مستقبل النظام العربي في ظل تعاقب موجات التطبيع مع إسرائيل

فلسطين اليوم - غزة
الساعة 12:39 م
20 ديسمبر 2020
حسن نافعة

بقلم : د. حسن نافعة

 مجلة شؤون فلسطينية ــــ العدد (281) ـــ خريف/ 2020

(أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة)

يتسم النظام العربي بخصوصية تميزه عن بَقية النُظُم الإقليمية أو الفَرعية في العالم، فهو ليس مجرد مجموعة من الدول المتجاورة جُغرافِيّاً، وإنما يَتكوّن أَيضاً مِن شُعوب تَرتبِط بروابط تاريخية وثقافية عميقة، وتنتمي إلى أمة عربية تتطلع لأن تشكل يوماً دولتها الموحدة. غير أن هذا الطابع «القومي» للنظام العربي لا يعني بالضرورة أنه أكثر النظم الإقليمية تماسكاً أو قُدرةً على مواجهة التحديات، وقد يكون في حد ذاته مصدراً للعديد من الإشكاليات، خاصةً إذا كان نظاماً استبداديّاً تُديره حكومات غير منتخبة وتعتمد في بقائها على رضا ودعم قوى خارجية بأكثر مما تعتمد على رضا ودعم شعوبها في الداخل، فكثيراً ما يؤدي هذا الطابع غير الديمقراطي إلى ظهور هوة تفصل بين تطلعات الشعوب العربية ومواقف حكوماتها، قد تضيق أو تتسع حسب تغيّر الظُروف والأحَوال.

وقد شكلت القضية الفلسطينية أحد المحركات الأساسية لتفاعلات النظام العربي، بمستوييه الرسمي والشعبي. ولأن هذه القضية تتعرض منذ فترة ليست بالقصيرة للتهميش والتآكل، بل وأصبحت مهددة بالتصفية بعد الإعلان – رسميّاً - عن «صفقة ترامب»، يتوقع أن تكون لتلك التحولات تأثيرات بعيدة المدى على بنية النظام العربي نفسه. وسوف تحاول هذه الورقة رصد وتحليل تلك التحولات واستشراف تأثيراتها المحتملة على مستقبل النظام العربي، وذلك من خلال رصد وتحليل التحولات التي طرأت على الإستراتيجية العربية في إدارة الصراع مع المشروع الصهيوني. وقد مرت هذه الإستراتيجية بثلاث مراحل مختلفة يمكن تحديدها على النحو التالي:

الأولى: مرحلة الاشتباك والمواجهة: بدأت مع تأسيس جامعة الدول العربية عام 1945، وامتدت حتى نهاية حرب تشرين أول (أكتوبر) عام 1973.

الثانية: مرحلة البحث عن تسوية سلمية: بدأت مع زيارة السادات للقدس عام 1977، وامتدت حتى قمة بيروت عام 2002، التي تبنت بالإجماع «المبادرة العربية للتسوية».

الثالثة: مرحلة الخضوع والاستسلام: بدأت مع إعلان إدارة ترامب رسميّاً ما أطلقت عليها «صفقة القرن» عام 2019، ولا تزال مستمرة حتى الآن.

أولاً: مرحلة الاشتباك والمواجهة

بدأ العالم العربي في التنبه إلى حقيقة ما كان يجري على الأرض الفلسطينية بعد اندلاع الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936، ورغم تَنامي الوَعي العَرَبي بِخطورة ما كان يمثله المشروع الصهيوني من تهديد لمصالح ومستقبل العالم العربي؛ إلا أنّ هذا الوَعي لم يكن كافياً لبلورة رؤية أو إستراتيجية واضحة ومتماسكة لكيفية مواجهة هذا المشروع، ثم اكتفى النظام العربي بممارسة سياسة رد الفعل، ولم ينجح قط في أخذ زمام المبادرة والفعل. وهكذا، تعين الانتظار حتى تأسيس جامعة الدول العربية قبل أن يبدأ التفكير في سبل تقديم دعم ملموس لنضال الشعب الفلسطيني الثائر والرافض لمحاولات التهويد التي تجري على أرضه. فقد أفرد ميثاق الجامعة العربية ملحقاً خاصّاً بفلسطين، وسمح لممثل عن فلسطين بالمشاركة في كافة أنشطة الجامعة، مع التمتع – في الوقت نفسه - بحق التصويت على مشروعات القرارات المتعلقة بالقضية الفلسطينية، التي راحت تفرض نفسها بقوة على جدول أعمال الجامعة العربية إلى حد الدعوة إلى عقد قمة عربية خاصة لمناقشتها (قمة أنشاص عام 1946)، وهي أول قمة تعقد في تاريخ الجامعة. وقد اتخذت هذه القمة مجموعة من القرارات، كان أهمها:

