يشعر المسؤولون في الإمارات بالإهانة من النفي العلني لرئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو لموافقته على صفقة طائرات من طراز أف 35، ومن الخطاب في إسرائيل حولها، ووفقا لمراسل موقع "واللا" الاخباري بارك رافيد، الذي نقل عن مسؤول إسرائيلي قوله إن أحد المسؤولين الإماراتيين أبلغه بأنه في أبو ظبي يشعرون أنهم تحولوا إلى "كرة قدم سياسية"، يركلها الوزراء الإسرائيليون فيما بينهم من أجل تحقيق مكاسب في الرأي العام".
إلا أن الحقيقة تشير أن تاريخ العلاقات بين اسرائيل والامارات قائم على أساس مصلحة الاخيرة من خلال الدور التي وضعتها لنفسها للتأثير في الاقليم، من تقديم الخدمات وحاجة الإمارات إلى تقنيّات وتكنولوجيا الأمن والمراقبة، والضبط للسيطرة على مفاصل حياة الامارتيين، ومحيطها من الدول العربية والتجسس عليها ومراقبتها، وعلى المعارضين لسياسة الامارات، وبروز دورها في محاربة الثورات العربية، ولم يعد خافيا أن الإمارات استأجرت العديد من خبراء الاستخبارات الإلكترونية الإسرائيليين لتطوير تقنيات للإمارات.
وبناء على احتدام الخلاف حول رفض اسرائيل تزويد الامارات بطائرات اف35 الامريكية، طلب الامريكيين وكي لا يظهر الاتفاق التطبيعي على انه اتفاق أمني فقط، تم فصل الوفدين الأمني والاقتصادي المتوجهين للامارات نهاية الشهر الماضي، وترأس الوفد الأميركي مستشار ترامب، جاريد كوشنر، ويرافقه مستشار الأمن القومي، روبرت أوبريان، ويرأس الوفد الإسرائيلي رئيس مجلس الأمن القومي، مئير بن شبات.
ووفقا لما نقلته وسائل اعلام اسرائيلية، فإن قرار فصل المحادثات السياسية والاقتصادية عن المحادثات الأمنية، وتأجيل سفر وفد أمني إسرائيلي إلى أبو ظبي لأسبوعين، اتخذته إسرائيل في أعقاب طلب أميركي إماراتي. وكان التخوف الأميركي والإماراتي من أن وجود مسؤولين أمنيين في الوفد الإسرائيلي سيجعل وسائل الإعلام تركز على صفقة الطائرات إف35.
وقد تمحورت اللقاءات الامريكية الاسرائيلية مع الامارات خلال الزيارة التاريخية كما وصفها نتنياهو ووسائل الاعلام الاسرائيلية على تطبيع العلاقات الإسرائيلية الإماراتية، والتعاون الاقتصادي والمدني والصحي، والتمهيد للتوقيع على الاتفاق في واشنطن، في تشرين الأول/أكتوبر المقبل.
وكان الخلاف على إثر تصريحات صادره عن مكتب نتنياهو قال فيها إن "اتفاق السلام التاريخي بين إسرائيل والإمارات المتحدة لم يشمل أي موافقة إسرائيلية على أي صفقة سلاح بين الولايات المتحدة والإمارات المتحدة، وايضا تصريحات وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، الذي قال في مؤتمر صحافي، إنه لن يتم بيع أسلحة قد تخل بضمانِ التفوّق العسكريّ الإسرائيليّ في المنطقة.
وعلى الرغم من رفض اسرائيل تزويد الامارات بطائرات امريكية متطورة إف 35، ذكرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" أن "إسرائيل بدأت بتزويد الإمارات بأسلحة حساسة عام 2010 كنوع من إسكاتها بعد فضح جريمة اغتيال القيادي الفلسطيني محمود المبحوح داخل فندق البستان في دبي قبل عشر سنوات".
