يواصل رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تعنته تجاه مطالب المقاومة الفلسطينية في غزة، غير أنَّ المقاومة التي لا تقبل بصيغة "المال مقابل الهدوء"، واصلت إصرارها على إبرام اتفاقات ملزمة تؤدّي لرفع الحصار، وتحسين الظروف المعيشية لأهل القطاع المحاصرين منذ 15 عاماً.
ومنذ بداية الشهر الحالي واصلت المقاومة و"الشباب الثائر" بالضغط على الاحتلال الإسرائيلي عبر التصريحات التحذيرية، والبالونات الحارقة التي ألهبت صيف المستوطنات الإسرائيلية المحاذية للقطاع، وعبر اطلاق أعدادٍ مدروسة من الصواريخ التي كانت بمثابة صواريخ "تحذيرية"، تحمل رسالة واضحة، أن المقاومة أخذت قراراً واضحاً بأنها لن تسمح للاحتلال بفرض قواعد اللعبة، والإبقاء على الحصار الإسرائيلي، والتنصل من تفاهمات التهدئة الموقعة برعاية مصرية منتصف عام 2019.
وأدى تفشي فيروس كورونا إلى تمترس المقاومة وراء اشتراطاتها، لاسيما أنَّ مواجهة الفيروس الذي انتشر في جميع محافظات القطاع، بحاجة إلى مقومات ولوجستيات، تتطلب رفعاً للحصار، والتزاماً كاملاً من الاحتلال الإسرائيلي بالتفاهمات التي وقع عليها مرغماً آنذاك.
ومنذ مطلع أغسطس تشهد الأوضاع توتراً بين المقاومة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي، إذ أدى تنصل قوات الاحتلال من تفاهمات التهدئة الموقعة منتصف 2019، إلى إطلاق الشباب الثائر مئات الطائرات الورقية الحارقة تجاه المستوطنات الإسرائيلية، لحقه رشقات صاروخية بين الفينة والأخرى من المقاومة، فيما كانت تستهدف قوات الاحتلال الإسرائيلية بين الفينة والأخرى مواقع للمقاومة الفلسطينية.
المفاوضات والطريق المسدود
وفشل وفد المخابرات المصري بنزع فتيل التوتر القائم بين المقاومة والاحتلال الإسرائيلي، بسبب رفض الاحتلال الإسرائيلي لمطالب القطاع الإنسانية.
ولحق الدور المصري دوراً قطرياً حثيثاً في محاولة لتهدئة الأوضاع الميدانية، غير أن وسائل الإعلام العبرية اشارت إلى أن المفاوضات برمتها وصلت إلى طريق مسدود، مع احتمالية أن يكون هناك تصعيد ميداني، إن لم يحدث حراكاً دراماتيكياً ينزع فتيل التوتر القائم.
مرحلة عض الأصابع
ويرى الأكاديمي والباحث أكرم رضوان "أن المرحلة الحالية هي مرحلة عض الأصابع، إذ أنَّ كل طرف يحاول أن يستثمر ما لديه من نقاط قوة ووقت للضغط على الطرف الآخر".
كما، ويرى أنَّ فشل مهمة الوفد المصري ثم مجيء السفير العمادي وعودته دون الخضوع لمعادلة الكيان "الهدوء مقابل الهدوء"، واستمرار إطلاق البالونات الحارقة والحرائق وبشكل أكبر من ذي قبل يعني أن المقاومة تدير الأمور بشكل صحيح هذه المرة، قائلاً: "المهم أن نحافظ على سياسة النفس الطويل لان انتهاء هذه الموجة بنفس السيناريو السابق أصبح مكروراً ونتائجه غير مقبولة لا فصائليا ولا شعبيا".
وذكر أنَّ العرض "الاسرائيلي" المقدم لغزة الذي يتمثل في مساعدتها في مواجهة أزمة كورونا كشرط لوقف إطلاق البالونات الحارقة، يؤشر أن الكيان فشل في نقطة الاعتماد على الوسطاء، وأنه أصبح أمام خيارات صعبة؛ إما تصعيد موجة العدوان، وتحمل تبعاتها، أو الخضوع لبعض مطالب المقاومة الفلسطينية.
المأزق الإسرائيلي واحتمالية التصعيد
وفي رصدٍ دقيق للإعلام العبري والتحليلات الإسرائيلية، قال الخبير في الشأن الإسرائيلي محمود مرداوي: "تباينت المواقف في التشخيص والتقدير؛ لكن اتفق الجميع على أن المستوى السياسي ليس لديه رؤية للتعامل مع قطاع غزة".
وذكر مرداوي في رصده للإعلام الإسرائيلي أن الكاتب الإسرائيلي ألون بن دفيد تحدث عن أن المال القطري بالمبالغ المطلوبة شبه جاهز، وخط الغاز الواصل للمحطة يوجد مسار متفق عليه لمعالجة هذا المطلب الحيوي، وأن القطريين شبه متكفلين في رعاية ومعالجة الأمر، وأن الأتراك مستعدون لتمويل المشروع والإشراف عليه، وجانب تشغيل واستيعاب الموظفين ورجال الأعمال مسار بدأ وقابل للتنفيذ، لكن الحكومة تجر برجليها جراً".