١- تأكيد التزام الدول الأعضاء في الجامعة بمساعدة الشعب الفلسطيني على نيل استقلاله كاملاً، وإعلان دولته المستقلة على كامل ترابه الوطني.

٢- التعامل مع فلسطين باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من الوطن العربي الأكبر، ومع القضية الفلسطينية باعتبارها قضية «قومية» تخص الشعوب العربية كلها وليس الشعب الفلسطيني وحده.

٣- التعامل مع الحركة الصهيونية باعتبارها حركة معادية ومصدر تهديد لجميع البلاد العربية والإسلامية، وليس لفلسطين وحدها، الأمر الذي يتطلب اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لمواجهتها.

٤- الدعوة إلى وقف الهجرة اليهودية إلى فلسطين وإلى حماية الممتلكات الفلسطينية.

٥- التعامل مع أي سياسة أميركية أو بريطانية عدائية تجاه فلسطين باعتبارها سياسة عدوانية موجهة ضد كافة الدول العربية.

٦- الدفاع عن كيان فلسطين إذا تعرض للاعتداء.

٧- مساعدة عرب فلسطين ليس فقط بالمال وإنما بالسلاح إذا تطلب الأمر.

لا شك أنّ هذه القرارات وفّرَت أساساً قانونيّاً استندَت إليه الدّول العربية لإعلان رفضها لمشروع تقسيم فلسطين، الذي تبنته الجَمعية العامة لأمم المتحدة عام 1947، إضافة إلى استعدادها لخوض المواجهة العسكرية إن فرضت عليها، وذلك ما حدث فعلاً عقب إعلان ديفيد بن غوريون(1) قيام الدولة الإسرائيلية في 14 أيار (مايو) 1948.

لم تكن حرب 1948 هي الحرب الوحيدة التي خاضتها الدول العربية، فرادى أو جماعات، في مواجهة إسرائيل خلال تلك المرحلة، وإنما لحقت بها حروب أخرى كثيرة اندلعت أعوام 1956 و1967 و1973، بالإضافة إلى حرب الاستنزاف التي استمرّت لما يَقرُب من ثلاث سنوات متواصلة (1968 ــــ 1970)، وكانت لها نتائج بعيدة المدى، أغلبها سلبية. إذ انتهت حرب 48 بهزيمة عربية مكنت إسرائيل من توسيع الحدود المخصصة لها في مشروع التقسيم والسيطرة على حوالي 78% من فلسطين التاريخية، وانتهت حرب 67 بهزيمة عربية أكبر مكنت إسرائيل ليس فقط من استكمال احتلالها لكل فلسطين التاريخية، وإنما من احتال سيناء المصرية وهضبة الجولان السورية في الوقت نفسه. أما حربا 56 و73، فكانت لهما نتائج أفضل نسبيّاً أو أقل مأساوية، فانتصرت مصر سياسيّاً في حرب 56 وخرجت منها أقوى مما كانت عليه قبلها، لكنها اضطرت في الوقت نفسه لتقديم تنازل جوهري يقضي بالسماح للسفن الإسرائيلية بالمرور عبر خليج العقبة، وبمرابطة قوات تابعة لأمم المتحدة في منطقة شرم الشيخ. وقد أبلت الجيوش العربية بلاءً حسناً في حرب 73، غير أنّ ما تحقق من إنجاز عسكري لم يكن كافياً لتحرير الأرض العربية المحتلة في 67 أو قبلها. وإن دل ذلك على شيء، فإنما يدل على غياب رؤية عربية موحدة في تلك المرحلة لكيفية إدارة الصراع مع إسرائيل سلماً أو حرباً، فباستثناء حرب 48، لم يدخل العالم العربي أي حرب جماعية أخرى في مواجهة إسرائيل. ومع ذلك، فإن تعدد هذه الحروب عكس في الوقت نفسه روح التحدي وإصرار العالم العربي على عدم الرضوخ أو الاستسلام لمطالب المشروع الصهيوني والحرص على مواصلة الاشتباك معه إلى أن تلحق به هزيمة كاملة، أو يجبر على التوصل إلى تسوية عادلة.

