شريط الأخبار

آفاق المصالحة الفلسطينية ..بقلم: مؤمن بسيسو

03:57 - 12 تشرين ثاني / مارس 2009


بات الأكثر رجحانا أن الحوار الفلسطيني – الفلسطيني الذي تجتمع لجانه الخمس في القاهرة هذه الأيام، سوف يفضي إلى تفاهمات وصيغ توافقية تسمح بإعلان إنهاء الانقسام الوطني، وفتح صفحة جديدة –نسبيا- في العلاقات الفلسطينية الداخلية.

 

ومع ذلك فإن أحدا يجب ألا يساوره شك بشأن حقيقة ثقل وصعوبة وسخونة الملفات التي تناقشها هذه اللجان، والتي عُهد إليها العمل على تفكيك القضايا المطروحة وعُقدها المستحكمة ومحاصرة إشكالياتها الجمّة التي شطرت الكيان السياسي الفلسطيني، وشرّعت كل الموبقات والمحرّمات الوطنية، وطعنت القضية الفلسطينية في العمق والصميم.

 

ولئن بدا أن مؤشرات التوافق أكثر حظا فإن احتمالات الفشل تبقى تخيم على أجواء الحوار في ظل قضايا بالغة التشابك والتعقيد لا يعزف مقطوعاتها الفلسطينيون وحدهم بقدر ما تتراقص على أنغامها التدخلات الإقليمية والدولية.

 

بواعث النجاح والاتفاق..

تبدو فرص نجاح الحوار الراهن جيدة إلى حد ما، بل يمكن القول إن حركتي: "فتح" و"حماس" قد توجهتا للقاهرة متسلحتين بإرادة تستهدف التوافق والاتفاق من زاوية نظر كل منهما للقضايا المطروحة، وإنْ كان اتفاقا ذو سقف متدنٍّ ومعالجات جزئية لا ترقى إلى مستوى الطموح المنشود أو المعالجة الشاملة.

 

وبالإمكان رصد العديد من الإشارات والأسباب التي تضع الحوارات الجارية في خانة النجاح النسبي، وتوفر لقاطرة الوفاق الوطني الفلسطيني الحد الأدنى من بواعث الحياة والاستمرار:

 

أولا: انزياح الفيتو الأمريكي والأوروبي:

لا شك أن الفيتو الأمريكي والصدود الأوروبي شكل أحد أهم الأسباب التي قادت إلى تفجير حكومة الوحدة الوطنية التي جاءت نتاجا لاتفاق مكة عام 2007م، فقد قوطع وزراء "حماس"، وبقي الحصار السياسي مضروبا على الحكومة وحركتها السياسية وفعالياتها الدبلوماسية دون أي تغيير.

 

ولم تقف الأمور عند حدّها السياسي، بل إن الحصار السياسي –آنذاك- ترافق مع جملة إجراءات أمنية مكثفة تولاها الجنرال كيث دايتون المنسق الأمني الأمريكي لإعادة تأهيل الأجهزة الأمنية الفلسطينية، وتوظيفها في إطار تدجين "حماس" سياسيا عبر ضرب أو تحجيم قوتها العسكرية، فكان "الحسم العسكري" في غزة، وكان ما كان.

 

اليوم، وفي أعقاب الحرب على غزة، والفشل الإسرائيلي في القضاء على "حماس" عسكريا عقب فشل الحصار السياسي والاقتصادي، وبعد تولي أوباما مقاليد الرئاسة في الولايات المتحدة، باتت السياسة الأمريكية أكثر تقبلا لحكومة فلسطينية ذات ائتلاف فصائلي مهني تشارك فيه "حماس"، وأكثر استعدادا للتعاطي معها ورفع بعض المعوقات السياسية من طريقها رغم التصريحات المتشددة التي صدرت عن وزيرة الخارجية الأمريكية مؤخرا.

 

أما الموقف الأوروبي، الذي تتفاوت حدود وسقوف دوله إزاء "حماس" صعودا وهبوطا، فيتقدم درجات على نظيره الأمريكي، ويبدي اليوم حماسة واضحة لمدّ جسور التعاون الإيجابي مع حكومة وحدة وطنية فلسطينية، ويتأهب للعب دور مؤثر إبان المرحلة المقبلة.

