شهر سبتمبر .. ذكريات وتطبيع/ احمد المدلل

الساعة 04:40 م|18 سبتمبر 2020

فلسطين اليوم

 تبدأ الحكاية من ميونخ بألمانيا يوم الخامس من سبتمبر عام ١٩٧٢م (عملية ميونخ الفدائية)  حين كانت منظمة التحرير في أوج نضالها وكفاحها المسلح ،كانت خطة الفدائيين حينها اختطاف رياضيين صهاينة في دورة الاولمبياد الصيفية المقامة فى ميونخ  من أجل مبادلتهم ب٢٣٦ أسيرا فلسطينيا وعربيا ومن ضمنهم كوزو أوكاموتو من الجيش الأحمر الياباني الذى انتمى الى صفوف الثورة الفلسطينية واعتقلته المخابرات الصهيونية خلال اشتراكه في عملية فدائية  في مطار اللد يوم 21/6/1972... ومن نتائج عملية ميونخ قتل إحدى عشر رياضيا صهيونيا واستشهاد خمسة فدائيين من منفذي العملية والتي تبنتها منظمة أيلول الاسود بقيادة المرحوم الشهيد أبو إياد الرجل الثاني في منظمة التحرير الفلسطينية ... وفى يوم الخامس من سبتمبر عام١٩٧٨م تم التوقيع على معاهدة كامب ديفيد بين الرئيس المصري أنور السادات ورئيس الوزراء الاسرائيلي مناحيم بيغن ، وتُعتبر اتفاقية كامب ديفيد أول شرخ في السقف العربي الذى كان رافضاً  لأى إعتراف أو صلح أو مفاوضات مع اسرائيل وقد فاجأ السادات الجميع عندما أعلن في البرلمان العربي وفى خطبة شهيرة له عام ١٩٧٧ قائلاً " انني مستعد أن أذهب الى بيتهم الى الكنيست ذاته ومناقشتهم " وهو نفسه الذى خرج منتصرا في معركة أكتوبر ١٩٧٣م على دولة الاحتلال ، لكنه أول من أعلن إعترافه بالكيان الصهيوني وضُربت عليه مقاطعة عربية وطُردت مصر من الجامعة العربية كما  تم سحب مكاتبها من القاهرة وانتقلت الى تونس ، وقد نصت المعاهدة على التفاوض المباشر بين مصر واسرائيل من اجل الانسحاب الاسرائيلي من سيناء التي احتلتها اسرائيل عام ١٩٦٧م  واقامة علاقات طبيعية بين مصر واسرائيل بعد المرحلة الاولى من الانسحاب من سيناء ، ولم يكن أي رضا شعبي أو نخبوي على تلك الاتفاقية ولم يستطع العدو الصهيوني بالرغم من مرور ٤٢ عاما على الاتفاقية أن يخترق المجتمع المصري وبقى السفير الصهيوني متقوقعا فى ردهات سفارته ومحاطا بكل اشكال الحماية من الشعب المصري الذى لا يزال رافضا لاتفاقية كامب ديفيد بالرغم من انسحاب العدو الصهيوني الكامل من سيناء ...   وفى يوم السادس عشر من سبتمبر عام ١٩٨٢م ارتكب الجيش الصهيوني بقيادة شارون وبمشاركة  ميليشيات حزب الكتائب اللبناني  بزعامة ايلي حبيقة   مجزرة صبرا وشاتيلا وقد قُتل فيها حسب مصادر غربية ما يقارب ٣٥٠٠ شهيدا من الفلسطينيين واللبنانيين الذين قاسموهم لقمة العيش في مخيمي صبرا وشاتيلا وتُعتبر هذه المجزرة من أفظع المجازر التي أارتكبت ضد الفلسطينيين ولا تزال حاضرة بمشاهدها وتفاصيلها وشخوصها في حياة الفلسطينيين واللبنانيين ولتضاف الى سلسلة المجازر التي ارتكبها العدو الصهيوني  منذ عام ١٩٤٨ الى هذه اللحظة ، ولم تكن مجزرة صبرا وشاتيلا الاولى ولن تكون الأخيرة طالما أن هناك احتلالا صهيونيا لا يزال جاثما على ارض فلسطين...  