ورغم أوجه القصور الواضحة في طريقة إدارة النظام العربي للصراع العربي الإسرائيلي، ظل متماسكاً إلى حد كبير خلال تلك المرحلة التي امتدت لما يقرب من ثلث قرن، فلم تجرؤ أي من الدول العربية على أن تخرج عن إجماع عربي تعامل مع القضية الفلسطينية كقضية قومية، وظلّت كافة الدول الأعضاء في الجامعة العربية ملتزمة بقرار كان مجلس جامعة الدول العربية قد اتخذه عام 1950، ينص على أنه: «لا يجوز لأي دولة من دول الجامعة العربية أن تتفاوض في عقد صلح منفرد، أو أي اتفاق سياسي أو اقتصادي أو عسكري مع إسرائيل، أو أن تعقد فعلاً مثل هذا الصلح أو الاتفاق. وإنّ الدولة التي تقدم على ذلك تعتبر فوراً منفصلة عن الجامعة العربية طبقاً للمادة 18 من ميثاقه.

ثانياً: مرحلة البحث عن تسوية سياسية

كان يفترض أو يتوقع أن تشكل نتائج حرب 1973، التي شهدت ذروة التضامن العربي على المستويين السياسي والعسكري، نقطة ارتكاز لبلورة رؤية عربية مشتركة لإدارة جديدة أكثر فاعلية للصراع مع إسرائيل، غير أن ما حدث - وهنا تكمن المفارقة - كان هو العكس تماماً، فقد اعتقد السّادات أن إسرائيل أصبحت - خاصةً بَعد الخسائر الكبيرة التي مُنيت بها في الحرب - جاهزة ومستعدة لتسوية سلمية شاملة تستجيب للحد الأدنى للحقوق العربية المشروعة، أي تلك التي تكفل انسحابها من كل الأراضي العربية التي احتلتها في 1967، وتضمن إقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية وعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم. لكن بدلاً مِن البَحث عن آلية عربية جماعية تنطلق وفق هذه الرؤية، قرّرَ السادات منفرداً زيارة القدس لإلقاء خطاب في الكنيست، وذهب إلى حد إبرام معاهدة سام منفردة مع إسرائيل تصور أنها يمكن أن تشكل خطوة أولى تشجع إسرائيل على المضي قدماً نحو تسوية شاملة للصراع العربي الإسرائيلي. غير أن إسرائيل تعاملت مع مبادرة السادات باعتبارها تعبيراً عن حالة ضعف أو يأس، وراحت تدير الصراع بطريقة تسهم في تعميق الصراعات العربية وتساعد على عزل مصر عن عالمها العربي، بالعمل على إخراجها من معادلة الصراع العسكري مقابل إعادة سيناء منزوعة السلاح. وللأسف، فإن رد الفعل العربي على هذه الخطوة اتسم بالانفعال والعصبية، فقد قررت الدول العربية تجميد عضوية مصر في الجامعة العربية ونقل مقرها إلى تونس، كما قررت في الوقت نفسه تشكيل جبهة أطلق عليها «جبهة الصمود والتصدي»، اعتقد البعض أنها يمكن أن تُشكّل بديلاً جماعيّاً قادراً على تعويض الخسارة التي تسبب فيها خروج مصر من المعادلة العسكرية للصراع، غير أن هذه الجبهة ما لبثت أن انهارت عقب قرار الرئيس العراقي صدام حسن، شن الحرب على إيران. فقد أدت هذه الحرب إلى مزيد من الانقسامات العربية، جَسّدها ظهور محور عراقي خليجي مدعوم من مصر في مواجهة محور إيراني - سوري مدعوم من حزب الله وفصائل المقاومة الفلسطينية الرافضة للتطبيع مع إسرائيل.

