عريب الرنتاوي ـــ
(مدير مركز القدس للدراسات السياسية ــــ عمان)
ليس ثمة من «تطبيع جيد» وآخر سيئ، «تطبيع حال» وآخر «حرام». التطبيع مرذول في مختلف أشكاله وتجلياته، فكيف حن يتعدى حدوده المعروفة لدى بعض الحكومات والأنظمة، فيصبح «حلفاً إستراتيجيّاً»، وليس مجرد علاقات طبيعية بين دولتن طبيعيتين.
ونقول إن التطبيع «مرذول» بكل أشكاله وصوره، لأن إسرائيل في الأصل دولة غير طبيعية، ليس بفعل عوامل نشأتها التاريخية على أنقاض شعب ومجتمع وكيان فحسب، بل لأنها دولة «الاحتلال الأخير» على سطح الكوكب، ودولة «الاستيطان الاقتلاعي - الإحلالي»، ودولة «العنصرية والتمييز العنصري بامتياز» التطبيع مع كيان محمّل بكل هذه «الوصمات»، يبدو عماً «لا أخلاقيّاً»، فضاً عن كونه تقطيعاً لروابط الأخوة القومية والدينية مع شعب يكافح لأزيد من مئة عام، من أجل حريته واستقلاله، فكيف حن تتجاوز حكومات وأنظمة عربية حد «التطبيع» لإرساء دعائم «حلف إستراتيجي» متعدد المجالات والأغراض؟
فيضٌ من المبررات المتهافتة، تدفق على ألسنة الناطقين، الرسميين وغير الرسميين باسم دول التطبيع. بعضهم برّر «هرولته» نحو إسرائيل برغبته في «تفتيح قنوات خلفية» لدعم الشعب الفلسطيني، وبعضهم تَستّر بادعاء زائف لم يَصمِد لساعات بأنّه نجَحَ في عَرقَلة مَشروع ضَم مَناطق واسِعة من الضفة الغربية، والبعض الآخر ما زال عند زعمه بأن اتفاقاته مع إسرائيل لا تتعارض مع مبادرة السلام العربية، وتخدم «حل الدولتين».
وعندما اكتشف «القوم» أن بضاعتهم غير رائجة، وأن أحداً من شعوبهم وشعوب المنطقة، لن يشتريها، قلبوا ظهر المجنّ للفلسطينيين، وأخذوا يقذفون القيادة الفلسطينية باتهامات «العجز» و«الشلل» و«تبديد الفرص» و«ابتزاز العالم العربي» المثقل بأولويات أخرى ضاغطة. لم يعد لدى هؤلاء من سبيل لتبرير أفعالهم المرفوضة من قبل ما يقرب من 90% من الرأي العام العربي، وفقاً لمختلف الاستطلاعات، سوى تبني الرواية والرؤية الإسرائيليتين لتاريخ الصراع الفلسطيني– الإسرائيلي وسبل حله، فكانوا مثالاً للمهزوم الذي بات يكرر كالببغاء رواية المنتصر، وتلكم، بكل المقاييس، أبشع أنواع الهزائم وأكثرها «انسحاقاً لم يقف الأمر بهؤلاء عند هذا الحد، بل ذهبوا لتقديم «جردات حساب» بكل قرش قدموه للشعب الفلسطيني طوال سنوات وعقود، وهي بمجملها تقل كثيراً عمّا قدمته دولٌ أوروبية للسلطة الفلسطينية، «من دون منّة ولا مزايدة»، وفي المقابل، لم يترددوا في قذف الاتهامات في وجه منتقديهم من دول الإقليم، واتهامها بالمتاجرة و«الشعاراتية الرخيصة»، لكأنهم لم يتخلفوا يوماً عن ساحات المعارك والحروب التي خاضها الشعب الفلسطيني والأمة العربية من أجل فلسطين!
والحقيقة التي يجهد «المطبّعون العرب» في إنكارها أو إخفائها، هي أن أحداً منهم لم يفعل ما فعل، «كرمى لعيون» الشعب الفلسطيني، أو رغبة في شق طريق جديد لتمكينه من حقوقه، فكل من سلك هذا الطريق، إنما صدر عن مصالح وحسابات، تخص أصلاً النظم والسلالات الحاكمة، وليست من بينها مطلقاً، حسابات ومصالح تتعلق بفلسطين، قضيةً وشعباً وحقوقاً.
دوافع التطبيع ودلالات التوقيت
في دلالة التوقيت، لا يمكن الفصل بين موجة التطبيع المتسارعة الأخيرة من جهة والانتخابات الرئاسية الأميركية من جهة ثانية. الرئيس دونالد ترامب، وفي ذروة حملته الانتخابية المتعثرة، تحت وطأة «الجائحة» و«الركود الاقتصادي العالمي»، كان بأمس الحاجة «لانتصارات» في السياسة الخارجية، يعوض بها خسائره في الداخل، أو على الأقل، يصرف بها أنظار الناخبين عن أدائه المرتبك لملفات الداخل، وهو في الوقت ذاته، أدرك - وإن متأخراً - أن سياسته الخارجية سجلت فشاً ذريعاً في إدارة معظم، إن لم نقل جميع، الأزمات الدولية، من فنزويلا إلى كوريا الشمالية، ومن إيران إلى الشرق الأوسط، مروراً بالصين وروسيا.
