المقاومة مرآة الكرامة الوطنية

فلسطين اليوم - غزة
الساعة 02:33 م
17 يناير 2021
أ.محمد حميد
أ.محمد حميد.jpg

عضو المكتب السياسي لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين/ محمد حميد (أبو الحسن)

تعكف المقاومة الفلسطينية ليل نهارٍ على تطوير إمكاناتها العسكرية والمادية تحضيراً لصد أي اعتداءٍ صهيوني محتملٍ كجزءٍ من استراتيجية شاملة متبناةٍ من قبل المقاومة قائمةٍ على فكر رد العدوان عبر تكبيد العدو الأثمان، بحيث لا تكون أي جولةٍ عدوانية يقدم عليها نزهةً يحقق فيها بعض المكاسب ويلبي نشوته من الدم الفلسطيني، بل يكون عدوانه بوابةً يضطر فيها لدفع ثمنٍ حقيقي من إمكاناته البشرية ومقدراته المادية، وهذه الاستراتيجية هي مرحلة من مراحل كي الوعي للعدو الصهيوني الذي حقق نجاحاتٍ عسكرية كبيرة خلال عقودٍ سابقة على حساب الجيوش العربية كان أبرزها حربي العام 1948م والعام 1967م.

ولكن هذه الإنجازات العسكرية الصهيونية وهالة البربوغاندا التي رافقتها قد بدأت بالتآكل ابتداءً من حرب أكتوبر –تشرين الأول من العام 1973م التي قادها الجيشان العربيان المصري والسوري برفقة وحدات قتالية من جيوش عربية، ولعل بداية انحسار هذه الإنجازات التي تزامنت مع هذه الحرب راجعةٌ إلى عوامل عدة بدأت تطفو إلى السطح، والتي من أهمها صعود الفكرة الإسلامية التي غيبها معظم الساسة والقائمون على الشأن العربية والإسلامي منذ مطلع القرن العشرين، فبعد الهزيمتين والنكبتين عام 1948 وعام 1967 بدأت الأمة رحلة البحث عن ذاتها وهويتها الثقافية وبدأت تحولات عميقة داخل المجتمعات أدى إلى بعث ثقافة ذات علاقة وثيقة بالمقاومة من جديد، وسطع نجم ثقافة الجهاد والاستشهاد مرةً أخرى ضمن ظروف ذاتية وموضوعية تخص كل بلد، ونشأت على إثر ذلك تياراتٌ ثقافية تحارب التطبيع والمطبعين وأصبحت سياسة تبني القضية الفلسطينية ونبذ التطبيع جزءاً لا يتجزأ من الثقافة الشعبية أو بالأحرى جزءاً لا يتجزأ من ضمير الأمة العربية والإسلامية، حتى وإن خرج عنها الحكام أو ساروا على غير هداها، فإنهم يعلمون تمام العلم أنهم يحكمون شعوباً ترى ثقافتها في ضوء هذه المعايير حتى لو ساقوا جميع المبررات لسقطاتهم مثل المصالح العليا أو أغراض المن المن لاال

أمن القومي أو رفعهم من لائحة الإرهاب أو دواعي الانفتاح الاقتصادي أو غيرها لما فلحوا في تغيير هذه المعايير، بل إنهم يصبحون كل يوم وهم أكثر يقيناً أنهم فقدوا مصداقيتهم أمام شعوبهم وأن هذه الشعوب باتت تبصر حقيقة عملهم على أجنداتهم ومصالحهم الشخصية.

