شريط الأخبار

المطلوب تغيير الرؤية الفلسطينية للمفاوضات .. علي الجرباوي

11:17 - 27 تموز / فبراير 2009

بقلم: علي الجرباوي

واضح أن التصريحات المتوالية في الفترة الأخيرة من رئيس دائرة المفاوضات في منظمة التحرير الفلسطينية بان الجانب الفلسطيني لن يتفاوض مع أية حكومة “إسرائيلية” قادمة لا تعترف بحل الدولتين يُعبّر عن حالة من التبرّم والتململ، وربما عودة الوعي، في الأوساط التفاوضية الفلسطينية بشأن استمرار عملية التفاوض مع “إسرائيل”.

فهذه التصريحات، إن ثُبتت عملياً، تُغيّر من توجّه هذا الفريق الذي طالما اعتبر المفاوضات الخيار الاستراتيجي الوحيد أمام الفلسطينيين. واضح أيضاً أن هذه التصريحات تأتي الآن على ما يبدو بسبب فوز اليمين في الانتخابات “الإسرائيلية” التي جرت مؤخراً، وتحسبّاً من تشكيل حكومة يمينية لن يكون التفاوض معها مجدياً من جهة، ورغبة في التأثير إن أمكن على هذه التشكيلة قبل حدوثها، من جهة أخرى.

ولكن هذه التصريحات تتضمن أيضاً إرسال رسائل باتجاهات أخرى. أولها رسالة تستهدف الحدّ من موجة التذمر المتصاعدة لدى جموع الفلسطينيين من استمرار هذا العبث التفاوضي الذي لم ينتج عنه خلال السنوات العديدة الماضية سوى تكثف عملية الاستيطان وخنق الفلسطينيين في معازل متفرقة على أصغر بقع جغرافية ممكنة داخل الضفة المحتلة المفصولة عن القدس المضمومة ل “إسرائيل”.

وقد كان للحرب على غزة من ناحية، والانتقادات الحادة المتنامية لهذا المسار التفاوضي من قبل فصائل عديدة ومجموعات تتسع داخل حركة فتح نفسها من ناحية أخرى، تأثيرات ضاغطة على الأوساط التفاوضية الفلسطينية، ما أدى إلى بروز هذا التوجه الجديد. أما الرسالة الثانية فيبدو أنها مرسلة إلى الإدارة الأمريكية الجديدة، وموفدها إلى المنطقة جورج ميتشل، وذلك في محاولة للاستفادة من التغير الحاصل في واشنطن من خلال التأكيد على أن الصبر الفلسطيني قد عيل من عملية تفاوضية عقيم، وأن الأوان قد آن لتدخّل أمريكي فاعل لتعديل المسار.

بغضّ النظر عن الأسباب الكامنة وراء موجة التصريحات الجديدة والعناوين المرسلة إليها، ومع أن الرسالة المتضمنة توحي بإمكانية حدوث تحوّل فلسطيني ايجابي تجاه المسار التفاوضي، إلا أنه يجدر التنبيه إلى أن مضمون هذه التصريحات لا يكفي لضمان حدوث ذلك. فالمؤشر الذي يُبنى عليه استمرار التفاوض مع الحكومة “الإسرائيلية” القادمة، هو التزامها بحل الدولتين، يُعتبر مؤشراً فضفاضاً وملتبساً، ولا يستطيع أن يُنبئ بما يمكن أن يطمئن الفلسطينيين ويضمن لهم إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة والسيادية على حدود عام ،1967 كما هو الموقف الرسمي الفلسطيني. بل على العكس تماماً فان تقديم مثل هذا الالتزام من قبل أية حكومة “إسرائيلية” قد يؤدي إلى استمرار عملية التفاوض العبثية لمدة قادمة مفتوحة زمنياً، بينما لا يعطي ما يكفي من التزامات ومؤشرات فعلية وملموسة على جدّية تلك الحكومة في التوصل إلى تسوية سياسية مع الفلسطينيين، وليس فرض التسوية عليهم بالشروط “الإسرائيلية”. وعلى هذا الأساس يمكن تقديم الالتزام الشكلي بحل الدولتين من قبل أية حكومة “إسرائيلية”، مهما كانت تركيبتها وتوجهاتها. المقلق في الأمر بشكل عام، وفي فحوى التصريحات الفلسطينية الأخيرة، أن يُصبح “انتزاع” مثل هذا الالتزام من قبل الحكومة “الإسرائيلية” اليمينية “انتصاراً” فلسطينياً يفتح الباب مجدداً للعودة إلى مسار المفاوضات المعهود، فنكون قد “ربحنا” إعلاناً واستمرينا في مراكمة الخسارة الفعلية.

