ميدل إيست آي: إسرائيل وتداعيات الربيع العربي الذي تحول إلى شتاء

فلسطين اليوم - غزة
الساعة 06:32 م
01 يناير 2021
وقفة لفصائل المقاومة الفلسطينية في غزة رفضًا للتطبيع العربي

لماذا تشعر إسرائيل بالفرح لهزيمة الربيع العربي؟ لأنها لم تكن راضية عن موجة الديمقراطية التي اجتاحت العالم العربي في ذلك الوقت وكانت ستنافسها في موقع “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”، ولهذا وجدت كما تقول ليلي غاليلي بمقال نشره موقع “ميدل إيست آي” في لندن في الثورات المضادة وقادتها أصدقاء جددا.

وقالت إن الطريقة الوحيدة لوصف نتائج الربيع العربي بأنها “تداعيات غير مقصودة”. فبعد عشرة أعوام على نهاية تظاهرات الربيع العربي التي أطاحت بأربعة أنظمة عربية يتفق المحللون الإسرائيليون أن كانون الأول/ديسمبر 2020 هو النتيجة الطبيعية لأحداث كانون الأول/ديسمبر 2010. وربما اختلفوا في تقييمهم وتفسيرهم للتطورات تلك لكنهم وبالعودة للوراء يرون أن بداية العقد الماضي كانت بداية عمليات التطبيع بين دول عربية وإسرائيل.

 

يتفق محللون إسرائيليون أن مصطلح الربيع العربي الذي نحته الغرب ليس أمرا واقعا ولا تزال أسبابه وتياراته التي دفعت لاندلاعه موجودة ويمكن أن تنفجر في المستقبل

 

ويتفقون أن مصطلح الربيع العربي الذي نحته الغرب ليس أمرا واقعا ولا تزال أسبابه وتياراته التي دفعت لاندلاعه موجودة ويمكن أن تنفجر في المستقبل. وكان الرد الإسرائيلي على تلك الأحداث مرتبكا ومتشوشا منذ البداية.

وانقسم الرأي العام بين اعتقدوا أن الربيع العربي سيئ لوضع إسرائيل وبين من قالوا إنه تطور جيد يخدم الدولة العبرية. ولم يتوقف النقاش حول التظاهرات والانتفاضات ولكن حول المصطلح نفسه الذي استبدله البعض بـ “الشتاء العربي” أو بالمصطلح العبري الذي استخدمته الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية “تلتلة” (هزة) أو “الوباء المصري” مما يعكس التشوش العميق والسخرية. وإذا كان الخطاب الإسرائيلي يعبر عن الحيرة والتصريحات المتناقضة فمواقف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تعكس سياسة مرتبكة. فرئيس الوزراء الذي طالما مارس في كتبه دور الواعظ وأن غياب الديمقراطية في العالم العربي هو أكبر عقبة للسلام في الشرق الأوسط، تجنب أي ملمح ديمقراطي في الربيع العربي. وفي خطاب ألقاه في الكنيست في 23 تشرين الثاني/نوفمبر 2011 ساخرا من الذين تعاملوا بإيجابية مع الأحداث قال: “الشرق الأوسط ليس مكانا للسذج”. وهذا بخلاف تصريحاته الدولية التي تبنى فيها موقفا لينا مثل قوله: “إسرائيل هي ديمقراطية تشجع وتروج لقيم الحرية والديمقراطية في الشرق الأوسط. والترويج لهذه القيم سيخدم السلام”.

وفي ورقة نشرها المركز الإسرائيلي للسياسة الخارجية الإقليمية (ميتفيم) في كانون الثاني/يناير 2013 ذكر المحلل ليئور ليهرز عن “مصدر حكومي في القدس” قوله إن “نتنياهو شعر بحاجته لتضييق الفجوة بينه والمجتمع الدولي”. وأضاف ليئور أن “رئيس الوزراء كزعيم الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط يفهم أنه لا يستطيع تجنب النقد الدولي لحسني مبارك ولهذا قام هذه المرة بالتصدي لموضوع ترويج الديمقراطية في المنطقة”. لكن هذا الزعيم لهذه الدولة التي تصف نفسها خطأ بأنها “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط” صادق بعد ذلك التصريح عددا من الأنظمة الديكتاتورية بالمنطقة. وكانت الرابطة بين الربيع العربي وتطبيع العلاقات بين إسرائيل مع الإمارات العربية المتحدة والبحرين والسودان والمغرب ودول أخرى محتملة الموضوع الرئيسي في مؤتمر نظمه مركز بيغن- سادات للدراسات الإستراتيجية (بيسا) بجامعة بار إيلان.