وفي فلسطين حققت المقاومة عديد الإنجازات العسكرية الميدانية ونجحت بشكلٍ كبير في خلق بيئة محلية حاضنة لفكرة المقاومة ومستعدة لتقديم التضحيات تلو التضحيات قُرْبةً إلى الله تعالى، ويمكن القول أن من أهم إنجازات المقاومة وثقافة المقاومة وجود هذه الحاضنة الشعبية التي أدت وتؤدي إلى تراكم الجهد وتعزيز قدرات المقاومة، وقد حاول العدو في مواجهاتٍ عديدة تشويش هذه الحاضنة والتشكيك في قدرات المقاومة على الأرض، وأنها إنما تهلك الحرث والنسل دون تحقيق مكاسب للشعب الفلسطيني، وبدأت عمليات الاغتيال المعنوي التي تستهدف رموز المقاومة، عبر مناشير تشهيرية تلقيها طائرات الاحتلال في الماضي، وحملات افتراضية على وسائل التواصل الاجتماعي في الحاضر، لكن ثقة حاضنة المقاومة بالمقاومة جعلت هذه الجهود تذهب أدراج الرياح، ما جعل الاحتلال ينظر إلى هذه الحاضنة كأحد أشرس أعدائه، فما فتئ يستهدف المدنيين والأطفال والنساء، فلا تكاد تخلو حرب أو جولة قتالية من استهدافٍ لأعيانٍ مدنية محمية في أفعالٍ قد ترقى إلى جرائم حرب وفقاً للقوانين المعنية. وفي السياق ذاته، ركز العدو على استهداف البيوت والأبراج السكنية التي سقط بعضها على رؤوس ساكنيها كجزءٍ من سياسة العقاب الجماعي التي تتبناها قوات الاحتلال للنيل من معنويات أهل المقاومة وحاضنتها، مستخدمةً طائراتها العسكرية المتفوقة في الميدان الجوي.

وبالتزامن مع الجهد المبذول الذي تقوم به المقاومة لتحشيد جميع الطاقات وتنويع الطرق والوسائل المختلفة لمباغتة العدو ومفاجئته خلال المواجهات المحتملة، يجتهد العدو في ذات سجال المعركة محاولاً إسقاط فردٍ أو أكثر من أفراد المقاومة أو من العاملين في مجالاتٍ قريبة منها، وهذه الظاهرة متوقعةٌ وهي جزءٌ من الحرب النفسية التي يعمل العدو على شنها طوال الوقت، وهي من ضمن توجهات استراتيجية العدو للتعرف على تطور المقاومة تفادياً لما قد تبتدعه المقاومة من مفاجئاتٍ خلال فترات التصعيد أو الحرب، وهي أيضاً جزءٌ من حربٍ تكنولوجية تجسسيّة كبيرة تترافق مع استخدام العناصر البشرية لجني ذات الأهداف بالمعركة.

وتبذل المقاومة وأمنها جهوداً كبيرة في سبيل تلافي هذه الظاهرة كاتباع آليات عمل تعتمد على الحد الأدنى من المعرفة بين صفوفها عبر تنظيم العمل وتقسيم الصفوف إلى وحدات صغيرة بحيث لا يؤثر أي خرقٍ سوى في إطار ضيق، بالإضافة إلى الجهد المبذول لتوعية المقاومين بخطورة الاستخفاف أو الاستهتار بما يملكونه من معلوماتٍ على الأرض واجتناب استخدام وسائل الاتصالات الحديثة التي يتفوق بها العدو، إلا أن اللافت من خلال ما تابعته على وسائل التواصل الاجتماعي بهجة البعض وشماتته بالمقاومة، من فلسطينيين وغير فلسطينيين، ورغم أن الاختلاف والتعدد  السياسي فيما بيننا مقبولٌ، إلا أن الحقد على مشروع المقاومة أمرٌ غير مقبول وغير مبررٍ، فالقدس وفلسطين التاريخية توحداننا، وكذلك المقاومة ومقارعة العدو توحدنا، ودماء الشهداء ومعاناة الأسرى والجرحى توحدنا، فلم يزل الجهاد لنا رافعاً، ولم تزل المقاومة لنا مميِّزاً، فلا يستوي من أنفق من قبل الفتح وقاتل، وسيبقى رداء العز باقياً لنا ما بقي رداء الجهاد، فما ترك قومٌ الجهاد إلا ذلوا.