يبدو من المفيد والضروري في هذا السياق إعادة تكرار بديهتين أساسيتين. الأولى، أن خضم المعركة في هذا الصراع الدائر على أرض فلسطين مع الحركة الصهيونية منذ البداية وحتى الآن يتمحور حول الأرض وما عليها من سكان، وبالتالي هي معركة جغرافيا وديمغرافيا: من يستحوذ على أكبر مساحة من الأرض ويضع في فلسطين أكبر عدد من السكان. هكذا بدأ الصراع، وهكذا لا يزال مستمرا. وخلال قرن من الزمن استطاعت هذه الحركة، بمساعدة وإسناد حليفاتها الغربية، وفي مسلسل متوالٍ من استخدام القوة المفرطة في عمليات إرهاب وترهيب وحروب، من مذبحة دير ياسين وحتى الحرب على غزة الآن، أن تستحوذ على كامل أرض فلسطين. ولكنها مع ذلك فشلت، رغم توظيفها جميع الوسائل والأساليب، في تفريغ فلسطين من أهلها بالكامل. وبالتالي هي ربحت حتى الآن معركة الجغرافيا، ولكنها فشلت بشكل ذريع في حسم معركة الديمغرافيا التي سترتد عليها في المستقبل القريب. وعوضاً عن استخلاص العبرة الضرورية من هذا الفشل، والقبول بإعادة الأرض المحتلة عام 1967 للفلسطينيين في سبيل التوصل إلى تسوية مقبولة فلسطينياً للصراع، استمرت في منحاها العدائي محاولةً حشر الفلسطينيين في أصغر بقع جغرافية مفتتة ومعزولة عن بعضها البعض، داخل القدس والضفة المفصولة تماماً عن قطاع غزة. يتلخص الهدف من هذه العملية بالاستيلاء على وضم أكبر مساحة من الأرض الخالية من الفلسطينيين ل “إسرائيل”، ومنع الفلسطينيين مهما زاد عددهم من تهديد كيان الدولة “الإسرائيلية” ديمغرافياً من خلال تحويل تبعيتهم القانونية إلى سلطة أخرى تعمل تحت الإشراف والسيطرة “الإسرائيلية”، وهي السلطة الفلسطينية التي لا يراد لها التمتع بالاستقلال الحقيقي والسيادة المطلقة.

