شريط الأخبار

وقفة مع المقاومة في مؤتمر نصرتها ..علي عقلة عرسان

10:26 - 08 حزيران / مارس 2009

 

التقت في طهران وفود برلمانية وشخصيات روحية وثقافية وقانونية وإعلامية من معظم قارات الأرض، في مؤتمر تحت عنوان " دعم فلسطين رمز المقاومة، وغزة ضحية الإجرام"، عقد في يومي 4 و5 آذار مارس 2009 بدعوة من مجلس الشورى الإيراني. وعلى مدى أربعة وعشرين ساعة عمل كانت فلسطين هي العنوان، والمقاومة ضد الاحتلال الصهيوني هي محور الحديث والاهتمام والمواقف، وهي الخيار الشعبي المعتمَد والمبارك، ومركز البحث والتأييد، والقضية الأولى للحاضرين وما يمثلون من قوى وتنظيمات وقدرات.. ودعم غزة " رمز العزة والكرامة والمقاومة، والجرح النازف، والسجن البشري الكبير المحاصر بالهمجية الصهيونية التي تفوقت على النازية في جرائمها."، هو أكبر الأهداف. وكانت إدانة العدوان الصهيوني، والمطالبة بمحاكمة المجرمين الصهاينة، واعتبار الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية والتمييز العصري على كل لسان.

لا شك في أن التضامن الصادق يبلسم بعض جراح النفس والمجتمع، ويشحذ الهمم، ويزيد المقاومين صلابة وثباتاً على المبادئ، والمحاصرين صموداً وتعلقاً بالنصر، ويعلن موقفاً جماهيرياً له أبعاده وثقله.. ولكن الشهداء والجراح والمعاناة البشرية، والبيوت والمؤسسات المدمرة.. وجرائم الإبادة، والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها الصهاينة ضد الإنسان والعمران في المدينة البطلة.. لا يعوضها ولا يشفيها ولا يعيدها ولا يبلسمها الكلام، على ضرورته وأهميته، كما أن الكلام وإعادته واستعادته في ظروف ومواقيت مناسباتية أو شبه مناسباتية لا يؤسس لتعزيز المقاومة مادياً على الأرض، ولا يردع العدوان المتكرر والتهديد باستئنافه في كل وقت.. ولا يبدل الوضع المأساوي في غزة " السجن البشري الكبير المحاصر بالأعداء وأعوانهم"، ولا يصنع أرضية متينة لتحقيق هدف تحرير فلسطين، كل فلسطين، ودحر الصهيونية والإمبريالية الأميركية والغربية في المنطقة.

إن كل ما قيل في هذا المؤتمر، وما حمله بيانه الختامي من مواقف وقرارات وتوصيات وتوجهات جاءت في مقدمة وسبع وعشرين فقرة، هو غاية في الأهمية، ويعبر عن صحوة نضالية وفكرية ووجدانية، إسلامية وعالمية مبشرة بالكثير، ويفتح أفقاً واسعاً، ويغذي أملاً كبيراً.. ولكن علينا أن نتذكر أنه لا تنقصنا الأفكار والتوصيات والبلاغة بل ينقصنا العمل المؤسساتي الجاد المنسق المتكامل وفق أهداف واستراتيجيات واضحة ومتفق عليها، وحسب مناهج وبرامج وآليات عمل صحيحة ودقيقة وممكنة وواقعية، وينقصنا أيضاً توظيف الجهود والطاقات والكفاءات البشرية والإمكانيات المادية توظيفاً علمياً يتمركز حول نضال هادف نعززه بإيمان والتزام وإبداع وعقل علمي وتطبيق عملي، ومعرفة شاملة أو شبه شاملة بالمعطيات والمؤسسات والجهات الدولية الفاعلة من جهة، وبما يملكه ويقوم به العدو الصهيوني وحلفاؤه وصنائعه وأدواته من جهة أخرى.

لقد ذهب كثير من الكلام باتجاه توحيد الصف الفلسطيني والمصالحة الداخلية المرتقبة.. وهذا مطلب متفق عليه على كل المستويات، وتطالب به كل الأطراف المتصلة بالموضوع فلسطينياً وعربياً وإسلامياً ودولياً.. ولكن يبقى السؤال الأساس ما هو الهدف الرئيس الذي يتوحد خلفه الفلسطينيون؟ وهل خلافهم على سلطة ورئاسة ومراكز ومناصب أم على أمور أخرى جوهرية تتصل بالقضية والمستقبل؟

إن تصريحي محمود عباس في مؤتمره الصحفي مع سولانا بعد جلسة الحوار وبيان التوجه نحو عمل اللجان في القاهرة ورد خالد مشعل عليه.. يعيدنا إلى المربع الأساس للاتفاق والاختلاف.. أي إلى المنبع الرئيس لأس المشكلات.. إنه بإيجاز شديد: 

ـ خيار المقاومة والتحرير التام وفق مراحل وتوجهات تتخذ في البيت الفلسطيني الكبير "منظمة التحرير الوطني الفلسطيني" بعد إعادة بنائها وتطويرها، وفق ميثاقها الأصلي قبل التغيير والتعديل اللذين تما بحضور الرئيس كلنتون، ووفق الأهداف الرئيسة لذلك الميثاق..     

   أو..

ـ خيار أسلو وفروعها وأخواتها وما تؤسس له وما بُني عليها، وما تقرره أو تفرضه من التزامات وتنازلات ومفاوضات.. معروف تاريخها و معروفة خطواتها ونتائجها وما يمكن أن تقود إليه وتسفر عنه في نهاية المطاف.