ونقلت يديعوت ان نقاشات جرت بين المؤسسة السياسية والامنية الإسرائيلية حول بيع الإمارات طائرات إف 35 الامريكية، وجرت النقاش بين نتنياهو وبين جهاز الموساد والجيش الإسرائيلي. غير إن الجهة الوحيدة في المؤسسة الإسرائيلية التي أصرت على الرفض والمعارضة خشية تسرّب معلومات حول أجهزة متطورة إسرائيلية وأميركية للجهات المعادية، هي الجيش.
وبرعم معارضة اسرائيل تزويد الامارات بهذ الطائرات وانها قد تُخل في ميزانِ القوّة كما يرى بعض الخبراء الإسرائيليون، إلا أن المسؤول السابق عن شعبة الاستخبارات في الموساد، حاييم تومر، في حديث إلى الإذاعة العبرية، قال أنه: "لا توجد مشكلة في رفع الحظر عن تزويد الولايات المتحدة طائرات إف 35 للإمارات، وخاصّة في حين أن الاتفاق مع أبو ظبي يمكن أن يكون مفيداً لإسرائيل ضمن سيناريوهات أخرى، في خدمة المواجهة ضد الإيرانيين". وهذا يوضّح اهتمام إسرائيل بتوسيع التعاون الأمني مع الإمارات التي تلعب دور في الاقليم في خدمة مصالحها ومصالح اسرائيل.
قبل توجه الوفدان الامريكي والاسرائيلي الى الامارات أظهرت وسائل الإعلام الإسرائيلية صورة تبين منها أن الإماراتيين متحمسون للتحالف وتطبيع العلاقات مع إسرائيل، أكثر من حماسة الإسرائيليين للاتفاق، وأن الإماراتيين سعوا للتوضيح أن نواياهم بالسلام حقيقية، ونقلت صحيفة يديعوت احرنوت عن موظف رسمي في أبو ظبي قوله إنه "لن نكون مثل مصر، التي تحافظ على سلام بارد مع إسرائيل، ولن نكون مثل الأردن، التي تبنت موقف الرئيس الفلسطيني محمود عباس.
وكتب محللون إسرائيليون في محاوله منهم إلى خفض مستوى التوقعات من الاتفاق مع الإمارات. وذكر كبير يالمحللين السياسيين في يديعوت أحرونوت، ناحوم برنياع، أنه "يحظر أن ننسى الفوارق، فإسرائيل أقيمت بعمل صعب من جانب مواطنيها، بشجاعة في ميدان القتال وبسخاء الشعب اليهودي. وقد تبنت قواعد اللعبة الديمقراطية قبل ولادتها، وليس النفط بناها ولا عمال أجانب، ولا يمكنها تبني النموذج الإماراتي – مليون شخص محلي أثرياء وإلى جانبهم ثمانية ملايين عامل أجنبي بلا حقوق – ونظام غير ديمقراطي".
ودعا برنياع الإسرائيليين أيضا إلى أن "ينزلوا إلى الأرض الأحلام حول مئات ملايين الدولارات التي ستُضخ إلى هنا مباشرة من دبي، فالاستثمارات الأجنبية هي مسألة حساسة، ويتم التدقيق في أي استثمار في البنية التحتية من خلال التبعات الأمنية".
بينما أشارت المراسلة السياسية لصحيفة "هآرتس"، نوعا لانداو، إلى أن الإسرائيليين تعاملوا مع الاتفاق مع الإمارات بعدم اكتراث ولا مبالاة، رغم أن جميعهم أيدوه. لكنها أضافت أن رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، "كعادته، يستغل هذه الفرصة من أجل مناكفة اليسار والادعاء أنه حطّم الادعاء الأساسي لمعسكر السلام في إسرائيل بأن السلام مع العالم العربي مقرون بتقديم تنازلات للفلسطينيين. والتنازل عن الضم يضع مصاعب أمام ادعائه".
وأضافت لانداو "حقيقة أن الحديث عن سلام لم تسبقه أي حرب، مع دولة لا حدود مباشرة لها مع إسرائيل، وفيما كان معروفا لمعظم الجمهور أنه توجد معها علاقات متشعبة طوال سنين كثيرة في مجالات متنوعة، وإن بالسر، كل هذا يقلل أيضا من الهالة التي يسعى أركان الاتفاق إلى تصويرها".