وقَعَت الطّامة الكُبرى حن قرّرَ صدام غزو واحتال الكويت في آب (أغسطس) 1990، ما أدى إلى تشكيل تحالف عسكري دولي تقوده الولايات المتحدة الأميركية ومفوض من قبل مجلس الأمن بمهمة «تحرير الكويت». ولأن مصر وسوريا ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية شاركت في هذا التحالف، فقد ترتب على كسب هذه الحرب وهزيمة العراق خلط هائل في أوراق المنطقة أسفر عن انعقاد «مؤتمر مدريد للسلام» الذي مهد الطريق بدوره أمام انطلاق موجة ثانية للتطبيع العربي مع إسرائيل، من خلال إقدام كل من منظمة التحرير الفلسطينية والأردن على إبرام اتفاقيتي «أوسلو» (1993)، و«وادي عربة» (1994).

لم يشكل إبرام هاتين الاتفاقيتين أي اختراق حقيقي في «عملية السلام»، فقد أصرت إسرائيل على تأجيل قضايا الحل النهائي، خاصة قضايا القدس واللاجئين والمستوطنات والحدود والمياه.. إلخ، إلى ما بعد مرحلة انتقالية مدتها خمس سنوات، وتبينَّ من سلوكها اللاحق إبان تلك المرحلة أنها ليست جاهزة مطلقاً لتسوية تستجيب للحد الأدنى من الحقوق العربية، حيث راحت تكثف من وتيرة الاستيطان في الأراضي العربية المحتلة، ورفضَت الانسحاب إلى حدود 67 في المفاوضات التي كانت قد بدأت تجريها مع سوريا قبل رحيل الرئيس حافظ الأسد، وعندما اغتيل رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين، عام 1995، وبدأ اليمن الإسرائيلي يسيطر من جديد على الحياة السياسية في إسرائيل، تأكد بما لا يدع مجالاً للشك أن عملية التسوية برمتها دخلت مأزقاً لا فكاك منه، وهو المأزق الذي استحكم بعد انهيار مفاوضات كان قد دعا إليها الرئيس الأميركي بيل كلينتون؛ إذ عُقدت في كامب ديفيد نهاية عام 2000 قبيل انتهاء فترة ولايته الثانية، وشارك فيها كل من الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ورئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك.

غير أن موجة التطبيع الثانية بقيادة الأردن والسلطة الفلسطينية لم تؤدِّ إلى انهيار النظام العربي بالكامل أو استسلامه للشروط الإسرائيلية والأميركية للتسوية، وسرعان ما تبن أن هذا النظام ما زال يملك عناصر ومقومات قوة لا يستهان بها، خاصةً بعد اندلاع انتفاضات فلسطينية متتالية، أكدت بما لا يدع مجالاً للشك أن الشعب الفلسطيني لن يرضخ للإملاءات الإسرائيلية مهما بلغت التضحيات. وتمكنت المقاومة اللبنانية بقيادة حزب الله من تحقيق سلسلة من الانتصارات المتتالية أدت في النهاية إلى انسحاب إسرائيلي كامل وغير مشروط من جنوب لبنان. على هذه الخلفية، عملت دول عربية وازنة على التفكير في وسائل جديدة لإنقاذ عملية التسوية، بعد فشل قمة كامب ديفيد الثانية عام 2000. فبعد أحداث أيلول (سبتمبر) الإرهابية التي ضربت الولايات المتحدة الأميركية عام 2001، واتهمت شخصيات سعودية بالضلوع فيها، حاول الكاتب الأميركي اليهودي توماس فريدمان أن يوحي للمملكة العربية السعودية أن بإمكانها تخفيف الضغوط السياسية والإعلامية الواقعة عليها إن هي تقدمت بمبادرة لتسوية الصراع العربي الإسرائيلي. وهكذا ولدت المبادرة السعودية التي أكدت استعداد الدول العربية لتطبيع علاقاتها بإسرائيل في حال موافقة هذه الأخيرة على الانسحاب من كل الأراضي العربية المحتلة عام 67، وعلى إقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية في حدود 67، وعلى تنفيذ قرار الأمم المتحدة رقم 194 لسنة 1948 كأساس لتسوية مشكل اللاجئين الفلسطينيين، وهي ما عرفت فيما بعد باسم المبادرة العربية للسام بعد أن تبنتها القمة العربية التي انعقدت في بيروت عام 2002. ومرة أخرى، تعاملت إسرائيل مع هذه المبادرة بنفس الصلف التقليدي، وسعت لضرب وتفكيك محور المقاومة العربية، وردت على مبادرة السلام العربية بمحاصرة ياسر عرفات في المقاطعة تمهيداً لتصفيته لاحقاً، وقامت بشن حرب شاملة على لبنان عام 2006، وسلسلة من الحروب المتواصلة على قطاع غزة (2014 ـــ 2008).

