ادخل كلمات البحث ...

^200 مثال: حكومة التوافق الفلسطيني

الأكثر رواجا Trending

مشاركة

بقلم: عبد الرحمن شهاب

منذ أن قامت إسرائيل بقصف دمشق والتسبب في قتل ناشط حزب الله علي محسن؛ وهي تشعر بالمأزق الذي دخلت إليه، عشرات المقالات كُتبت في الصحافة الإسرائيلية التي يتابعها الحزب بدقة من أجل التأكيد على أن مقتل محسن لم يكن مقصودًا، كما ارسلت رسائل تحذيرية عن طريق الأمم المتحدة للحزب مفادها بأنها لم تكن تقصد استهداف الكادر المذكور.

في مشوار بناء وتآكل الردع، يمر الطرفان بمراحل استكشاف حدود الآخر، ربما بالفعل إسرائيل صادقة في قولها بأنها لم تكن تعلم بوجود الشهيد، لكنها في نفس الوقت أيضًا لو علمت بوجوده لاستهدفته؛ ولكنها راضية عن النتيجة بأنها قتلته دون أن يبدو أنه استهداف خاص له.

بهذه الطريقة، إسرائيل استطاعت أن تضع الحزب في موقف إشكالي مع تعهداته بالرد على أيّ إصابة بشرية لرجاله، وتثبت له بأنها لم تكن تستهدف الناشط، بدليل من الماضي قبل شهرين وبإثبات مصور خلال قيامها بتاريخ 15/4/2020، وخلال سعيها لإحباط نقل عتاد أمني إلى لبنان؛ استهدفت سيارة للحزب لكنها فعلت ذلك بعد أن سمحت لراكبي السيارة بالخروج منها، بل العودة لأخذ العتاد والتأكد من أنهم لم يبقوا شيئًا في السيارة، حتى إنهم تأكدوا من إغلاق أبواب السيارة، وكأن إسرائيل تؤكد لحزب الله أنها لن تمس بهم حتى لو كان على حساب فشل أهداف العملية.

هو بالفعل موقف إشكالي للحزب، فهل يقوم برد على مقتل ناشط بالخطأ، خصوصًا وأن الرد قد يجرّ المنطقة إلى تصعيد منفلت غير محسوب؟ هل يقوم الحزب بهذه الخطوة، خصوصًا في ظل زيارة رئيس الأركان المشتركة الأمريكي مارك ميلي لإسرائيل قبل أيام وزيارته لقاعدة "نفاتيم" الجوية، ولقائه مع جميع القيادات الإسرائيلية لبحث موضوع إيران والتحديات الأمنية في المنطقة؟

لا شك بأن منطق الرد ليس بالمستوى الذي يعتمد عليه الحزب في تأصيل شرعية المقاومة، خصوصًا وما زال يخيم فوق رأس السيد حسن نصر الله مقولته الشهيرة بعد حرب لبنان الثانية بانه لو قدّر بأن إسرائيل برئاسة أولمرت وعمير بيرتس ستخوض حربًا على خلفية خطف جندييْن لما قام بعملية الخطف؛ من هنا يُمكننا القول بأن الحزب أكثر عقلانية واتزانًا من ان يأخذ المنطقة لحرب يرغبها الكثيرون في العالم، من أجل خلط أوراق رتبها الحزب، وحضور الإيراني في المنطقة أصبح جزءًا من تشكلها المستقبلي في ظل توزيع المنطقة العربية بين تركيا وإيران وانحسار إسرائيل وأحلافها العرب؛ بل تراجع دور دول "سايكس بيكو" التي شكلت الدول العربية في محيط متسق مع الحفاظ على دولة إسرائيل.

أما بالنسبة لإسرائيل، فمقتل الناشط شكّل فرصة لاكتشاف جدية الحزب والوقوف على توجهاته واستعداده قبل المواجهة الكبيرة، خصوصًا خلال المأزق الاقتصادي الذي يعيشه لبنان، فطبيعة الرد تشير الى الجهوزية للرد الإسرائيلي على الرد.

لكن ما الذي حصل على الحدود الشمالية بالأمس؟

بالتأكيد، الاستعدادات الإسرائيلية عالية جدًا والتوتر في قمته، وهناك أجواء موجة حر عالية تدفع بالإسرائيليين إلى الشمال للاستجمام، ممّا يزيد تعقيد الموقف الإسرائيلي وتوتره، كما ان الحدود الشمالية ليست مغلقة تمامًا من قبل الجيش الإسرائيلي، فهناك المهربين والمتسللين الذين لا يتوقفون عن اختراق الحدود، الأمر الذي يستغله الحزب من أجل الاقتراب من السياج والقيام بالمهمات الاستخبارية بشكلها الواسع، وربما من ضمنها أيضًا التسلل.

في تقديري، إن الوقت غير مناسب لحزب للقيام بعملية عسكرية خصوصًا قبل عيد الأضحى، حيث ينزل السكان اللبنانيين بكثرة إلى الجنوب، ولكن هذه ربما خلية أمنية للحزب قامت بعمل إما تمويهي وإما استطلاع أو حتى مناورة استكشافية لتفحص استعدادات العدو.

العدو مرتبك، لقد تفاجأ بالمجموعة، وقد تسللت إلى داخل فلسطين المحتلة، فبدأ بإطلاق النار العشوائي حتى تقريبًا نصف ساعة من الحدث، والجيش نفسه ليس لديه صورة كاملة، المعلومات متضاربة من الحديث عن إطلاق صاروخ "كورنيت"، وعن مقتل أفراد المجموعة، وأحيانا الحديث عن حدث أمني في مناطق أخرى على الحدود، وهذا نابع من حالة الاستنفار القصوى التي تؤدي إلى إطلاق النار في اتجاهات دون التأكد إن كانت نيران صديقة أم عدوة.

في القيادة الإسرائيلية، نتنياهو وغانتس، في مقر وزارة الدفاع تنفسوا الصعداء عندما وصلت التقارير بأنه لا إصابات في صفوف الإسرائيليين، حيث اعتبروا أنفسهم تجاوزا مسالة رد الحزب بسلام، لكن عندما اتضحت الصورة بأن أعضاء الخلية لم يطلقوا النار، وأن كل النيران المجنونة كانت إسرائيلية؛ أدركت القيادة أنها ما زالت في خضم الحدث، وأن الحزب تلاعب بهم واستفرغ توترهم العالي في الهواء، بل واتهمهم بإدارة مسرحية. وفي الحقيقة، فإن المسرحية بدأت بعد اتضاح الصورة، حيث حاول نتنياهو وغانتس تقليل الحديث للحد الأدنى في مؤتمرهما الصحفي لإعطاء تصور للعالم بان الحزب باختراقه "السيادة الإسرائيلية" إنما قد قام بالرد وأغلق ملف الحدث.

الحزب - كما نعرف - لم يقبل بالرواية واعتبر عدم الاشتباك يعني عدم الرد، وأن الرد التقليدي العسكري هو الرد، محاولًا تثبيت معادلة أخرى وهي أن التسلل للحدود الفلسطينية يعتبر عملًا أمنيًا ليس في حدود الهجوم وعمليات الرد العسكرية.

لا زال الموقف متوترًا، لكن في تقديري أقل توترًا من قبل الحدث، لأن الحزب لن بقوم بعملية رد في نفس المكان، ولا في هذا الزمان، أي قبل عيد الأضحى.