محطات تشرينية في مسيرة الجهاد الاسلامي / احمد المدلل

الساعة 06:10 م|02 أكتوبر 2020

فلسطين اليوم

بدأت الرحلة من مصر ولم تنتهِ فى مالطا ، لأنها لا تزال مستمرة ... من حوارات فكرية طلابية فى شقق  مستأجرة صغيرة على أرض الكنانة إلى  أقبية السجون هناك والتى غصّت بآلاف النخب الفكرية والثقافية والدينية والسياسية حينها ،  دارت فيها نقاشات وحوارات مع قيادات تاريخية إسلامية وعروبية وناصرية وقومية وشيوعية وليبرالية... ثم إنطلقت الفكرة محمولة برجالاتها من مصر إلى فلسطين ساحة التطبيق والممارسة  ... هنا محط المعركة والثورة  التى حملت فى ثناياها كل معتقدات وأفكار الأرض إلا الفكرة الإسلامية لم يكن لها حضور إلّا فى المساجد والزوايا والتكايا وفى قلوب العجائز والكهول وشعائرهم التعبدية صلوات وصيام وأدعية وفتاوى تخص الذات وتزكيتها وتطهيرها من المعاصى ، وتُركت الثورة تتجاذبها  العلمانية والشيوعية والماركسية واللينينية والماوية والقومية والبعثية والناصرية ... قبل بداية الثمانينات بسنة او سنتين بدأ شعور إسلامى يتنامى لدى بعض الشباب الذين عاشوا بيئة دينية محافظة  ودارت فى أذهانهم تساؤلات ذكية عن دور الإسلام فى تاريخ البشرية منذ أربعة عشر قرناً ، هل دوره محصور فى تطهير النفس بعيداً عن مآلات الحياة وصراعاتها  وحاضر الأمة وماضيها ، وتخلفها التى تعيش ، وحضارتها التى غابت ، وتعدادها الذى يملأ آفاق الدنيا ولا تأثير لها فى واقع الحياة ، ثروات ومقدرات مهدورة ، ومساحات ملء البصر ، حصادها لأعدائها الذين سيطروا على كل شئ حتى على أقدس بقاعها فلسطين قلب الجغرافيا العربية والاسلامية والتاريخ الذى امتد منذ أكثر من اربعة عشر قرناً من الزمان ومحطاته على أرض فلسطين .. بضعة ملايين من شذاذ الآفاق من العصابات اليهودية تصول وتجول وتستبيح المقدس مقابل مئات الملايين من العرب والمسلمين يغيبون عن الشهود والوجود ... أسئلة كثيرة كانت تدور فى أذهان الثلة الاولى وعلى رأسها د فتحى الشقاقى رحمه الله ... وكانت كل الأجوبة تدفعهم  باتجاه  فلسطين ، حيث الصراع الحقيقى والحضارى والوجودى والتاريخى   ... أوهم العرب والفلسطينيون أنفسهم على مدار عقود أنه صراع مرحلى مع محتل  وينتهى بعد فترة من الزمن ، هكذا زعموا ،  لم  يستطيعوا هزيمته لأنهم لم يدركوا حقيقة الصراع مع احتلال يحمل مزاعم توراتية بأنها أرض اسرائيل ، أرض الآباء والأجداد ، أرض الميعاد ، أرض اللبن والعسل ، ثم تنازلوا له عن ٧٨ % من ارض فلسطين وقبلوا ان تقوم دولة فلسطينية على المتبقى منها فى قمة فاس عام ١٩٨١م ... وامام عدم ادراك الكثيرين طبيعة الصراع وجذوره ، ظهر حَمَلَةُ الفكرة التى أَصّلَتْ هذا الصراع وشعارهم  "فلسطين  هى القضية المركزية للامة العربية والاسلامية بأبعادها العقائدية والتاريخية والواقعية " ... وفى عام ١٩٨١ خرج الدكتور فتحى الشقاقى رحمه الله من السجون المصرية لينطلق بالفكرة وحامليها الى ارض فلسطين ... نضجت الفكرة وتبلورت وجمعت كل من آمن بها من فئات ونخب الشعب الفلسطينى ومن الأسرى داخل السجون الذين كانت لديهم نفس الافكار والتوجهات ... وتأسس تنظيم الجهاد الاسلامى فى ذلك الحين على مرتكزات فكرية عنوانها  الإسلام بشموليته ومنطلقها الجهاد وهدفها تحرير فلسطين من بحرها إلى نهرها...  وسرعان ما انتشرت فكرة الجهاد  الإسلامى من خلال  المساجد والمؤسسات والمدارس والجامعات والتجمعات الشبابية والمناسبات الدينية والوطنية ... حينها تشكلت الخلايا العسكرية ونُفذّت عمليات بطولية ضد الجنود والمستوطنين الصهاينة وتنوعت أدوات المواجهة مع العدو الصهيونى وفق القاعدة الشرعية" الواجب فوق الإمكان " بالحجارة والسكين والمولوتوف والبنادق على ندرتها ... شعر العدو الصهيونى بخطورة نشاطات  قادة وكوادر الجهاد الإسلامى فبدأت الملاحقات والاعتقالات والاغتيالات ... ولم يؤثر كل ذلك على تقدم الحركة التى توسعت        فى كل ربوع فلسطين لتسجل حضورا مؤثراً فى مجال العمل السياسى والعسكرى والإجتماعى والثقافى ... وقدر الجهاد الاسلامى أن يختص شهر تشرين/ أكتوبر ذاكرتها فى محطات مهمة وأحداث تبقى مخطوطة على صفحات تاريخها ، أهمها :   
- الأول من تشرين/ أكتوبر عام ١٩٨٧م: استشهاد المجاهد الكبير/ مصباح الصورى قائد مجموعة الجهاد الإسلامى فى عملية الهروب المعجزة من سجن  غزة المركزى ١٨/٥/١٩٨٧م وصاحب السجل الحافل بالبطولة والفداء ، كان باستطاعته الخروج من فلسطين إلا أنه أصر على البقاء وهوالعاشق للشهادة ليواصل طريق الجهاد والعمل العسكرى ولاحقته عيون المخابرات الصهيونية حتى وصلوا الى مكانه ، وخاضوا معه  معركة على أعتاب مخيم البريج ، وأُعتقل جريحا ثم أخضعوه لتحقيق ميدانيٍّ قاسى ليكشف عن اسماء المجاهدين معه لكنه رفض وصمد حتى الشهادة ...  
 - فى السادس من تشرين/ أكتوبر عام ١٩٨٧م :  معركة الشجاعية البطولية بين الجيش الصهيونى و أبطال الجهاد الاسلامى الذين شاركوا الشهيد مصباح الصورى الهروب المعجزة وواصلوا العمل العسكرى معه ،  واستشهد فيها المجاهدون الأبطال/ محمد الجمل وسامى الشيخ خليل واحمد حلس وزهدى قريقع، وقُتل فيها ضابط فى المخابرات الصهيونية وأصيب آخرون . المعركة التى أسست لمرحلة جديدة فى تاريخ الجهاد الإسلامى وتاريخ الشعب الفلسطينى  الذى تفجر لديه المكنون النضالى  ليشعل انتفاضة شعبية كسرت حاجز الخوف من عنجهية الجيش الصهيونى أقوى جيوش العالم الذى انتصر على كل جيوش العرب ولكنه لم يحقق انتصاراً على أطفال الحجارة فى فلسطين .             
- فى مساء يوم الخامس والعشرين من تشرين/ أكتوبر عام ١٩٩٥ : أُستشهد   د. فتحى الشقاقى الأمين العام المؤسس لحركة الجهاد الإسلامى فى مالطا على يد الموساد الصهيونى، وكان حينها عائدا من ليبيا بعد محاورة السلطات الليبية فى شأن الفلسطينيين الذين طردتهم السلطات الليبية بعد توقيع منظمة التحرير على اتفاقيات أوسلو مع دولة الاحتلال.                 

