السودان.. من الثورة إلى التطبيع !! / بقلم: أحمد المدلل

الساعة 09:34 ص|30 سبتمبر 2020

فلسطين اليوم

بعد منتصف ليلة الحادي عشر من أبريل عام ٢٠١٩م حدث الانقلاب العسكري على نظام الرئيس السوداني عمر البشير إثر مظاهرات شعبية استمرت ما يقارب خمسة شهور حاول خلالها نظام البشير استخدام كافة الطرق والاساليب واستخدم سياسة العصا والجزرة لإيقافها ولكن لم يستطع ، وانتهت المظاهرات الشعبية بالانقلاب العسكري واعتقال البشير واركان نظامه ... فى اليوم الثانى للانقلاب دار نقاشٌ مع بعض الأخوة حول ما حدث ، ومآلات الأوضاع فى السودان ...  تحدث البعض عن سوء اوضاع السودان  الاقتصادية والاجتماعية وانفصال جنوب السودان واستبداد البشير والفساد الحكومي والغلاء وانخفاض سعر الليرة السودانية مقابل الدولار وكما كل الثورات الشعبية لها مبرراتها ، وتحدث البعض على ان كل ما يُشاع عن البشير محض افتراء وكذب وأنه رجل متدين وما يحدث مؤامرة عليه عندما اكتشف خداع السعودية والامارات ولم يتلقَّ الدعم المطلوب منهما للسودان الذى يشاركها عاصفة الحزم كما وعدتاه وكما أن أمريكا ترفض شطب اسم السودان من لائحتها للإرهاب بدأ بتغيير وجهته ثانية حيث قام بزيارة لسوريا كأول رئيس عربى يتمرد على قرار الجامعة العربية بطرد سوريا ،  وجاءت الزيارة دعماً لنظام الاسد  وتأكيدا على الالتحاق بالتحالف الروسى الإيراني بعد ان قطع علاقته مع إيران عام ٢٠١٦م ... حينها كان لدى شعور وقد عبرت عنه بان  مستقبل السودان لن يكون مثل ماضيها اتجاه القضية الفلسطينية وأن التغيير فى السودان الذى جاء متأخرا عن الربيع العربى والذى بدأ فى تونس سيكون له تأثيرا كبيرا على وضع ومكانة القضية الفلسطينية وتعاطى القيادة السودانية الجديدة  معها وكان واضحا غياب القيادات التاريخية (الاسلامية والعروبية والقومية) عن الشارع السودانى حينها وحضور قيادات شيوعية وشبابية  من قادة المظاهرات مدفوعة بالرغبة فى التغيير ... والنتيجة ان  السودان كما مصر(انقلاب  ٣ يوليو ٢٠١٣م) من قبلها دخلت مرحلة جديدة من حكم الجنرالات وقد تعودت السودان على انقلاب الجنرالات منذ استقلالها عن الاستعمار البريطانى عام١٩٥٦م والبشير نفسه انقلب على الحكومة المدنية المنتخبة بزعامة الصادق المهدى والذى ساعده حينها  الاسلاميون بقيادة المرحوم الدكتور حسن الترابى الذى انقلب عليه البشير بعد ذلك وأودعه السجن ... وللأسف طموحات الشعوب العربية فى معظمها تذهب ادراج الرياح امام حصاد الثورات التي يجنيها العسكر ... والعجيب ان هذه الانقلابات على ارادة الشعوب لا تأتى الا بمزيد من الخراب والدمار والانتهاكات والقهر والفقر والتراجع على كافة المستويات ... أما  الجنرالات الجدد  فى السودان تبينت توجهاتهم منذ بداية تسلمهم زمام الحكم بأنهم سائرون  صوب أمريكا واسرائيل بدون سابق انذار وبدأت