وفي التدقيق في نص اتفاق السلام بين الامارات واسرائيل يخالف ما ذهب اليه بعض المحللين الذي ياستعلاء، "سيؤدي فتح العلاقات المباشرة بين اثنين من أكثر المجتمعات ديناميكية في الشرق الأوسط والاقتصادات المتقدمة إلى تغيير المنطقة (الشرق الأوسط) من خلال تحفيز النمو الاقتصادي، وتعزيز الابتكار التكنولوجي، وإقامة علاقات أوثق بين الناس".
ويتضح من نص الاتفاق انه شكل بناء على مصالح سياسية واقتصادية جيوسياسية، إلا أن مصلحة، وفي الثنايا تظهر التبعية الامارتية من خلال ما عرف "تعزيز الابتكار التكنولوجي" من خلالِ التكنولوجيا الاسرائيلية والتي تأتي في سياق عسكري امني اسرائيلي استعماري، وعلى أساسه تنبع أهمية فهم جذور الاتفاق وأهميته السياسية والاقتصادية.
وبالنظر لطبيعة التحالفِ الامارتي الاسرائيلي يتوجب فهم تاريخ العلاقات السابقة للدولتين والتي تمحورت حولَ التكنولوجيا والتقنيات الحديثة في شتى مرافق الإمارات المدنية والامنية والعسكرية.
ووفقا لما ذكرته صحيفة هآرتس في تقرير نشر الاسبوع الماضي، ان العلاقات الاسرائيلية الاماراتية ممتدة منذ اكثر من عقدين من الزمن، وتعمل في في الامارات نحو 500 شركة إسرائيلية. ويمتد التعاون بين الشركات الإسرائيلية والإماراتية، ليشمل مجالات متعدّدة، في قطاع المياه والتكنولوجيا والزراعة والصحة وتكنولوجيا قطاع الخدمات المالية، والاسلحة المتطورة والأمن الداخلي والأمن السيبراني، هذانِ القطاعان يمثلّان الأعمدة الأساسية للتحالف.
وذكرت صحيفة "ذي ماركر" الإسرائيلية في 19 آب الماضي أن "الإمارات هي أوّل ومن أهم زبائن المجموعة"، ويبيّن التقرير التعاون الاستراتيجي بين الشركة الإسرائيلية والإمارات للتجسّس على معارضين سواء في داخل الإمارات أو خارجها.
وارتبطت شركة تجسّس إماراتية تحت اسم "Dark Matter" بهذه المجموعة الإسرائيلية، وأن مجموعة من موظفي "NSO" السابقين - وجميعهم أيضاً من الخبراء والمختصين السابقين في وحدة استخبارات الإشارات الإسرائيلية 8200.
وفي الخلاصة أن التحالف الاسرائيلي الاماراتي هو أعمق من تطبيع العلاقات وتبادل الزيارات والسياحة، كما هو الحال مع انفاقيات السلام مع مصر والاردن التي تنظر اليهما اسرائيل على انهما اتفاقيات حياد ايجابي، يعتمد التحالف الإسرائيلي الإماراتي أساساً ببعد استراتيجي واستغلال احتدام الانقسامات والصراعات الإقليمية ومرورٍ عقد على الثورات العربية، والترتيبات السياسية التي يجب أن تجري، وفقاً لاولويات مصالح الإمارات، بالاعتماد على التكنولوجيا العسكرية والأمنية الاسرائيلية، إضافة إلى الاستثمارات الاسرائيلية بفتح اسواق عربية جديدة وزيادةِ صادراتها وخدماتها التكنولوجية والأمنية والعسكرية.
دون اعتبار للمصالح العربية وللقضية الفلسطينية بشكل خاص، إن الاعتبار الوحيد هو مدى سيطرة اسرائيل على المنطقة العربية وتوسعها بنسق وسياق استعماري استيطاني وزيادة اسثمارتها وتصفية القضية الفلسطينية، وفي الوقت ذاته ضمان تحصين النظام الإماراتي واستمرار وجوده واستقراره الداخلي من خلال حيازة طائرات اف 35 واسلحة وتكنولوجيا دقيقة ومتطورة.