بدت الدول العربية خلال تلك المرحلة جاهزة ومستعدة نفسيّاً وعمليّاً لتسوية سياسية شاملة مع إسرائيل. ورغم افتقاد النظام العربي إلى إستراتيجية موحدة لإدارة التسوية مع إسرائيل، إذ بدا متفرقاً ومنقسماً، إلا أنه كان متمتعاً بما يكفي من مقومات الصمود لرفض الإملاءات الإسرائيلية للتسوية. صحيح أن العديد من الدول العربية أقدمت خلال هذه المرحلة على فتح قنوات اتصال مع إسرائيل، إلا أن معاهدات السلام الرسمية مع إسرائيل ظلت قاصرة على «دول الطوق»، ولم تجرؤ أي من الدول العربية من خارج نطاق هذه الدائرة على إبرام معاهدة سام رسمية معها.

تعامل النظام العربي مع عملية التطبيع التي قامت بها دول الطوق، عبر موجتي التطبيع الأولى مع مصر، والثانية مع كل من منظمة التحرير الفلسطينية والأردن، باعتبارها «واقعاً أملته الضرورة»، ومن ثم لا يجوز للدول العربية الأخرى أن تحتذي به. وهكذا راح النظام العربي يتمسك بمبادرة قمة بيروت باعتبارها الأساس الوحيد المقبول لأي تسوية، ومن ثم لأي عملية تطبيع قادمة، غير أن ذلك لم يكن كافياً لتمكن النظام العربي من المحافظة على تماسكه في مواجهة إسرائيل.

ثالثاً: مرحلة الانهيار والاستسلام للشروط الأميركية الإسرائيلية أسهم عامان أكثر من غيرهما في إضعاف التماسك العربي في مواجهة إسرائيل:

الأول: فشل «ثورات الربيع العربي» التي انتهت باشتعال حروب أهلية في بعض الدول العربية، وبعودة الاستبداد بأقسى مما كان عليه في بعضها الآخر، وبتعميق الانقسامات بين المحاور العربية المتصارعة واشتعال الحروب البينية، وبفتح الباب واسعاً أمام الاختراق الخارجي للعالم العربي من مختلف الجبهات.

الثاني: وصول دونالد ترامب إلى السلطة في الولايات المتحدة الأميركية بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية التي جرت في تشرين الثاني (نوفمبر) 2016. فمنذ اللحظة الأولى لدخوله البيت الأبيض في كانون الثاني (يناير) 2017، أعلن أن لديه خطة لتسوية الصراع العربي الإسرائيلي أطلق عليها «صفقة القرن»، ثم تبين لاحقاً أنها ليست «صفقة» تبرم عبر التفاوض بين الأطراف المتنازعة، ولكنها أقرب إلى «عقد إذعان» يتبنى بالكامل وجهة نظر اليمن الإسرائيلي المتطرف، ومطلوب من الدول العربية أن تقبل به دون شروط.