وفى يوم الثالث عشر  من سبتمبر عام ١٩٩٣م تم التوقيع على اتفاقية اوسلو والتى اعترفت فيها منظمة التحرير الفلسطينية بدولة الكيان الصهيوني وأقرت لها بشرعية احتلالها 78% من أرض فلسطين فيما بقيت ال22%أرضا متنازعا عليها بين المستوطنين وكنتونات فلسطينية متفرقة ... وها نحن بعد مرور  سبعة وعشرين عاما على الاتفاقية المشؤومة لم نحصد إلا مزيدا من المرارة والمعاناة والقتل والتهجير والاستيطان والتهويد والحصار والجوع والقهر وقد اعترف أخيرا الرئيس الفلسطيني محمود عباس والذى وقّع على الاتفاقية أمام العالم كله في مهرجان - كالذي رأيناه قبل أيام  في حديقة البيت الأبيض - أن العدو الصهيوني أعطاه صفراً كبيرا ، وقد أخذ كل شيئ ، وأنه الآن رئيس سلطة بلا سلطة وذهبت أحلامه بإقامة دولة على حدود ٦٧ أدراج الرياح وأن أمريكا كانت تبيعنا الوهم ... كما أن  بعض الأنظمة العربية استغلت  اتفاقية اوسلو جسراً للعبور نحو التطبيع ونسج علاقات سياسية واقتصادية وثقافية ورياضية وغيرها مع الكيان الصهيوني ، ولم يعد خافياً ان اتفاقية اوسلو دمرت المشروع الوطني الفلسطيني وحاصرت المقاومة وجعلت الاحتلال الصهيوني يعربد كيفما يشاء بلا كُلفة كما أحدثت انقساما فلسطينيا لا نزال نعيش آثاره المأساوية الى هذه اللحظة ...  وفى يوم الثاني عشر من سبتمبر عام ٢٠٠٥م كان اندحار الجيش الصهيوني بقيادة شارون من غزة بعد أن اوجعته  المقاومة الفلسطينية بكافة أذرعها العسكرية وعلى رأسها سرايا القدس وكتائب القسام بالعمليات البطولية والنوعية ضد الجيش الصهيوني والمستوطنين الذين كانوا يعتبرون أرض غزة مزرعة لهم ومصنعا لمنتوجاتهم وكان يَعٍدُهم شارون ويُمنّيهم بأن مستوطنة نتساريم بالنسبة إليه مثل تل أبيب ولن يتخلى عنها أبداً ، إلا أن حالة الاستنزاف المستمرة له ولجيشه جعلته ينسحب مهزوما بلا اشتراطات ولا اتفاقيات يجر أذيال الخيبة وقد اعترف شارون نفسه ان الانسحاب "جاء تحت ضغط الوضع الأمني المتردي " وما أسماه " معاناة المستوطنين"  ... وفى يوم الخامس عشر من سبتمبر ٢٠٢٠م كان السقوط الكبير لنظامي الامارات المتحدة ومملكة البحرين في وحل التطبيع مع العدو الصهيوني والتخلي تماما عن القضية الفلسطينية وتنفيذ الشق الأهم من صفقة القرن وهو  اعطاء الشرعية للكيان الصهيوني على أرض فلسطين ليكون كيانا طبيعيا في قلب العالم العربي والاسلامي ، والحديث يدور عن أنظمة عربية أخرى ستسير في نفس الطريق باتجاه التطبيع مع العدو الصهيوني بعدما أعطت الجامعة العربية في اجتماع وزراء الخارجية العرب يوم ٣ سبتمبر ٢٠٢٠م الضوء الأخضر للأنظمة العربية للتطبيع مع الكيان الصهيوني وقد اسقطت المشروع الفلسطيني بإدانة توقيع معاهدة التطبيع بين الامارات والكيان الصهيوني وبذلك تكون الجامعة قد القت بالمبادرة العربية التي أصدرتها عام ٢٠٠٢ في سلة المهملات ( والتي كان شرطها  تنازل اسرائيل عن أراضي ال٦٧ مع  تبادل اراضي يقابلها الاعتراف وعقد معاهدات سلام مع ( والتي كان شرطها  تنازل اسرائيل عن أراضي ال٦٧ مع  تبادل ارضى يقابلها الاعتراف وعقد معاهدات سلام مع اسرائيل ) وقد اعتبرها الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي الاستاذ /زياد نخالة أخطر على القضية الفلسطينية من وعد بلفور ( في لقاء على فضائية الميادين مساء الاربعاء 17/9/2020) ، لتبدأ مرحلة عربية أكثر انهيارا من المرحلة التي سبقتها افتتحها نظاما الامارات العربية والبحرين ... وبالفعل تم التوقيع مساء يوم ١٥ سبتمبر ٢٠٢٠م  في حديقة البيت الابيض بين النظامين الإماراتي والبحريني مع اسرائيل بشهادة أمريكية وأمام حضور كبير باحتفال فولكلوري نقلته كل وسائل الاعلام في العالم ... مشهدٌ مخزى يظهر مدى السقوط الأخلاقي والقيمي  الذى أصاب المُوَقِّعين على معاهدة التطبيع مع الكيان الصهيوني بدون أي حسابات للعقيدة والعروبة والتاريخ  واستخفافا بالمبادئ الانسانية عندما  يُكافأ المجرمُ والقاتلُ الصهيوني على جرائمه ويُكافأُ ترامب على مؤامرة صفقة القرن لتصفية القضية الفلسطينية ويشكل النظامان بذلك طوق نجاة لنتنياهو وترامب من محاكم الفساد التي تنتظر الاثنين ويتقدما للفوز في الانتخابات القريبة القادمة في اللحظة الذى سَئِم فيها الشعب الأمريكي ترامب وسَئِم المجتمع الصهيوني نتنياهو بسبب قضايا الفساد التي ارتكبها الاثنان  ، لذا فإن توقيع معاهدات تطبيع او سلام مع العدو الصهيوني لا تعطيه فقط مزيدا من الشرعية باحتلال فلسطين ومزيدا من الشهوانية المتدفقة لارتكاب  الجرائم والمجازر ضد الشعب الفلسطيني ، وإنما ستعطيه الدافعية لإشعال حروب ومزيد من الدمار في المنطقة العربية عندما تحط القواعد العسكرية الصهيوأمريكية رحالها على أرض البحرين والامارات وباقي أراضي الخليج على امتداد الحدود مع ايران فإن أي حرب ستشعلها أمريكا واسرائيل هناك ستنعكس نتائجها الكارثية على دويلات الخليج وليست على أمريكا أواسرائيل ... وهذا ما تريده  دولة الكيان ، بالإضافة إلى أن عين اسرائيل على تلك المنطقة لنهب ثرواتها  وليكون مستقبلا ميناء حيفا بديلاً عن ميناء بيروت الذى دمرته أيادي يحركها الموساد (حسب بعض المراقبين) ...  وبذلك تكون دولة الاحتلال حمت  نفسها من ايران التي تشكل الخطر الأكبر عليها والتي تقود  محور المقاومة  والداعم الرئيس للقضية الفلسطينية والمقاومة الفلسطينية واللبنانية اللتان مثلتا هاجسا وجوديا وامنيا للكيان الصهيوني بعد أن  تم تحييد الانظمة العربية  التي رضيت لنفسها وبطواعية مطلقة أن تسير فى الفلك الصهيو أمريكي ، وبذلك يكون العدو الصهيوني قد أمن العقاب إلى جانب ضمان عدم تدخل أى من الانظمة المُطبّعة لإنقاذ أو مساعدة الشعب  الفلسطيني واللبناني في أي حرب قادمة يشنها العدو الصهيوني عليهما  ...كما حدث سابقا في حرب تموز ٢٠٠٦م على لبنان وثلاث حروب مدمرة على غزة لأن ثروات ومقدرات الأمة أصبحت خاضعة للارادة الصهيوأمريكية ... لقد شهد شهر سبتمبر هذه الاحداث على مدار  خمسة عقود تقريباً ، وكما هو معروف فإن مركز القرار  الصهيوني لا يختار التواريخ عشوائيا كما هي الانظمة المتهافتة لأن الصورة النمطية في عقول قادة الصهاينة والذى عبّر عنها  وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق "موشى ديّان" حين قال "إن العرب لا يقرأون، وإذا قرأوا لا يفهمون، وإذا فهموا لا يستوعبون " وهذا ما ينطبق  على هذه الأنظمة الرجعية ،   ولو امتلك المطبعون ذرة فهم سياسي لاعتبروا بما وصلت اليه الامور في مصر وفلسطين والاردن من أوضاع كارثية في كل المناحي  بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد عام ١٩٧٨ واتفاقية أوسلو عام ١٩٩٣ واتفاقية وادى عربة عام ١٩٩٤  ...  ورسالة  نتنياهو للعرب والفلسطينيين  ان الخطأ التاريخي الذى ارتكبه شارون في سبتمبر عام ٢٠٠٥م بالانسحاب من غزة لن يتكرر وهو آخر الانسحابات  أما رسالته للإسرائيليين" أن على اسرائيل ان تأخذ درساً من تجربة الانسحاب من غزة وألّا تنسحب من الضفة الغربية الأقرب على مراكز اسرائيل الحضرية من غزة " ...  طموحات ترامب ونتنياهو من التطبيع من أجل  تهيئة المنطقة لتكون مرتعاً آمناً لدولة الاحتلال مقابل توفير الحماية لعروش مهترأة ... لكنْ ، سُنّةُ الله ماضية " وإذ تأذنّ ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب إنَّ ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم "  صدق الله العظيم