شهد قطاع غزة أحداثا مأساويةً خارجة عن الدين والعادات بانتحار 5 أشخاص خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، مما أعطى مؤشراً خطيراً على الظروف الصعبة التي يعيشها مليونا غزي، يعانون من تردي في مناحي الحياة كافة، جراء الفقر والبطالة والحصار الإسرائيلي والانقسام الفلسطيني، إلى جانب جملة من العوامل الأخرى مثل المشكلات الاجتماعية والنفسية.
وشهد قطاع غزة ارتفاعاً واضحاً في معدلات الانتحار، إذ وصلت أعداد الحالات حتى تاريخ اليوم 24 أغسطس (21) حالة انتحارٍ بينها 5 حالات لأطفالٍ دون سن 18 عاماً، و4 حالات انتحار لنساء، وفقاً لمركز الميزان لحقوق الإنسان.
ويواجه الغزيون صعوبات اقتصادية جمة وحصار إسرائيلي خانق تفرضه قوات الاحتلال الإسرائيلي منذ 14 عاماً، وعلى الرغم من أنَّ العامل الاقتصادي أحد أهم عوامل الانتحار، إلا أنَّ عوامل اجتماعية، ونفسية، كانت بين الأسباب التي تقف وراء انتحار بعض الأشخاص الحصار الإسرائيلي وتفشي الفقر وارتفاع معدلات البطالة بين اوساط الشباب.
وأفاد مركز الميزان لحقوق الإنسان بأن ما لا يقل عن 21 شخصا قضوا انتحاراً، فما لم تتوفر لدى المركز إحصائية حول الحالات التي حاولت الانتحار، مع إشارة المركز إلى أنَّ عوامل الانتحار كانت مختلفة من حالة لأخرى، إذ لم تكن جلها ناتجة عن الفقر والحصار، إذ كان بعضها ناتج عن مشكلات اجتماعية ونفسية.
"الفقر أبو الشرور"
وتشير إحصائيات الاتحاد الأوروبي إلى أن الحصار والهجمات الإسرائيلية المتكررة التي يتعرض لها القطاع أدت إلى إضعاف الاقتصاد المحلي للحد الذي بات معه نحو 1.5 مليون شخص -أي حوالي 80% من إجمالي سكان غزة- يعتمدون على المساعدات الإنسانية.
ومنذ فرض الحصار في عام 2007 انخفض عدد الشركات في قطاع غزة من 3500 إلى 250 شركة، وفقا للمرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، كما أن حوالي 54% من العائلات في قطاع غزة تعيش تحت خط الفقر وفقا للتقرير.
كما أشار الموقع إلى أن الاجراءات الاحترازية التي اتخذت للحد من تفشي وباء كورونا فاقمت الأزمة الاقتصادية في قطاع غزة، وأدت إلى فقدان ما يربو على 26 ألف شخص وظائفهم في الأشهر الثلاثة الأولى من العام الجاري.
ليست ظاهرة..!
وأوضح الحقوقي مصطفى إبراهيم أن معظم حالات الانتحار خلال السنوات الثلاث الماضية كانت في فئة الشباب، خاصة الذين أعمارهم أقل من 30 عاماً، بنسبة تصل إلى 87%، وأكثر من النصف إناث.
ورغم الصدمة التي شكلتها حالات الانتحار المتكررة في غزة، فإنها لا تعد ظاهرة، حسب مختصين أمنيين ونفسيين، وذلك بالاستناد إلى المقاييس الدولية التي تعتمد على النسبة بين عدد الحالات وعدد السكان.
الأسباب والمعالجة
بدوره، قال سمير زقوت نائب مدير مركز الميزان لحقوق الإنسان :"إن حالات الانتحار التي حصلت في قطاع غزة بالآونة الأخيرة لم تكن مرتبطة بسبب واحد أو عامل أوحد، بل كانت لكل حالة خصوصية معينة، إذ أن عوامل الانتحار متعددة وغير مرتبطة فقط بمشكلة الفقر والبطالة والحصار الإسرائيلي".
وأوضح زقوت في حديث مع "فلسطين اليوم الإخبارية" أن ارتفاع مستويات الفقر والبطالة واحد من الأسباب التي كانت وراء إقدام بعض الحالات على الانتحار، مشيراً إلى انّ الفقر لم يكن السبب الوحيد في ارتفاع أعداد حالات الانتحار، إذ أنَّ هناك مشكلات اجتماعية، ونفسية، كانت وراء إقدام بعض الحالات على الانتحار.
وذكر أنَّ الفقر والبطالة والحصار ولدت آفات اجتماعية ونفسية كبيرة لدى الناس في قطاع غزة، مستشهداً بارتفاع معدلات الطلاق في صفوف الشباب الذين يتزوجون مبكراً.
وأشار إلى انَّ الفقر والبطالة خلقت آفات وأعباء كبيرة على كاهل الناس في غزة، وولد مشاكل اقتصادية، واجتماعية، ونفسية.
ودعا زقوت نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي لعدم إلصاق مشكلات الفقر والبطالة والحصار والوضع السياسي في جميع حالات الانتحار، كون عوامل الانتحار متعددة الأسباب، وتحصل في أكثر بلدان العالم رفاهية.
وذكر أنَّ معالجة آفة الانتحار تتطلب تضافراً لجميع الجهود في المجتمع، مشيراً إلى انَّ أول خطوة لمواجهة تلك الآفة تتمثل في معرفة الأسباب التي تدفع بعض الحالات للانتحار، وعليه يكون وضع أجندة عمل واضحة، وبناء استراتيجيات صالحة لمواجهة الانتحار.