أدى التفاعل بين هذين العاملين في النهاية إلى انهيار الدفاعات العربية في مواجهة إسرائيل، وانطلاق ما يمكن أن نطلق عليه «موجة التطبيع الثالثة» بين العرب وإسرائيل، وهي الموجة التي قادتها هذه المرة كل من الإمارات والبحرين. وتختلف هذه الموجة عن سابقتيها من زوايا عديدة: فهي تجري مع دول من خارج «الطوق العربي»، ولم تكن في حالة حرب معها في أي يوم من الأيام، وفي وقت يبدو فيه النظام العربي الرسمي في أسوأ حالاته، وتبدو مدفوعة بعوامل أخرى، ربما كان أهمها إقامة حلف عسكري في مواجهة إيران، وليس البحث عن تسوية تنهي حالة حرب قائمة أو حتى تشجيع إسرائيل على تبني مواقف أكثر مرونة تجاه القضية الفلسطينية. لذا، يتوقع أن تكون لهذه الموجة التطبيعية تداعيات أكثر حدة وخطورة على النظام العربي، وذلك على كافة الأصعدة السياسية والأمنية والاقتصادية والفكرية.

على الصعيد السياسي: تُشكّل هذه الموجة حالة من التمرد أو حتى التنمر الواضح على النظام العربي، وانتهاكاً صريحاً لمواثيقه ومبادراته، وفي مقدمتها مبادرة السلام العربية، وتأتي في وقت تعلن فيه إسرائيل صراحة ليس فقط رفضها لشروط التسوية العربية، وإنما إصرارها أيضاً على اعتبار «صفقة ترامب» هي الأساس الوحيد لأي تسوية مقبلة للقضية الفلسطينية. لذا، يتوقع أن تؤدي إلى مزيد من التعنت الإسرائيلي، وإلى تحييد القضية الفلسطينية كمحدد للعلاقات العربية الإسرائيلية، ومن ثم، يتوقع أن يشهد النظام العربي مزيداً من الانقسامات والانهيارات وانفراط عقده بصورة أكبر مما هو عليه الآن. وكان عجز مجلس الجامعة العربية الأخير عن إدانة واستنكار هذه الموجة من التطبيع، بعكس ما حدث عقب زيارة السادات للقدس، مؤشراً على حالة الإنهاك والتردي التي أصابت النظام العربي.

على الصعيد العسكري والأمني: يتوقع أن تؤدي موجة التطبيع الحالية إلى تغييرات جذرية في مفاهيم الأمن وفي الإستراتيجيات والتوازنات والتحالفات العسكرية في المنطقة. فهذه الموجة تعني أن دولاً عربية أصبحت تسلم بمقولة إن إيران ــــ وليس إسرائيل ــــ هي مصدر التهديد الرئيسي لأمنها الوطني، وإنها باتت مستعدة إلى حد الذهاب إلى تحالف عسكري مع إسرائيل من أجل مواجهة هذا الخطر، الأمر الذي من شأنه أن يقلب معادلة الأمن القومي العربي رأساً على عقب. فهذا التحالف يعني أن بعض الدول العربية المجاورة لإيران باتت مستعدة لمنح إسرائيل قواعد وتسهيلات أمنية ولوجستية تمكنها من مراقبة ما يجري في إيران مباشرة، بعد أن كان بوسع الأخيرة أن تطل بنفسها مباشرة على ما يجري داخل إسرائيل، وهو ما يشكل انقلاباً كاملاً للمعادلات العسكرية والأمنية والإستراتيجية التي سادت في المنطقة على مدى عقود. ولأن إيران سوف تجد في خطوة كهذه استفزازاً كبيراً لها، يتوقع أن تؤدي هذه الخطوة إلى مزيد من عدم الاستقرار في المنطقة. وحتى لو افترضنا أن من شأن هكذا خطوة تمكن الإمارات من الحصول على طائرات F35 الأميركية المتطورة، فا شك أنه سيكون بوسع إسرائيل الحصول على ثمن باهظ مقابل موافقتها على تمرير هذه الصفقة، وستظل حريصة على استمرار تفوقها العسكري على كل الجيوش العربية مجتمعة، حتى في حالة التطبيع الكامل لعلاقتها بجميع الدول العربية.

