هل ستجري الانتخابات؟ بقلم: أكرم عطا الله

فلسطين اليوم - غزة
الساعة 10:51 ص
31 يناير 2021
أكرم عطا الله

 هو سؤال منطقي وسط حالة اللامنطق التي سيطرت على المشهد الفلسطيني، في العقد ونصف العقد الأخيرين، لشعب يخوض صراعاً دامياً على السلطة وهو تحت الاحتلال، وقد حوّل هذا الصراع كل بنية المجتمع الاجتماعية والسياسية والقضائية إلى ركام لم ينجُ منه شيء، وهو السؤال الذي يسأله كثيرون: هل لشدة فرحتهم بالإيذان ببدء دوران عجلة الانتخابات هذا العام، أم لشدة تشاؤمهم الذي أنتجته قسوة الواقع لكن يتقاطع طرفا السؤال بوحدة الشك؟

الطريق نحو الانتخابات ليست مفروشة بالزهور ولا حتى بالنوايا الحسنة، ففي صراعات السلطة، خصوصاً في العالم العربي، لا نوايا حسنة، ولأن أصحاب تلك النوايا لا يصلحون للعمل السياسي، بل مفروشة بالألغام التي يكفي انفجار واحد منها لتدمير كل شيء. ولدى الفلسطينيين تجربة طويلة في تفجير الألغام، ليس فقط العسكرية، بل ألغام السياسة وألغام الوحدة الوطنية المزروعة في كل شارع وكل حوار، فالأمر هنا يتعلق بالسلطة والحكم، وبالتجربة العربية الدامية، ونحن امتداد لموروثها الثقافي.

حتى كتابة هذا المقال، لم توزع القاهرة دعوات للفصائل للحوار المنوي عقده منتصف الشهر، وقد تفعلها في أي لحظة. وربما أن التأخير يتعلق بحصولها على ضمانات حقيقية بالنجاح فلم تعد تريد فشلاً جديداً؛ إذ أصبح لديها تجربة طويلة معنا. ولأن الأمر ليس بتلك السهولة من حيث القضايا المنوي نقاشها، والتي ستحدد إن كان الأمر سيتم وفقاً لما يريده الفلسطينيون كشعب انتهى من الاحتفال بالمراسيم وبدأت لحظة العقل التي ترى حجم التعقيدات، وكيف يمكن فكفكتها والتغلب عليها.

وبالنسبة لقضية القدس ومشاركتها في الانتخابات، فالأمر يتعلق بالإسرائيلي الذي يضعه المرسوم الرئاسي أمام العالم. إذا ما رفض سيظهر عائقاً أمام الديمقراطية الفلسطينية والسماح للفلسطينيين بتجديد مؤسساتهم، وهو المطلب الدولي من السلطة، وإن كان في موافقة إسرائيل ما سيثير ريبة جديدة كما في انتخابات 2006. إذ إن موافقة شارون آنذاك كانت تستند لاستطلاعات تفوز فيها حركة حماس، وحينها سيدخل الفلسطينيون في حالة فوضى سياسية تقطع الطريق على أي مشروع سياسي يتعلق بحل الدولتين، وبضمنها كانت خطة الانسحاب من طرف واحد من غزة، كما قال فايسغلاس مستشار شارون، في مواجهة مبادرة جنيف، أي مبادرات تتعلق بحلّ الدولتين.

الأمر هنا يتعلق بالفلسطينيين أنفسهم، والذين كان لهم الدور الرئيسي في الفوضى والانقسام، بالإضافة للدور الإسرائيلي الذي جند سابقاً قوى إقليمية لهذا الهدف. لكن الفلسطينيين هم من أداروا كل هذا الخراب القائم بكفاءة نادرة، والآن يحاولون ترميم ما يستطيعون، لكن الأمر ليس بتلك السهولة؛ لأن ما تراكم خلال السنوات الماضية في طريق الوحدة يحتاج إلى بلدوزرات من الإرادة لتجريفه، وإلى سلالم طويلة لمن صعدوا على أعلى الشجرة، وبالنظر للواقع فإن الجميع بات معلّقاً هناك.