وذكر مرداوي أن المراسل الإسرائيلي روني دانيال لم يبتعد عن سابقه في أن الحكومة الإسرائيلية تراقب انتشار وباء كورونا في المجتمع الغزي، ولا تملك حتى اللحظة نسبة وحجم هذا الانتشار، لكنها قررت أن تقدم كل ما هو مطلوب لمواجهة الوباء شرط أن تتوقف البالونات.
وتوقع مرداوي أن يكون التصعيد سيد الموقف، طالما أن الحكومة الإسرائيلية تتجاهل مطالب غزة.
قرار الحرب ليس سهلاً
ويرى الكاتب والمحلل السياسي مأمون أبو عامر أنَّ فشل المفاوضات بين المقاومة والاحتلال الاسرائيلي، لا يعني بالضرورة أن المقاومة تتحضر للمواجهة الشرسة، مرجحاً أن يكون هناك توافق على بعض النقاط، فيما تتعثر المفاوضات حول مسائل تفصيلية، ونقاط معينة.
وقال: لا أعتقد أنْ صانع القرار من الطرفين قد يذهب بعيداً لرفض كل لشيء وينهي المفاوضات، إلا إذا كان مفصليا في حياة الناس!، مضيفاً: "قرار الحرب ليس سهلاً، وهناك مسائل طرحها سهل لكن حلها معقد وهذا يحتاج الى قدرة للمناورة وتوظيف أوراق القوة إلى آخر لحظة وأحياناً مزيداً من الوقت!".
المقاومة تحذر: النار بالنار
وحمّلت حركتا "حماس" و"الجهاد الإسلامي"، الاحتلال المسؤولية عن تداعيات التصعيد العسكري على قطاع غزة، وعدوانها المتواصل على الشعب الفلسطيني.
وقالت حركة "حماس"، الجمعة، إنها وبقية الفصائل "لن تتردد في خوض معركة مع إسرائيل حال استمرار التصعيد في قطاع غزة".
جاء ذلك في بيان صدر عن الناطق باسم الحركة فوزي برهوم، بعد قصف إسرائيلي استهدف مواقع لـ"حماس" في غزة، وتم الرد عليه بإطلاق قذائف صاروخية.
وقال برهوم، إن "ما قامت به المقاومة، فجر الجمعة، هو في إطار الرد المباشر على تصعيد الاحتلال على غزة"، في إشارة لإطلاق صواريخ من القطاع تجاه إسرائيل.
وأضاف أن "رد المقاومة يؤكد على أنها لن تتردد في القيام بواجبها تجاه شعبها، وخوض المعركة مع العدو في حال استمر التصعيد والحصار".
وشدد برهوم، على أن " الاحتلال الإسرائيلي يتحمل المسؤولية الكاملة عن نتائج وتداعيات التصعيد على غزة".
بدوره، أكد القيادي في حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين أحمد المدلل أن "الشعب الفلسطيني في القطاع يعيش حالة من الخطورة بسبب الحصار والتصعيد الإسرائيلي المستمر، إضافة إلى جائحة كورونا التي فاقمت من معاناة غزة".
وشدد المدلل في تصريح صحفي على "أنَّ المقاومة الفلسطينية لن تقف متفرجة على هذه الحالة المأساوية، ولا يمكن أن تمنح المقاومة العدو الصهيوني ومستوطنيه في غلاف غزة الفرص بأن يتمتعوا برفاهية العيش، فيما شعبنا يعيش الحصار والجوع ويعاني من جائحة كورونا".
وأضاف المدلل: "العدو الصهيوني لن يكون في مأمن من النضال الفلسطيني"، مطالبا الجميع بـ"التدخل لإنقاذ غزة والضغط على العدو لفك الحصار، قبل أن تصل غزة إلى الانفجار، لأن الوضع لا يمكن أن يستمر بهذا الحال".
وطالب المدلل السلطة الفلسطينية بتحمل مسؤولياتها كاملة تجاه أهالي القطاع، وإعادة صرف المرتبات، وإرسال الميزانيات التشغيلية وجميع الاحتياجات للوزارات في غزة"، مؤكدا أن "القطاع يعيش كارثة إنسانية".
ولفت إلى أن "المنطقة لن تعيش حالة الاستقرار، طالما أن أهل غزة يضيق عليهم ولا يمتلكون أدنى مقومات العيش الكريم، إضافة لتوفير كافة المستلزمات الصحية في مواجهة جائحة كورونا".
وأكد القيادي أن "الأيام القادمة ستكون حساسة جدا، ولن يستمر هذا الحال، وغزة على شفا الانفجار"، لافتا إلى أن غرفة العمليات المشتركة لفصائل المقاومة في حراك مستمر، وسيكون لها كلمتها الفاصلة، ولن تعطي العدو الصهيوني الفرصة بأن يغير قواعد الاشتباك، كما أنها لن تقف متفرجة على المأساة المعيشية التي يعيشها أهلنا في القطاع".