 

ثانيا: ثقل التحديات التي تواجهها "حماس":

لم يكن في وارد حسابات "حماس" أن كلفة استمرارها في الحكم سوف ترتفع كثيرا، وأن ثمن بقاء الانقسام سوف يكون باهظا، فما واجهته "حماس" من تحديات ما قبل الحرب على غزة لا يقارن –بحال- بالتحديات التي تتربص بالحركة خلال الأشهر المقبلة.

 

لقد أضافت الحرب تحديات جديدة، وراكمت أعباء ضخمة لا تستطيع "حماس" بمفردها أن تتجاوزها وتحتوي آثارها وتداعياتها، فكان لا بدّ من جنوح الحركة نحو إعادة صياغة الرؤى والمواقف، وإعادة بلورة الأولويات والاتجاهات بشكل مسؤول بما يدفع باتجاه القفز عن التحديات الخطيرة التي تهدد الوضع الفلسطيني برمته، ويخفف من وطأة المعاناة الهائلة التي خلقت في عقر ديار الفلسطينيين أشكال بؤس جديدة بالغة البشاعة، وديار تهجير وتشرد جديدة فوق التصور.

 

اجتماعيا، تدرك "حماس" أن نكبة جديدة قد حلت بأهالي غزة، وأن مستوى الخراب والدمار الذي حاق بالبيوت والمنازل والمنشآت والبنية التحتية لم يكن يخطر لها على بال، وأن الاشتراطات الدولية التي تقف في وجه إعادة الإعمار، وتنتظر تشكيل حكومة وحدة وطنية جديدة لإعطاء إشارة البدء والانطلاق، لا تتيح لها خيارات أخرى.

 

ويوما إثر آخر يبدو جليا أن الشرخ الاجتماعي الذي أحدثته جولات وصولات الاقتتال الداخلي التي انتهت بسيطرة "حماس" على غزة، وما أعقبها من مناوشات وممارسات، قد بلغ درجة مخيفة من العمق والإيغال في الحقد والكره الأعمى، وأضحت معالجته جذريا أحد أهم الضرورات الوطنية والاستحقاقات المجتمعية لتضميد الجروح وتنقية النفوس وصيانة المجتمع من غلواء الثأر وجموح العنف المرتد في قادم الأيام.

 

سياسيا، باتت "حماس" اليوم أكثر قناعة بأن الاستمرار سياسيا بالشكل والصيغة الراهنة لن يمكّنها من اختراق الحصار، وإجبار العالم على الاعتراف بشرعيتها السياسية، وأن الاختراقات الحاصلة في بعض المواقف الأوروبية، واتساع ثغرة المطالبات لجهة الحوار معها، لم تترك آثارها السياسية المرجوّة، أو تفلح في الدفع باتجاه رفع الحصار السياسي والاقتصادي المضروب عليها.

 

ولعل المرونة السياسية الواسعة التي تبديها "حماس" إزاء قبولها تشكيل حكومة وحدة وطنية، تجسد بوضوح إدراك الحركة لآليات التعاطي مع البيئة الإقليمية والدولية، وعقم التحدي الصارخ للسياسة الدولية، لجهة اجتراح رؤى ومواقف أكثر نضوجا وتوازنا ودبلوماسية تساعدها على تحقيق أكبر قدر من المواربة والالتفاف على ألغام وعوائق السياسة الدولية، انتظارا لتحسن شروط الظروف والمناخات في مراحل قادمة.

 

عسكريا، توقن "حماس" أن الحرب لم تضع أوزارها بعد، وأن احتمال تجدّد الحرب على غزة ليس ببعيد خلال الأشهر المقبلة إثر فشل إسرائيل في تحقيق معظم أهدافها العسكرية، وأن أي تقديرات بشأن الروادع المحتملة لأي تفكير إسرائيلي في هذا الاتجاه يجب ألا يحجب عنها سيناريو تكرار المحرقة في ظل صمت وتواطؤ، عربي ودولي، غير مسبوق، ووسط أجواء مكفهرة يهيمن عليها الفكر اليميني المتطرف الحاكم داخل إسرائيل.

 

ثالثا: سقوط رهانات "فتح":

راهنت حركة "فتح" كثيرا على العديد من أوراق القوة ووسائل الضغط لإنهاء ما تسميه انقلاب "حماس"، وأبدت كثيرا من الصبر والاحتمال عقب سيطرة "حماس" على غزة شهر يونيو 2007 في انتظار لحظة العودة والتشفي من غريمتها اللدود التي سلبتها الهيمنة والنفوذ، وكرست في وجهها الكثير من المطبات والعوائق السياسية.