إنني أومن بضرورة وحدة الصف الفلسطيني، وأهمية تنظيم البيت الفلسطيني ليكون للجميع.. ولكنني لا أرى أن حل الخلافات أو الصراعات الفرعية التي نشأت في أوسلو أو بسببها وتحت مظلتها، لا سيما ما يتصل من ذلك بالسلطة ومشتقاتها ومخرَجاتها، سيحل المشكلة، حتى لو توافقت فتح وحماس على أسلوب تداول السلطة أو ممارستها.. بل أرى أن الخلاف والصراع هما بين منهجين يستقطبان فصائل وشخصيات وتوجهات وجماهير فلسطينية، وتقف مع كل منهما أنظمة ودول وقوى رسمية وشعبية، وبتقديري أن الصراع والخلاف سوف يستمران بتغذية وتحريض داخلي يرتد إلى الدوائر المحيطة بالقضية، وخارجي ينفذ من الدوائر الخارجية المحيطة بالفضاء الفلسطيني إلى داخل ذلك الفضاء. ولا أميل إلى القول بأن التدخل الخارجي وحده يقسم الصف الفلسطيني إلى مقاوم ذي مواقف ومطالب جذرية ومفاوض ذي مطالب ومواقف براغماتية، على الرغم من الدور الكبير للخارج أياً كان مصدره.. بل أقول إن الاستعدادات الفلسطينية تنادي الخارج في الاتجاهين.

من الطبيعي أن ينشأ الخلاف وأن تتعارض وجهات النظر داخل البيت الواحد، لا سيما في مواضيع وقضايا جوهرية ومصيرية، ولكن ليس من الطبيعي أن يصل الخلاف الفلسطيني إلى درجات دموية وجذرية مزمنة تمس الجوهر والمستقبل وتذهب إلى مدى بعيد كما هو حال الوضع الفلسطيني في الوقت الراهن.

إنني مع وحدة الصف الفلسطيني والبيت الفلسطيني ولكنني لست متفائلاً بإمكانية الوصول إلى ذلك باستقرار واستمرار، على الرغم من وجود معطيات كثيرة ودروس وتجارب تؤدي قراءتها إلى استنتاجات واضحة ترجح خياراً من الخيارين السابقين على الآخر. لست مع الباب الموارب في هذه الحالة، إن خياري هو خيار المقاومة المستمرة المتصاعدة المحتضَنة من الجماهير الواسعة ومن وما يمكن أن تستقطبه من أنظمة عربية وجهات إسلامية وعالمية وصولاً إلى التغيير العربي القادم وتحرير فلسطين الكامل.. ذلك لأن المشروع الصهيوني يتضاد مع أي مشروع نهضوي عربي، والصهاينة والغرب يعملون على إضعافنا وعلى أن نتنازل عن كل شيء، وعلى توظيفنا وزجنا في حروب بالوكالة، كما هو الشأن في خلق تحالفات معتدلة ومحاور متطرفة، ومحاولات إضرام نار الفتن الطائفية والمذهبية لإشعال تلك النار في جسد العرب والمسلمين.

المقاومة الفلسطينية واللبنانية أصبحتا عنوان واقع جديد، ومرحلة جديدة من مراحل الصراع، وتوجهات جديدة ذات أبعاد جماهيرية مؤثرة، واستقطبت المقاومة ضد الاحتلال في لبنان وفلسطين والعراق والصومال.. جماهير عربية وإسلامية واسعة، وأصبحت عنوناً لصحوتين إسلامية وشعبية، ومن ثم فقد غيرت المقاومة معادلات وحسابات و" تكتيكاً عسكرياً" وأساليب مواجهة، ومواقف سياسية، وأدخلت المقاومة معطيات جديدة تدعو إلى إعادة نظر في حساب موازين القوة.. لقد دخل الإنسان والأيمان في صلب تلك الموازين، ولا يلغي ذلك العقائد القتالية ودور الأسلحة المتقدمة ولكنه لا يجعلها الفيصل.. وبدأت القطاعات الشعبية العربية والإسلامية على الخصوص، تأخذ دوراً أو تمهد لأخذ دور بارز في الحسابات السياسية المستقبلية على صعيد البلدان وأنظمتها وعلى صعيد المقاومة وقواها وتأثيرها ونصرتها، بل على صعيد تحريك الجماهير ومنظمات أو مجموعات الضغط في العالم ولو بصور أولية.. وكل هذا يجعل من آفاق المستقبل وحساباته ومواجهاته موضوع نظر و تقييم جديدين.

إن مؤتمر " دعم فلسطين رمز المقاومة، وغزة ضحية الإجرام"، أحد المحطات الهامة في تعزيز مواقع المقاومة الفلسطينية واللبنانية وأية مقاومة للاحتلال، وتؤشر المشاركة الواسعة فيه، لا سيما من بعض دول أميركا اللاتينية وأوربا، إلى انفتاح في تلك الدول على الحق والحقيقة وتخلص نسبي طفيف من أكاذيب الصهيونية والغرب الاستعماري.. كما تشير إلى دور الجماهير والمنظمات في دعم الحق والعدل والحرية والتحرير، ونصرة غزة وتعزيز صمودها، وإلى إمكانية ملاحقة الإجرام الصهيوني والمجرمين الصهاينة وجرهم ليمثلوا أمام العدالة. وكل ذلك لن يكون بلا معنى من كل الوجوه وفي كل الحسابات.

والله ولي التوفيق

طهران في 6/2/2009

                                                      علي عقلة عرسان     

 

 

انشر عبر