فى الرابع من تشرين/ أكتوبر عام ٢٠٠٤م : نفذت المحامية هنادى جرادات من جنين وتنتمى للجهاد الإسلامى عملية استشهادية فى مطعم مكسيم فى حيفا ردّاً على الجرائم البشعة التى يرتكبها العدو الصهيونى ضد أبناء شعبها ، قُتل فيها ٢١ صهيونيا وأصيب العشرات من الصهاينة ولا يزال كثير من القادة الصهاينة يذكرون العملية التى زلزلت أركان الحكومة والمجتمع الصهيونى حينها.
- فى اليوم الثالث من تشرين/ أ كتوبر عام ٢٠١٥ الطالب / مهند حلبى إبن الرابطة الإسلامية فى جامعة القدس ينطلق بسكينه فى أزقة القدس القديمة التى يعيث فيها الجنود الصهاينة فساداً وعربدة ليقتل منهم اثنين ويصيب ثالث بجراح خطيرة قبل ان يرتقى شهيداً ، يحرك الثورة من جديد ويخط بسكينه معالم انتفاضة القدس مؤكداً عنفوان الشعب الفلسطينى وأن جيل ما بعد أوسلو لن ينسى القدس وفلسطين وها هو يحمل لواء الجهاد والمقاومة  ومن ثم انطلقت العمليات البطولية فى الضفة والقدس وارض ال٤٨ بالطعن بالسكاكين والبلطات والدهس والمسدسات والكلاشينات ، وصنعت هاجساً أمنياً وعسكرياً للعدو الصهيونى، لكن تم محاصرتها من أجهزة أمن السلطة ( تصريحات قادة السلطة حينها ) والمخابرات الصهيونية ... 
إنه غيضٌ من فيض العطاء والعمل الدؤوب المتواصل والتضحيات  التى تحتاج الى مجلدات كبيرة للحديث عنها ، والرحلة لا تزال مستمرة ...