 

بداية، راهنت "فتح" على قلب المعادلة الداخلية من خلال سلسلة من الفعاليات الميدانية والاضطرابات الأمنية، ممثلة في المظاهرات والمسيرات المعارضة والمبادرة للصلاة في العراء، إلى جانب العديد من العمليات التفجيرية التي تم اكتشاف بعضها قبل أوان التنفيذ فيما تم تنفيذ البعض الآخر.

 

ورغم التحشيد الهائل والمحاولات المضنية في هذا الإطار إلا أن الحزم الميداني والأداء الأمني الصارم الذي ابتدرته حكومة "حماس" وأجهزتها الأمنية لم يدع لـ"فتح" أي هامش أو فرصة حقيقية للنجاح، أو المراهنة على أي شكل من أشكال التمرد الأمني والميداني.

 

ترافق ذلك مع آمال عريضة علقتها "فتح" على جدوى وفعالية الحصار السياسي والاقتصادي الذي تم فرضه على "حماس" وحكومتها وأهالي قطاع غزة بقسوة منقطعة النظير، وشاركت فيه "فتح" –من خلال موقعها السلطوي- بأشكال متعددة، بغية وأد تجربة "حماس" الوليدة في مهدها، والعمل على تأليب جماهير قطاع غزة، ودفعها لتغيير الوضع القائم والانقلاب عليه.

 

لكن ذلك أخفق في ثني "حماس" عن المضيّ في طريقها، والصمود في وجه الحصار المضروب، متوسلة باليسير من الدعم السياسي هنا وهناك، والاعتماد على بعض البدائل الاقتصادية المتاحة مثل الأنفاق وغيرها.

 

وأخيرا، لم يتبق في جعبة الرهانات سوى سهم التدخل العسكري الإسرائيلي الذي عوّلت عليه بعض أجنحة وتيارات "فتح" لضرب "حماس" واستعادة غزة، إذ شكلت الحرب على غزة نقطة فاصلة بين مرحلتين، وجاءت نتائجها صادمة لـ"فتح" ومخيبة لآمالها وتوقعاتها.

 

من هنا أيقنت "فتح" ألا سبيل إلى بلوغ غزة إلا عبر سبل الحوار والمصالحة لا غير.

 

صعوبات ومعوقات..

 في مقابل الاتجاه الإيجابي الدافع لتحقيق الاتفاق تنتصب صعوبات ومعوقات لا يمكن التقليل من شأنها، وقد تشكل، أو بعضها، سببا لانهيار الحوار وانسداد أفق المصالحة، وهي كالتالي:

• إصرار الإدارة الأمريكية وبعض الدول الأوروبية على تبني حكومة الوحدة المنوي تشكيلها لمبادئ اللجنة الرباعية المعروفة.

•  إصرار الإدارة الأمريكية على تولي سلام فياض رئاسة الحكومة الجديدة كشرط للتعاطي معها.          

• استمرار أبو مازن في التماهي مع الاشتراطات السياسية المقيدة للبرنامج السياسي لحكومة الوحدة، وتشدده في ضرورة التزام الحكومة ببرنامج منظمة التحرير، والتعاطي مع هذه القضية استراتيجيا لا تكتيكيا.

• عدم إبداء حركة "فتح" مرونة كافية بشأن ملفي: الأجهزة الأمنية ومنظمة التحرير، ورفض تحديد آليات وجداول زمنية بخصوصهما.

 

توافق بالحد الأدنى..

لعل من السذاجة بمكان أن يتسرب إلى قناعاتنا إمكان حدوث اختراقات جوهرية للملفات المطروحة، أو بسط حلول كاملة ومعالجات حاسمة لكافة القضايا، إذ أن ثقل وخطورة بعض الملفات، وخاصة ملفي: منظمة التحرير والأجهزة الأمنية، اللذين يتنازعهما رؤيتين متناقضتين لحركتي: حماس وفتح وحلفاءهما، وتتداخل فيهما مصالح وعوائق إقليمية ودولية، لا يترك أي هامش حقيقي للتفاؤل بشأن إنجاز حواري معتبر، ويقصر الأمر على توافق محسوب حول بعض القضايا لا أكثر.