عرفت إدارة ترامب كيف تضغط على عدد من الدول الضعيفة والأنظمة الهشة لابتزازها و «اعتصارها»، وكيف تلوّح بالعصا والجزرة في وجوه هؤلاء، ووجدت عدداً من الحكام الذين يريدون التعمية على صورهم كديكتاتورين وفاسدين ومشعلي حروب وفن، ومرتكبي جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في اليمن وليبيا، وقبلها في سوريا والعراق، والظهور بمظهر «صنّاع السلام وأبطاله». وعرفت كيف تضغط على السودان المنكوب بثلاثين عاماً من «حكم الجنرالات المتأسلمين»، بورقة العقوبات الدولية المفروضة عليه واندراجه في قائمة «الدول الراعية للإرهاب». وعرفت كيف تستغل حاجة كوسوفو للاعتراف بها دولة مستقلة، في وجه الجارة «الطامعة»، صربيا، فأدرجت تطبيع العلاقة مع إسرائيل و«نقل سفاراتها للقدس» في عِداد الشروط المسبقة لإنجاز التطبيع المتعثر في علاقة الدولة الصغيرة بجارتها الكبيرة.
لم تتردد واشنطن في انتهاج مختلف تكتيكات «الضغط » و«الابتزاز» لاستدراج هذه الدول إلى «مستنقع التطبيع». كانت تدرك أن قادة البحرين والإمارات والسعودية، يَخشون عَودة الديمقراطيين بزعامة جو بايدن للبيت الأبيض، فطلبت إليهم المسارعة لتقديم كُل عون متاح لحملة الجمهوريين بزعامة دونالد ترامب. فإن عاد الرجلُ للبيت الأبيض، يكونون قد قدّموا لَهُ الخِدمة التي طلبها، وإن هبّت الرياح بما تشتهي سفن الديمقراطيين، قدموا أنفسهم كأصدقاء وحُلفاء لإسرائيل، وتِلكُم «تذكرة عبور» إلى الطبقة السياسية الأميركية على اختلاف مؤسساتها وتلاوينها، تكفي لإبعاد شبح «حقوق الإنسان» و«ملف جرائم الحرب المشتعلة في اليمن» عن جدول أعمال علاقاتهم الثنائية مع الولايات المتحدة.
توقيت هذه الموجة المتهافتة، لم يخدم ترامب وحده، بل وفّرَ خِدمة جَليلة لبنيامين نتنياهو، الذي تنتظره المحاكمة في عدد من الجنايات الكفيلة بإنهاء مستقبله السياسي والشخصي، ويواجه غضباً متصاعداً من خصومه في الداخل، ولم تفلح «جائحة كورونا» وقيودها الصعبة، في الحد منه أو احتوائه. لقد وفروا لنتنياهو مادة دعائية لمواجهة خصومه، بعد أن وجدوا أنفسهم معه ومع سيد البيت الأبيض، في قارب واحد.
ليست لتطبيع هؤلاء صلة بالقضية الفلسطينية من أي نوع، فهم لم يخوضوا حرباً واحدة ضد إسرائيل ليبرموا ساماً معها، والإمارات والبحرين على وجه الخصوص، ليستا من «الدول المانحة» للسلطة الفلسطينية، أقله في السنوات العشر الأخيرة، وهما لا تحتفظان بأي ودّ ظاهر مع أي من الفصائل الفلسطينية، وتناصبان السلطة، كما حركة «حماس»، أشد العداء، بل ولا تتورعان عن التورط في مساعي «تخليق» قيادة فلسطينية بديلة ومطواعة. وهذا المسار، ليس وليد لحظته على أية حال، فهو سابق لإدارة ترامب وصفقة القرن، ولاحق لهما، كما تشير لذلك كافة الدلائل والشواهد.
إنهم يخشون «التمدد التركي والإيراني» في المنطقة، لملء الفراغ الناجم عن «غياب المشروع العربي»، الذي لعبت «الحقبة الخليجية» دوراً حاسماً في تهديم أركانه وتقويض حواضنه الكبرى، بيد أنهم لا يدركون أن واشنطن في طريقها للانكفاء عن المنطقة، وأن تركيا وإيران، هما القوتان الإقليميتان المؤهلتان لملء الفراغ الأميركي، وأن الأصل في بناء مشروع عربي قادر على مواجهة القوتين الإقليميتين، يمر حتماً من بوابة فلسطين، وفي مواجهة المشروع الصهيوني التوسعي.