أما البديهة الثانية فتتمثل بأن حل الدولتين بالنسبة ل “إسرائيل”، بجميع مكوناتها السياسية الصهيونية، يعني سيادتها وسيطرتها على كامل فلسطين، ومن ثم عزل البقع الجغرافية التي تُحشر فيها الكثافة الديمغرافية الفلسطينية ومنحها حكماً مقيداً ومحدوداً، ولكن مع ترك الخيار للفلسطينيين والعالم بتسمية البقايا بما يشاؤون، أكان ذلك دولة أو حتى امبراطورية. وعند التمحيص نجد أن الخلافات في هذا المجال بين الأحزاب “الإسرائيلية” الرئيسية تبقى في واقع الأمر شكلية ومحصورة في تفاصيل هذه البقايا وطريقة تخريج نظام أبرتهايد “عصري” يحظى بالقبول الدولي، فمنها من هو أكثر حساسية من الآخر تجاه نظرة وعلاقة الخارج ب “إسرائيل”. بالتالي فان شارون وافق على حل الدولتين ولكن بعد أن قامت حكومته في حينه بتكبيل رؤية بوش بأربعة عشر تحفظاً أدت إلى إحالة الدولة الفلسطينية المرتقبة إلى معازل على 42% من مساحة الضفة المقلصة (بدون القدس الموسعة) ترتبط بعضها ببعض، وفقاً لرأي شارون المعلن، بأنفاق وجسور. أما العنصري المتطرف ليبرمان فهو أيضا لا يمانع في حل الدولتين إن عنى ذلك التطهير العرقي لفلسطينيي ،1948 بحيث يتم سحب جنسيتهم “الإسرائيلية” وضمهم إلى معازل “الدولة” الفلسطينية مقابل الأراضي المقتطعة من الضفة بهدف الضم إلى “إسرائيل”. أما ليفني التي أصبحت بقدرة قادرة تمثّل الوسط في “إسرائيل” فقد خاضت مفاوضات مطولة مع الفلسطينيين لم ينجم عنها شيء لأنها أيضاً تريد ضم الكتل الاستيطانية وتعارض تفكيك المستوطنات وتؤيد إيجاد “دويلة” فلسطينية هزيلة وتابعة ل “إسرائيل”. أما ايهود باراك فيجب فقط أن نتذكر مباحثات كامب ديفيد وما آل إليه بعد ذلك مصير عرفات لنستخلص أيضاً قدر محدودية الدولة الفلسطينية في منظور حزب العمل. وبالمحصلة، لا يوافق أي حزب “إسرائيلي” صهيوني على حق العودة، أو إعادة كامل أرض الضفة المحتلة عام ،1967 أو إرجاع كامل القدس الشرقية للفلسطينيين، بل توافق بعض هذه الأحزاب على منحهم سيطرة على بعض ما أصبح يُسمّى بالأحياء العربية في القدس الشرقية، وذلك من أجل التخلص أساساً من العبء الديمغرافي المشار إليه أعلاه.

يجب أن يتوقف عندنا مسلسل خداع الذات، فالمفاوضات التي جرت حتى الآن لم تكن عبثية فقط، بل ومؤذية للقضية الوطنية. فقد تغطّت بها “إسرائيل” أمام العالم منذ عام 1993 وغيّرت بواسطتها الواقع بوقائع مفروضة. وبقي المفاوض الفلسطيني مثل دون كيشوت يصارع طواحين الهواء ويمنّي النفس بتحقيق الاختراق ويعطي الشعب “حقن” الانجازات الوهمية. ونحن الآن لسنا بحاجة لانجاز وهمي جديد يتمثل بفرض التزام حل الدولتين على اليمين في “إسرائيل”. بل نحن الآن بأمسّ الحاجة إلى خط أسس مجرى جديد للتفاوض مع “إسرائيل”، بغضّ النظر عن حكومتها أكانت من اليسار أو اليمين. هذا المجرى يطلب من “إسرائيل” إثبات جدّية سعيها للتوصل إلى تسوية سياسية وفق حل الدولتين. وهذا يتطلب منها، كونها الدولة المحتلة المسيطرة، اتخاذ سلسلة إجراءات تدلل على صدق نواياها بأنها تريد التوصل إلى تسوية سياسية مع الفلسطينيين، وليس أن تفرض عليهم التسوية بشروطها. لذلك لا يمكن التفاوض مع أي كان في “إسرائيل” والاستيطان مستمر. هذه كانت غلطة كارثية يجب أن لا تتكرر الآن. كما ولا يجوز التفاوض والمعابر مغلقة والحواجز العسكرية تُقطّع أوصال الضفة وتفصل القدس عنها، والممر البريّ بين الضفة وغزة لا يزال حبراً على وثيقة الاتفاقية المرحلية التابعة لاتفاق أوسلو، وآلاف المعتقلين الفلسطينيين يقبعون خلف القضبان.

إن كانت “إسرائيل” جدّية، فعليها أن تتحرك إيجابياً في كل هذه الاتجاهات لتعطينا المؤشرات اللازمة للعودة إلى المفاوضات. إن كنا نحن جديين فعلينا أن نثبت على موقفنا ولا نعود للمفاوضات إلا بعد أن يتضح لنا الجديد من البينّات.

ليس المطلوب فلسطينياً رفع سقف الشعارات فيما يتعلق بالمفاوضات، بل المطلوب إحداث تغيّر جوهري واستراتيجي في الرؤية الفلسطينية للمفاوضات.

انشر عبر