 

ومن خلال قراءة موضوعية لخلفيات الرؤى والمواقف يمكن القول أن حوار القاهرة قد لا يخرج عن سيناريوهين اثنين:

 

السيناريو الأول: وهو الأكثر رجحانا، ويتمثل في قدرة المتحاورين على إرساء صياغات وتفاهمات تمثل قاسما مشتركا لدى الجميع، ومنها التوافق على تشكيل حكومة توافق وطني ترأسها شخصية مستقلة وتتألف من عناصر فصائلية غير صارخة وشخصيات مستقلة وفق برنامج سياسي مرن قد يكون ذات البرنامج المعتمد لدى حكومة الوحدة التي جاءت نتاجا لاتفاق مكة أو قريبا منه، وتكريس خطوات جدية لتنقية الأجواء الوطنية وبسط أشرعة المصالحة الوطنية على أجنحتها الاجتماعية والإعلامية، والاتفاق على تفعيل منظمة التحرير من خلال تنفيذ اتفاق القاهرة عام 2005، والتوافق على إعادة صياغة الأجهزة الأمنية على أساس مهني بعيدا عن الاستئثار الحزبي والفصائلي.

 

ما يمكن توقعه، بدقة، من نتائج لا يتعدى تشكيل الحكومة العتيدة، وتهدئة ميدانية متبادلة بين حركتي: "حماس" و"فتح"، يمكن إبصار آثارهما عن قريب، فيما ستبقى التفاهمات الخاصة بمنظمة التحرير والأجهزة الأمنية حبرا على ورق، أو لن يتجاوز حدود تطبيقها البنود والآليات الأولى على أفضل تقدير.

 

فلا يمكن تصور إقدام "حماس" على التنازل عن سيطرتها عن غزة دون مقابل، وأن ترضى بإخضاع الأجهزة الأمنية التابعة لحكومتها لإجراءات إعادة البناء والهيكلة والترتيب، فيما تبقى الأجهزة الأمنية في الضفة بعقيدتها الأمنية القائمة على التنسيق الأمني والعمل وفقا لخارطة الطريق دون أي مساس أو تغيير.

 

ولا يمكن –أيضا- تخيّل إمكان قبول "فتح" بإخضاع المنظمة لإجراءات تطوير حقيقية تطال هياكلها وبرنامجها السياسي، ما يعني عمليا سيطرة "حماس" عليها، وذهاب ريح "فتح" ونفوذها سياسيا ووطنيا.

 

من هنا لنا أن نتوقع ميلاد حكومة فلسطينية جديدة مطلع شهر إبريل القادم، تشكل مخرجا مناسبا لجميع الأطراف، وحلا ظرفيا لمأزق الانقسام الداخلي، وتعمد إلى ممارسة مهامها السياسية والإدارية المرتبطة بآليات التوافق الوطني، لكنها لن تجرؤ على فتح ملف الأجهزة الأمنية في الضفة، وهو ما سيطوي صفحة إصلاحها –أيضا- في غزة، ما يعني أن الانقسام قد ينتهي سياسيا وإعلاميا فيما سيبقى شاخصا على الصعيد العملي والمستوى الأمني دون معالجة انتظارا لميقات الانتخابات الرئاسية والتشريعية المنتظر التوافق عليه، وما تحمله من نتائج.

 

السيناريو الثاني: ويتمثل في فشل المتحاورين في الوصول إلى صيغ توفيقية وقواسم مشتركة.

 

ولا ريب فإن هذا السيناريو يحمل آثارا سلبية وتداعيات خطيرة على الوضع الداخلي وآفاق العلاقات المتبادلة بين "فتح" و"حماس" بشكل خاص، وعلى القضية الفلسطينية بشكل عام، ويفاقم أكثر وأكثر من معاناة أهالي قطاع غزة المكلوم، ويترك الساحة الفلسطينية، وخاصة في غزة، مرتعا خصبا للسياسة الإسرائيلية العدوانية وجرائمها البشعة، وخصوصا في ظل التهديدات المتواصلة باستئناف الحرب من جديد.

 

باختصار، فإن المتحاورين في القاهرة الآن على محكّ الولاء والانتماء وتغليب المصالح الوطنية الفلسطينية العليا عما سواها، ويخضعون لأدق اختبار مصيري على إيقاع التحديات الجسام التي تكاد تعصف بقضيتهم وكيانهم الوطني، فهل يطوي الانقسام صفحته القاتمة، ولو بحدود التوافق الدنيا، أم يعود الركب بخفي حنين؟! سؤال ستجيب عنه –حتما- الأيام القادمة.  

 

* كاتب صحفي فلسطيني يقيم في مدينة غزة.

 

انشر عبر