 اللقاءات السودانية الاسرائيلية بين جنرالات الحكم السوداني وقادة الاحتلال الصهيوني وبدون خجل وأمام الملأ يلتقى عبد الفتاح البرهان رئيس المجلس السيادي فى السودان مع نتنياهو فى اوغندة فى شباط/فبراير الماضي فيما أكدت الحكومة السودانية أنه لم يتم إخطارها أو التشاور معها في مجلس الوزراء بشأن هذا اللقاء الذى حدث بدون علم مجلس الوزراء الذى يرأسه عبدالله حمدوك ، ثم يذهب البرهان على رأس وفد إلى

الامارات ليلتقى مع بومبيو  وزير الخارجية الأمريكى بحضور بن زايد ( عرّاب التطبيع فى المنطقة) والذى مارس ضغوطا كبيرة على البرهان لكى يقبل بالتطبيع مع اسرائيل ، وأكد المراقبون أن الحوار الثلاثى  فى الامارات (بن زايد - بومبيو- البرهان)  تناول موضوعين :

- ضرورة إزالة إسم السودان من لائحة الإرهاب الأمريكية .

- التطبيع مع الكيان الصهيونى والذى خضع للمساومة بين بن زايد وبومبيو من جهة والبرهان من جهة أخرى وحدث الاختلاف على كم المليارات التى ستُدفع للسودان مقابل التطبيع   فيما امريكا تعرض 800 مليون دولار تساهم الامارات ب600 مليون منها،  وشطب اسم السودان من لائحة الارهاب الامريكية فإن البرهان يطالب ب 3_4 مليارات دولار وبعض التقارير تقول انه طلب 7 مليارات دولار  لإنعاش الاقتصاد السودانى المنهار ، منها مليار و٢٠٠ مليون على هيئة مساعدات قمح ونفط . وقد صرح البرهان فى اكثر من لقاء و أمام المجلس السيادى بان السبب الرئيس من التطبيع مع (إسرائيل) هورفع اسم السودان من لائحة الإرهاب الأمريكية و تحقيق التنمية للسودان ... مما يعنى أنه فى اى لحظة قد نشهد احتفال التطبيع بين نظام الحكم فى السودان والكيان الصهيونى فى حديقة البيت الأبيض وبذلك تكون قلعة مهمة جداً فى عالمنا العربى قد سقطت من جديد ...

بالنسبة لنا كفلسطينيين فإن فقدان السودان كداعم للقضية الفلسطينية يمثل لنا مصاباً كبيراً فإنه بالرغم من التغيرات المختلفة على أنظمة الحكم هناك إلا أن السودان كانت دائماً تمثل  الظهير العربى والإسلامي الحقيقى الذى احتضن الفلسطينيين على مدار العقود الماضية  بكافة أطيافهم وتنظيماتهم قبل ان تحط الثورة الفلسطينية رحالها على ارض السودان بعد ان  خرج المقاتلون من بيروت عام ١٩٨٢ واقاموا مواقع تدريب لهم على ارض السودان وكذلك حركات المقاومة الفلسطينية بعد ذلك والتى عملت على الارض السودانية بأريحية مطلقة وتلقت الدعم المعنوى والسياسى من الشعب والسلطات السودانية ومن التهم الموجهة للسودان من امريكا وإسرائيل السماح بمرور شحنات الأسلحة  للمقاومة الفلسطينية عبر اراضيها وأيضاً إقامة معسكرات تدريب لها هناك ... دولة الكيان الصهيونى تدرك الاهمية الاستراتيجية التى تمثلها السودان جغرافياً وإطلالتها على البحر الأحمر وأمنياً وعسكرياً وثروات طبيعية غير مستغلة ، تعرف اسرائيل جيدا كيف تستفيد منها فيما لم تستطع الانظمة التى تناوبت على حكم السودان استثمار تلك المقدرات والثروات الطبيعية والعنصر البشرى إلى جانب عدم الإهتمام العربى أيضاً بالإستثمار في السودان وعدم استغلال مقدرات الامة العربية وثرواتها  للنهوض بالسودان هو الذى جعل السودان الغنية بثرواتها التى لا تُحصى من أفقر دول المنطقة ومن أقوال.