ادخل كلمات البحث ...

^200 مثال: حكومة التوافق الفلسطيني

الأكثر رواجا Trending

مشاركة

منذ انتهت الحرب الباردة في أعقاب انهيار الاتحاد السوڤييتي، سرعان ما تَجَدَّد، اليوم، في صورة استقطاب اقتصاديّ وتجاري وعلمي بين القوّتيْن الرئيسيتيْن: الولايات المتحدة والصّين.

لن تمنع الانكفائيّة الأمريكيّة، المرتقب تَعاظمُها بعد جائحة كورونا، من أن تستمرّ الإدارةُ الأمريكيّة في الدّفاع عن مصالحها في العالم التي تتهدّدُها المنافسَةُ من القوى الكبرى الصّاعدة. ستفعل ذلك لا بدافع المشاركة في شؤون النّظام الدّوليّ وإدارة مشكلاته وأزْماته من خلال المؤسّسات الدّوليّة، وإنّما بدافع الدّفاع عن المصالح القوميّة، في المقام الأوّل، والحدّ من مخاطر إلحاق الأذى بها من القوى المنافسة، بل حتّى محاولة منع القوى المنافسة من حيازة أسباب النّفوذ في العالم، وخاصّةً في المناطق المحسوبة مناطق نفوذٍ حصريّ للولايات المتّحدة. ومن نافلة القول أنّ الانكفائيّة لا تعني الجنوح للسّلام والهدنة مع مَن هُم خارج الحدود القوميّة؛ إذ في الانكفائيّة قدْرٌ من الذّعر، والمذعورُ - بطبيعته - لا يطمئنّ على نفسه، كما لا يمنح غيره الشّعورَ بالطّمأنينة والسّلام.

وليس من شكٍّ في أنّ الاستقطاب الدّوليّ، الذي تولّد من حقبة ما بعد الحرب العالميّة الثّانيّة، انتهى في صورةٍ تاريخيّة منه - هي الاستقطاب الإيديولوجيّ والعسكريّ بين العظمييْن - منذ انتهت الحرب الباردة في أعقاب انهيار الاتّحاد السّوڤييتيّ، غير أنّه سرعان ما تَجَدَّد، اليوم، في صورة استقطاب اقتصاديّ وتجاريّ وعلميّ وتكنولوجيّ بين القوّتيْن الرئيسيتيْن فيه: الولايات المتّحدة والصّين الشّعبيّة. ولقد بدأت وقائعُ ذلك تُفصح عن نفسها منذ مطلع العقد الحالي، غير أنّه ظلّ إفصاحًا غيرَ ذيِ تبعاتٍ صِداميّة في ظلّ الإدارة الدّيمقراطيّة السّابقة في واشنطن. لكنّ وصول دونالد ترامپ إلى سدّة الرئاسة غيّر من درجة حرارة ذلك الاستقطاب وخَلَعَ عليه قدْرًا من الحَماوة السّياسيّة المصحوبة بالتّهويل الإعلاميّ من «الخطر الصّينيّ» عبر دبلوماسيّة التّويتر. ولم تكن عاصفة كورونا الهوجاء قد هبّت، حتّى كان مسرح المنافسة قد أُعِدّ لاستقبال مشهدِ صراعٍ لا يُعْلَم إلى أيّ مدًى قد يصل.

لم تَخْسَر الصّين وحدها في الحرب التّجاريّة، منذ دشّنها قرار ترامپ - في العام 2018 - بفرض رسوم جمركيّة على سِلع صِينيّة، تبلغ قيمتها خمسين مليار دولار، بل خسرت فيها الولايات المتّحدة، أيضاً، حين ردّت الصّين على القرار، بقوّة، ففرضت رسوماً جمركيّة على ما يزيد على مئة وعشرين منتوجاً أمريكيًّا. هكذا دخلت الدّولتان الكبيرتان طوراً من الصّراع الحادّ، خاصّةً بعد أن أَتْبَعَت إدارة ترامپ قرارها الأوّل برفع التعرفة الجمركيّة على سِلع صينيّة تبلغ قيمتُها المئتيّ مليار دولار بما يتجاوز ضعف نسبة التّعرفة. أمّا الدّافع إلى الصّراع هذا فاعتقادُ ترامپ وإدارته بأنّ الصّين مسؤولة عن العجز التّجاريّ الذي يعانيه الاقتصاد الأمريكيّ حيال الصّين. أمّا الصّين، من جهتها، فتفهم العجز ذاك بما هو تعبير عن تحوّلٍ عميق في بنية الولايات المتّحدة التي تحوّلت، منذ مطلع القرن الحالي، من دولة منتجة إلى دولة مستهلكة للمنتوجات الأجنبيّة، خاصّةً الصّينيّة.

ولكنّ الحرب الاقتصاديّة هذه لم تنحصر في التّجارة، بل تعدّتها إلى التّكنولوجيا والإنتاج التّكنولوجيّ. وكما كانت الحرب التّجاريّة الأمريكيّة على الصّين منتهِكة لمبدأ التّجارة الحرّة، كذلك تمثّل الحرب التّكنولوجيّة محاولة لنسف مبدأ المنافسة العلميّة والتّقانيّة. ومع أنّ الولايات المتّحدة تكاد أن تحتكر صناعة تكنولوجيا المعلومات في العالم، من خلال شركاتها الكبرى العاملة في هذا المجال (أبل، جوجل، أمازون، فيسبوك)، إلاّ أنّها أبدت ضِيقاً شديداً من التقدّم التّكنولوجيّ الصّينيّ الهائل، وكان ذلك في أساس إقدام إدارة ترامپ على قرار حظر منتجات شركة هواوي الصّينيّة في الولايات المتّحدة (في مايو 2019).

وما من شكّ في أنّ الصّين لن تبقى مكتوفة اليديْن أمام خطورةٍ من هذا النّوع تُلحِق أبلغ الضّرر بصناعتها التكنولوجيّة: الصّناعة التي يبدو أنّها باتت معقِد رهان الصّين في صعودها الاقتصاديّ الكبير لاحتلال المركز الأوّل في العالم.

سينقشع غبار كورونا على مشهدٍ صراعيّ بين الدّولتين أشدِّ حدّةً ممّا كأنه صراعهُما قبلاً. يعزّز ذلك ما توحي به حملات ترامب والبيت الأبيض على الصّين و«مسؤوليّتها» في «إخفاء المعلومات» عن الفيروس (الشيء الذي تنفيه «المنظّمة العالميّة للصّحّة» واستحقّت عليه العقاب الأمريكيّ!)؛ كما يُوحي به تعاظُم الاحترام للصّين في العالم وعلوّ منزلة نظامها الصحي والتّكنولوجي ونجاحه في مواجهة امتحان كورونا. وإذا أضفنا إلى ذلك المشكلات الكبيرة التي دخل فيها الاقتصاد الأمريكي، بعد تجربة الوباء، وحالة الكساد والوهن التي ستترتّب عنها، اجتمعت الأسباب الحاملة على الاعتقاد بأن الاستقطاب الأمريكي - الصّيني سيلج طوراً من الاحتداد غير مسبوق.