويات والتدبير ولحرمة ذلك وعدم جوازه شرعاً، وعدم وجود حسيب يسأل من أين لك هذا؟، وغياب الوازع الديني الداخلي الذي يحاسب النفس كما في الحديث: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته".

 "وقفوهم إنهم مسؤلون" .

لقد استعمَل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً على جمع الصدقات، فلما جاء حاسبه، قال: هذا مالكم، وهذا هدية! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فهلا جلست في بيت أبيك وأمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقاً! ثم قال: والله لا يأخذ أحد منكم شيئاً بغير حقه إلا لقي الله يحمله يوم القيامة، وهذا رجل دخل النار بشملة غلَّ بها، قال تعالى: "ومن يغلل يأتي بما غلّ يوم القيامة"، وهذا واعظ الخلفاء والأمراء في مواسم الحج أبو عبد الرحمن عبدالله العمري ينادي على هارون الرشيد بين الصفا والمروة ليعظه قائلاً له: إن من يسرف بماله يحجر عليه، فكيف بمن يسرف بأموال المسلمين يا خليفة المسلمين؟؟ حتى أغمي عليه، ثم أفاق الخليفة قائلاً: يا عم هات الثانية أي موعظة ....يتبع