الواقعية الانهزامية .. والواقعية الجهادية

فلسطين اليوم - غزة
الساعة 12:19 م
13 يناير 2021
خالد صادق
خالد صادق.jpg

خالد صادق

فرق كبير ان تبني مواقفك السياسية على قوتك الذاتية وقدراتك وامكانياتك العالية, وان تبنيها على متغيرات من حولك ربما تدفعك لاتخاذ مواقف خاطئة وانت تعلم اتنها خاطئة, لكنك تتخذها بحجة الواقعية, منطق الواقعية الذي يتبناه الرسميون العرب ولا نستثني منهم السلطة الفلسطينية اصبح مرادفا مرتبطا ارتباطا وثيقا "بالهزيمة" ومبررا واقعيا لها بحكم موازين القوى, فالواقعية الانهزامية هي التي دفعت السلطة الفلسطينية لتوقيع اتفاقية اوسلو المشؤومة, والواقعية الانهزامية هي التي دفعت عديد الدول العربية خاصة تلك المجاورة للأراضي الفلسطينية المحتلة لتوقيع اتفاقيات سلام مع "اسرائيل" على حساب الحقوق الفلسطينية, مثل اتفاقية كامب ديفيد واتفاقية وادي عربة, والواقعية هي التي دفعت العديد من الدول العربية وتحديدا الخليجية الى التطبيع مع "اسرائيل" بل والتحالف معها لمواجهة ما اسموه "بالخطر الايراني" الذي يهدد عروشهم وينذر بزوالها, ورأوا في التحالف مع "اسرائيل" بمثابة الحل الامثل للحفاظ على عروشهم وكراسيهم, والواقعية ايضا هي التي ادت للانقسام الفلسطيني للحفاظ على نهج المقاومة, وهى نفسها التي تتخذ قرار انهاء الانقسام الفلسطيني واقرار المصالحة لترتيب البيت الداخلي ومواجهة التحديات بعد تبني الادارة الامريكية " لصفقة القرن" ومخطط الضم الاستعماري واعتبار القدس عاصمة موحدة "لإسرائيل" واسقاط حل الدولتين.

الواقعية كلمة يتبناها "المهزومين" و"المستسلمين" ونفر من "المثقفين والساسة" الذين يقولون انهم يفكرون بعقولهم وليس بعواطفهم, وبالتالي هم برون في "اسرائيل" قوة عالمية كبيرة لا يمكن هزيمتها, وجيش "اسرائيل" لا يقهر, ولا يمكن مقارنة ترسانة الاسلحة الاسرائيلية مع أي ترسانة عسكرية عربية او اسلامية في المنطقة, والتفكير العقلاني حسب رأيهم يتطلب عدم المخاطرة والبقاء بعيدا عن دوائر الاشتباك مع الاحتلال, وللأسف هذه الواقعية بات يؤمن بها بعض قادة العمل الوطني والاسلامي, وقد تزايدت قناعاتهم في ظل حالة الانتكاسة التي تتعرض لها القضية الفلسطينية بعد تخلي العرب عن دعمها, وتجرد العالم الاسلامي من ادنى التزاماته تجاه فلسطين وشعبها, وتخاذل المجتمع الدولي مع الاحتلال, والدعم الامريكي السياسي والعسكري الغير مسبوق "لإسرائيل", لكن كل هذا لا يمكن ان يكون مبررا لاحد بالتنازل عن الحقوق والثوابت الفلسطينية التي قدم مئات الالاف ارواحهم في سبيلها, فأين الواقعية مثلا تجاه المبادر العربية التي تتبناها السلطة الفلسطينية والتي فيها انكار لحقوق الشعب الفلسطيني, لقد اصبحت المبادرة العربية عبئا على المملكة العربية السعودية تسعى للتخلص منه بحجة الواقعية ايضا. واين هي الواقعية تجاه الانتخابات الداخلية الفلسطينية تحت حراب الاحتلال, والتي ستدفع للمزيد من الواقعية بتبني خيارات السلطة السلمية. 

الى اين اوصلتنا الواقعية الانهزامية, اليوم ونحن نتعامل معها نجد مواقفنا السياسية قد انحدرت تماما الى حد خطير وغير مسبوق, فالمصالحة التي تعني العمل تحت برنامج السلطة "الاستسلامي" في صراعها مع الاحتلال خطرها يبقى كبيرا, والانتخابات الرئاسية والتشريعية التي تدفعنا لتبني خيارات السلطة السياسية يبقى خطرها كبيرا ايضا, والمصلحة الفلسطينية التي تعني تحييد سلاح المقاومة وتهميشه يبقى خطرها اكبر, لذلك فان الواقعية لا يجب ان ترتبط بالانهزامية والتراجع عن الثوابت,  فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يساوم في بداية الدعوة الاسلامية, وانما قال لعمه "والله يا عماه لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على ان اترك هذا الامر ما تركته حتى يأذن لي ربي او اهلك دونه" وهو صلى الله عليه وسلم الذي حث المسلمين على الصبر والتحمل وهم يعذبون اشد العذاب على يد كفار قريش, فعن أبي عبد الله خباب بن الأرت رضى الله عنه قال: شكونا إلى رسول الله وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: قد كان مَن قبلكم يُؤخذ الرجل فيُحفر له في الأرض، فيُجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه، واللهِ ليتمنّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئبَ على غنمه، ولكنكم تستعجلون.

باختصار فان الواقعية لا تعني "الانهزامية" انما تغليب المصالح والقدرة على الاستمرار, والحفاظ على النهج, دون المساس بالثوابت او المساومة عليها او مهادنة الاحتلال, يجب استبدال "الواقعية الانهزامية" "بالواقعية الجهادية" فحالة الاشتباك مع الاحتلال يجب ان تبقى مستمرة وفق الواقعية التي نفهمها, والتي تقوم على قاعدة المقاومة والجهاد "فما ترك قوم الجهاد الا ذلوا".