الحقيقة أن البعض يتساءل عن نزاهة الانتخابات، وثقة تلك الجهة بأمن الجهة الأخرى الذي سيحمي العملية الانتخابية، لكن ربما تكون تلك أسهل القضايا في ظل الرقابة الحزبية، والتجربة الفلسطينية نزيهة بهذا الخصوص، حيث الجميع يراقب كل الصناديق، والإحصائيات دقيقة. ويمكن أن نشهد لحركة فتح في انتخابات 2006 التي كانت تحكم كل شيء، ولكنها لم تفكر لحظة بأي عملية تزييف. المسألة صعبة لأن كل شيء مكشوف. ومن ناحية أخرى، إن ثقافة التزييف بعيدة عن أي انتخابات سواء في الأحزاب أو النقابات.

لكن القضايا الأبرز ومحل الخلاف أولها الجانب القضائي المتعلق بالمحكمة الدستورية، ومجموعة القرارات التي تتخذ قوة القانون التي تم اتخاذها مؤخراً وتشهد حالة احتجاج شديدة، ستكون مطروحة على طاولة الحوار. والقضية الأخرى والتي لن تتنازل عنها «فتح» هذه المرة، هي سلاح حركة حماس، والتي فازت بالأغلبية قبل أربعة عشر عاماً، لكن اليوم لا تعطيها الاستطلاعات ووفقاً لقانون الانتخاب الجديد بالتمثيل النسبي الكامل أقل من النصف، إذ إن ما مكنها من الحصول على النسبة الأكبر في الانتخابات الماضية هو القانون القديم بالمناصفة، أما الآن فليس هناك حزب قادر لوحده على تشكيل الحكومة. فإذا ما كانت حركة حماس خارج الحكومة، كيف ستتعامل تلك الحكومة مع سلاح حزب خارجها، خاصة أن هذا السلاح لسوء حظه استخدم سابقاً لحسم خلافات داخلية وضد الشريك الوطني.

القضية التي لا تقل أهمية هي اندفاع حركة فتح للانتخابات بتعهد من حركة حماس بعدم منافستها للرئاسة، أي ضمان موقع الرئاسة لـ»فتح»، ولكن في الآونة الأخيرة يظهر أن هذا ليس مضموناً، وكان الأكثر صراحة في هذا الشأن الدكتور محمود الزهار، الذي طالب في حوار على قناة الغد، الأسبوع الماضي بـ»تجديد الرئاسة». والمسألة الثانية أن حركة فتح باتت تشهد أجنحة وليست موحدة في الدخول للانتخابات، وهو ما أصبح حديث الإعلام الإسرائيلي كما كتب يوني بن مناحيم، وكذلك محدثاً بعض المخاوف لدى دول إقليمية باتت تخشى أن هذا التشتت قد يفقد «فتح» السيطرة على النظام السياسي الفلسطيني لصالح حركة حماس، ولكن ما تأثير ذلك على انتخابات الرئاسة؟

بالتأكيد هذا سيضعف من حظوظ الحركة التي ربما سينافسها على المنصب أحد أبنائها، وإذا ما دعمت حركة حماس شخصية مقربة منها قد يهدد ذلك حظوظها، وهذه تهديدات جدية لا أظن أن حركة فتح التي عمدت إلى تجاهل الأزمات خلال السنوات الماضية يمكن أن تتجاهل تقديراً بهذا المستوى من الخطر. وإذا كان الأمر كذلك فهل يمكن أن تبقى بنفس الاندفاعة في حوار القاهرة وتقدم ما يكفي من المرونة لإنجاحه؟

وأمام مرونة حركة حماس بالسلاح ومرونة حركة فتح بالرئاسة، فلا «حماس» مستعدة للتنازل عن السلاح، ولا «فتح» مستعدة للتنازل عن الرئاسة، فكيف سيكون حوار القاهرة في ظل قنبلتين بهذا الحجم؟ وهل يمكن تقليل الفجوة بين الجانبين في الملفين الذين يعتبران حياة أو موتاً لكل منهما؟ حوار القاهرة هو الفيصل، وبغض النظر عن الحديث المتفائل الذي تبديه الأطراف فإن الجميع يدرك وطأة المسألة. ننتظر حوار منتصف الشهر، وحين يخرج الدخان الأبيض من مدخنة الحوار المقدس سنبدأ بشد الأحزمة نحو الانتخابات، أما قبلها سيبقى عنوان المقال سؤال اللحظة التي يفرضه الواقع والتجربة..!!