وقال المعلق الإسرائيلي المعروف إيهود يعاري في تصريحات للموقع: “يعتبر الربيع العربي شهادة وفاة للقومية العربية كما نعرفها في المشرق وولادة لأنظمة ديكتاتورية جديدة”، وأضاف: “إن انهيار عواصم مركزية مثل القاهرة ودمشق حفز الدول العربية الهامشية للقيام بترتيب الميدان. وانتقلت العاصمة إلى الإمارات العربية المتحدة، وهي دولة حديثة رغم حجمها المتواضع. وهذا بعد تاريخي لن يتغير في المستقبل القريب ولعبة جديدة في الشرق الأوسط”. وفي مداخلته بمؤتمر معهد بيغن- سادات في 23 كانون الأول/ديسمبر أخبر يعاري الحاضرين بأن “السيناريو الكابوس” لإسرائيل هو الانهيار “الداخلي” لمصر. وفي تصريحاته لموقع “ميدل إيست آي” قال إن التنافس التركي- الإيراني على الهيمنة في العالم العربي دفع الدول العربية الصغيرة للبحث عن شراكات جديدة برعاية الولايات المتحدة. وقال إن تباهي نتنياهو بضم الضفة الغربية منح ولي العهد في أبو ظبي محمد بن زايد فرصة للتطبيع. وقال: “لن يفعلوها من أجل إمدادات أف-35 وهدفهم هو الحصول على نوع من الميثاق العسكري- الأمني. وستتبعهم دول أخرى وحتى قطر فلن تبقى طويلا لو انضمت السعودية. وستنضم دول إسلامية أخرى مثل النيجر ومالي”. وقال إن “الربيع العربي هو صرخة من يصفهم أصدقائي العرب: العاجزين واليائسين والعاطلين عن العمل. ولم يكن عجلة لتغيير الأنظمة، لكن عددا من الدول التي شهدت الربيع العربي موجودة فقط على الخارطة”.

وبناء على هذا السيناريو ستصبح إسرائيل جزءا لا يتجزأ من المنطقة وستنضم إلى “منبر البحر الأحمر” المبادرة السعودية الجديدة التي يتم نقاشها.

ويرى مناحيم كلاين، الباحث السياسي والمستشار لفريق المفاوضات الإسرائيلي في 2000 و2003، أن كل عمليات التطبيع جاءت نتاجا للربيع العربي و”تحلل” الجامعة العربية. وقد وحدت هذه الجامعة الدول العربية ضد إسرائيل لكنها بدأت تتقاتل فيما بينها بعد اندلاع الربيع العربي. وفي ظل التكتلات الجديدة أصبحت إسرائيل عاملا آخر في النسيج الدقيق من التحالفات والتنافسات في العالم العربي. وقال إن “إسرائيل دمجت في النسيج العربي ليس من خلال اتفاقيات التطبيع هذه ولكن لأنها أصبحت لاعبا ناشطا في المتاهة المعقدة من مصالح دول الشرق الأوسط”. وأضاف: “قبل مدة طويلة حلم شيمون بيريس بأن تكون إسرائيل عضوا في الجامعة العربية ولكن ما لم يتخيله منطقة محطمة لا جامعة فيها بشكل عملي”. وكلاين يعي تعقيد هذا الواقع. فالميزة هي قبول إسرائيل كحقيقة مع أن الظروف التي أنشئت فيها لا تزال غير شرعية في عين الكثيرين.

أما الجانب السلبي، فهو أن إسرائيل تظل في عين الكثيرين ذراعا للولايات المتحدة، ويمكن استخدامها للحماية والتسليح وكذا كطريق إلى واشنطن. ورغم اتفاق كل من يعاري وكلاين على تأثير الربيع العربي على القضية الفلسطينية إلا أن ما توصلا إليه مختلف. ويرى يعاري: “أعتقد أن التطبيع الذي نبع من الربيع العربي سيضع ضوابط أكثر على الحكومة الإسرائيلية، حتى الجناح اليميني الأكثر تطرفا فيها، لا ضم ولا بناء في مناطق إي 1 المثيرة للجدل. وستخسر إسرائيل الكثير”. أما بالنسبة “للفلسطينيين فقد اكتشفوا أنه لم يعد لديهم أحد يعتمدون عليه وبالتالي عليهم تغيير المسار”. إلا أن كلاين يختلف في نظرته فأهم تداعيات خطيرة لعقد غير الشرق الأوسط كانت القضية الفلسطينية. وقال: “نظرا لأن الوطنية الفلسطينية لم تعد شأنا عربيا وتخلى العرب عن الفلسطينيين وفي الواقع هم تحت ضم فعلي، ولهذا تحولت الوطنية الفلسطينية إلى قضية محلية إسرائيلية”. و”هي شأن يتعلق بالسياسة المحلية لا السياسة الخارجية. وتطور كهذا يمكن أن يجعل الوضع صعبا في غياب قوة خارجية تقود إلى حل. وأي انفجار في داخل المناطق يمكن أن يقود الآن إلى الفوضى”. ويعرف كلاين عن خطة إسرائيلية للتعامل مع أي انفجار، فبحسب هذه الخطة التي أعدت بعناية على مدى السنوات الماضية، فستسيطر إسرائيل على الضفة الغربية وتقسمها إلى شرائح مثل “نابلس الكبرى”، “جنين الكبرى” وغير ذلك. وستكون كل منطقة تحت حاكم عسكري. وقال كلاين إن القيادة المركزية الإسرائيلية تدربت على تطبيق الخطة.

وهذه أكثر من خطة سيطرة بل من أجل تفكيك السلطة الحاكمة، السلطة الوطنية، وبالتالي سحق الوطنية الفلسطينية. وعلى خلاف يعاري، يعتقد كلاين أن “الهزة” التي تجاوزت المناطق المحتلة قبل 10 أعوام ستصل قريبا.