يُخطِئ هؤلاء الحساب، إن هم ظنوا أن تل أبيب أو حتى واشنطن، بمقدورهما توفير الحماية لهذه الممالك الصغيرة، إن في مواجهة موجات الغضب الشعبي الداخلي، أو في مواجهة تهديدات الإقليم. الولايات المتحدة الأميركية لم تستطع حماية وجودها في العراق وأفغانستان، وهي في طريقها للانسحاب «مثخنة» بالخسائر الجسيمة في المال والأرواح، ومن باب أولى أنها لن تتورط في حروب جديدة، دفاعاً عن ممالك متهالكة. والولايات المتحدة لم تتمكن من توفير الإسناد لحلفائها في حربهم على اليمن، التي كان مقرراً لـ«عاصفة الحزم» حسمها في بضعة أسابيع، وإذ بها تكاد تكمل عامها السادس، من دون أن تحقق أيّاً من أهدافها. والولايات المتحدة من قبل، لم تتمكن من حماية حلفائها الكبار، عندما هبّت رياح «الربيع العربي» في عواصمهم، فعصفت بهم وسط تأييد ضمني وصمت متواطئ من قبل واشنطن.
وثمة بواعث أخرى، تحفز حكومات وأنظمة عربية لتجريب الوصول إلى «شبكة الأمان» الأميركية عبر بوابة التطبيع مع إسرائيل. جنرالات السودان، جيشاً و«جنجويد»، الأكثر تهافتاً للتطبيع مع إسرائيل، لا يريدون فقط شطب اسم بلادهم من لائحة «الدول الراعية للإرهاب»، ولا الحصول على «حفنة من الدولارات» التي نعرف أن السودان بأمس الحاجة إليها، بل إنهم يبحثون عن ضمانات لتجاوز «المرحلة الانتقالية» والتعدي على «الوثيقة الدستورية»، لإعادة إنتاج تجربة عمر حسن البشير من جديد، والبقاء في السلطة لسنين طوال مقبلة، تشجعهم على ذلك أنظمة عربية سالية وعسكرية أخرى، تقف الإمارات في صدارتها، ولذلك، لم تكن صدفة أن تلتئم آخر جولة تفاوضية أميركية– سودانية في أبو ظبي، وكان يمكن أن تتم في الخرطوم التي زارها مايك بومبيو، لكن واشنطن تريد إضافة الضغوط الإماراتية إلى «الابتزاز» الأميركي لدفع الخرطوم لتخطي ترددها وتثاقلها اللذين تمليهما معارضة الشعب السوداني وقواه الوطنية والمدنية للتطبيع.
وتجدر الإشارة إلى مصادر أخرى للقلق تدفع دولاً عربية للتفكير بتطبيع علاقاتها مع إسرائيل، وهو من أسفٍ، قلق مبعثه السلوك المغامر والمهيمن لبعض الدول حيال بعضها البعض. فسلطنة عمان، ومنذ سنوات عدة، تخشى ميول التوسع والهيمنة الإماراتية، وهذا يحفزها، من بين عوامل أخرى، لتسريع مسار التطبيع مع إسرائيل. و«قضية الصحراء الغربية» يجري اللعب بها كورقة لابتزاز طرفيها: المغرب والجزائر، فتُعرض حيناً كجزرة لهذا الفريق، وسيف مسلط على رقبة ذاك.. واشنطن، إرضاءً لتل أبيب، واستتباعاً لقاعدة ترامب الانتخابية الإنجيلية المتصهينة، لا تدخر وسيلة دون أن تستغلها لتسريع مسارات التطبيع وإصباغ الشرعية على دولة الاحتلال والعنصرية، وقد وجدت في بعض العرب، رديفاً لها لإنجاز هذه المهمة.
أين من هنا؟
تبدلت مواقف بعض الدول العربية المؤثرة في المرحلة الراهنة، فلم يعد يعنيها وجود «نظام عربي» حتى وإن كان مفككاً وعاجزاً كجامعة الدول العربية، ولم تعد تعنيها قضية الإجماع العربي كما في مبادرة قمة بيروت، وهي تفاخر اليوم بإسقاط شعار ساد دوائر العمل العربي المشترك لأزيد من ربع قرن تقريباً: «نقبل بما يقبل به الفلسطينيون»، اليوم يفقد هذا الشعار «صلاحيته» بالنسبة لهذه الدول، ولسان حالها يقول تصريحاً وتلميحاً: نقبل بمخرجات التوافق الأميركي – الإسرائيلي، و«صفقة القرن» هي أول غيث هذا التوافق.
أما القفزة التالية المحتملة والمرجحة، فتتجلى في انتقال هذه الدول للقبول بما تقبل به إسرائيل، ولِم لا، طالما أنها أخذت تتبنى السرديات الدعائية الإسرائيلية بكاملها، وتطلق سهامها الطائشة ضد الشعب الفلسطيني، وتنضم إلى جهود ترامب ونتنياهو الرامية لعزل القيادة الفلسطينية ومحاصرتها.
وعلّق مارتن إنديك على التصريحات الأخيرة للأمير بندر بن سلطان بالقول: إن السعودية وبعض الدول العربية، لم تعد تكتفي بإدارة ظهرها للقيادة الفلسطينية، بل وتعمل على «سحقها»، وهنا نضيف: توطئة لتصفية قضيتها الوطنية، ذلك أن «أوراق اعتماد» أي من هؤلاء لدى تل أبيب وواشنطن، لن تكتمل من دون أن يكون لهم إسهام جاد ونشط في «شرعنة» إسرائيل و«شيطنة» الشعب الفلسطيني.