على الصعيد الاقتصادي: يتوقع أن تكون للموجة الحالية من التطبيع العربي مع إسرائيل تداعيات بالغة الخطورة على النظام الاقتصادي العربي ككل، وعلى الاقتصاد الخليجي بصفة خاصة. وتحاول الإمارات الإيحاء بأنّها دولة غنية لديها احتياطات كبيرة من النفط تمكنها من استمرار تراكم الفوائض المالية وتملك مجموعة من الشركات والمصارف التي تتمتع بكفاءة عالية وسمعة عالمية، وبالتالي عناصر قوة عديدة تجعلها منافسة على الصعيدين الإقليمي والعالمي، الأمر الذي يمكنها من الاستفادة من تطوير علاقاتها الاقتصادية والتجارية مع إسرائيل. لذا تبدو مصممة على المضُي قُدماً على هذا الطريق، غير عابئة حتى بما يمكن أن يلحق من ضرر بسبب هذا النهج بدول عربية حليفة، في مقدمتها مصر. غير أن هذه النغمة توحي بثقة مفرطة ولا تأخذ في اعتبارها العديد من سمات الخلل البنيوي في الاقتصاد الإماراتي الذي ما زال ريعيّاً في الأساس ويعتمد على تصدير النفط بأكثر مما يعتمد على إنتاج وتصدير السلع والخدمات. ولأن درجة التقدم العلمي والتكنولوجي في الإمارات ما زالت محدودة ولا يمكن مقارنتها بما حققته إسرائيل، يعتقد على نطاق واسع أن يصب أي تعاون اقتصادي بين الإمارات وإسرائيل لصالح الأخيرة، وليس العكس، لأن قدرة الاقتصاد الإسرائيلي على اختراق بنى وهياكل الاقتصاد الإماراتي تبدو أكبر بكثير من قدرة الاقتصاد الإماراتي على اختراق بنى وهياكل الاقتصاد الإسرائيلي.

على الصعيد الثقافي والفكري والأيديولوجي: مع هذه المعطيات، لابد أن الموجة الحالية من التطبيع مع إسرائيل تسبب تداعيات بالغة السلبية على النسق العقيدي للنظام العربي، بل وقد تضرب فكرة العروبة في الصميم، ومن ثم تفضي إلى تهميشها تماماً. فعندما يكون التطبيع مع دول عربية غنية بعيدة عن حدود إسرائيل ولم تشارك في أي من الحروب التي اندلعت في مواجهتها، وعندما يكون الهدف الأساسي من وراء هذا التطبيع إبرام تحالف عسكري في مواجهة إيران، يتوقع أن تكون له آثار ثقافية وفكرية وأيديولوجية بالغة الخطورة على النظام العربي،خاصة أن الأجهزة الإعلامية في الدول العربية المطبعة ستكون أكثر ميلاً للترويج لأفكار تتناقض تماماً مع الأفكار العروبية وتروج لأطروحات معادية للقضية الفلسطينية وللتضامن العربي.

الخلاصة

دخل النظام العربي الرسمي، في ظل موجة التطبيع الثالثة، مرحلة غير مسبوقة تهدد بتفككه وانهياره التام، وتدفع في اتجاه تحوله من نظام «قومي» إلى مجرد نظام «إقليمي» يتكون من دول متجاورة وغير متجانسة دينيّاً وعرقيّاً وطائفيّاً. لذا، فسيكون باستطاعة إسرائيل ــــ إن استمر هذا المنحى ــــ أن تلعب في هذا النظام الإقليمي، الذي يتحول تدريجيّاً إلى نظام «شرق أوسطي»، دور القائد أو ضابط الإيقاع بعد أن يفقد تماماً آخر ما تبقى من معالم هويته العربية أو القومية. فبعد أن فشل النظام العربي في العثور على صيغة وحدوية أو تكاملية تمكنه من النهوض وتجاوز واقع التخلف والتجزئة، ها هو يتخلى عن القضية الفلسطينية التي شكّلَت على الدَوام مِحور تَفاعلاته وإحدى أهم سِمات هويته العَربيّة. وما لم يتمكن الشعب الفلسطيني من إنهاء الانقسام وبناء حركة وطنية موحدة تتبنى رؤية إستراتيجية موحدة لمقاومة المشروع الصهيوني وتتمكن من إقامة جسور قوية مع الشعوب العربية، فسيواصل النظام العربي تفككه إلى أن ينهار ويندثر تماماً.