الفلسطيني الذبيح- د. غانية ملحيس

الساعة 07:20 م|22 يونيو 2020

فلسطين اليوم

د. غانية ملحيس ـ مركز مسارات ـ 20/6/2020

لم أجد عنوانًا أدق لوصف حالتنا الفلسطينية الراهنة إلا استعارة وصف استخدمه شاعرنا الكبير إبراهيم طوقان في رائعته "الحبشي الذبيح" عند وقوفه يومًا برجل على جانب الطريق في بيروت - حيث كان يدرس في ثلاثينيات القرن الماضي بالجامعة الأميركية - وشاهده يذبح ديوكًا يعدها للمحتفلين برأس السنة، فهاله يومها ألا يقوم السرور إلا على حساب الألم، وأنشد قصيدته التي تصف سلوك الضحية بقوله:

"وجرى يصيحُ مُصفِّقًا حينًا فلا .... بَصرٌ يزوغُ ولا خُطىً تتنكَّبُ

حتى غَلَتْ بي رِيبَةٌ فسألتُهم: .... خانَ السِّلاحُ أَمِ المنيَّةُ تَكذبُ؟

قالوا حلاوةُ روحهِ رقصتْ بهِ .... فأجبتُهم ما كلُّ رقصٍ يُطرِبُ

" هيهاتَ، دونَكَهُ قضى، فإذا بهِ ..... صَعِقٌ يُشرّق تارةً ويُغرِّبُ

وإذا به يَزْوَرُّ مختلفَ الخُطى ..... وزكيّةٌ موتورةٌ تَتصبَّبُ

يعدو فيَجذِبهُ العياءُ فيرتمي .... ويكادُ يَظفرُ بالحياة فتهربُ"

ما أشبه حال الشعب الفلسطيني اليوم بحال الديك الذي خصه صاحب نشيد موطني بقصيدة، والذي مضى على رحيله 79 عامًا (في 2 أيار/مايو 1941 )، قبل ان يرى موطنه "سالما منعّما وغانما مكرّما".

وما تزال روح الشاعر الفلسطيني - الذي قضى في السادسة والثلاثين من عمره - تسير هائمة في سماء فلسطين والوطن العربي، جزعة من تحقق مخاوفه - بعد عقود ممتدة من النضال ومئات الآلاف من الشهداء والجرحى والأسرى وملايين اللاجئين- تصدح بالألم الذي عبر عنه بقوله :

" وطني، أخاف عليك قومًا أصبحوا .... يتساءلون: مَنِ الزعيمُ الأليقُ؟

لا تفتحوا بابَ الشقاقِ فإنهُ .... بابٌ على سُودِ الحوادثِ مُغلَق

واللهِ لا يُرجى الخلاصُ وأمركم .... فوضى، وشملُ العاملين مُمزَّق"

مناسبة هذه الاستعارة لقصائد الشاعر الكبير، توصيفه الدقيق لوضعنا الراهن الذي يعكسه تزايد منسوب العرائض والبيانات والرسائل الموجهة من نخب وطنية وثقافية فلسطينية للجمهور الفلسطيني للتوقيع عليها، سعيًا إلى توفير الضغوط الشعبية لوقف حالة الانهيار المتسارع الذي تشهده الساحة الفلسطينية خصوصا، والساحات العربية عموما، التي ينذر استمرارها بكوارث قد تفوق في قسوتها وتداعياتها التدميرية مجمل ما شهدناه من نكبات وكوارث على امتداد أكثر من قرن. حيث يتكالب الطامعون الأجانب في بلادنا المستباحة من محيطها إلى خليجها. فيما تواصل النخب في دوائر الحكم والمعارضة على السواء ترف خلافاتها البينية، والاختلاف على من تستعين به وتتحالف معه من القوى الأجنبية المتنافسة على بلادنا، لمواجهة خصومها من الشركاء الاصيلين في هذه الأوطان المنكوبة. فيما الشعوب المغلوبة على أمرها منشغلة عن مواجهة العبث الذي وضعها أمام خيار المفاضلة بين الوطن وبين لقمة العيش - فقررت اعتزال السياسة مؤقتًا، والمضي قدما في البحث عن سبل البقاء، إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.

ربما ليس من العقل والحكمة لباحثة مثلي، التصدي علنا لمهمة مناقشة ثلاثة مبادرات متتالية لجهات وطنية مرموقة، لها تاريخها النضالي الوطني الحافل وعطاؤها الفكري والثقافي النوعي الذي يحظى بتقدير شعبي واسع.

المبادرة الأولى للعلامة د. سلمان أبو ستة، في رسالته الموجهة إلى رئيس المجلس الوطني الفلسطيني سليم الزعنون في الثالث والعشرين من ايار الماضي، يطالبه فيها " بحل المجلس الحالي والدعوة إلى انتخابات جديدة لكافة الشعب الفلسطيني في العالم. وكخطوة ابتدائية نقترح دعوة شخصيات وقوى شعبية لا يقل عددهم عن 300 من انحاء العالم لوضع مسودة أولى لخطة عمل لإنقاذ المشروع الوطني الفلسطيني، وهدفها انتخاب مجلس وطني جديد. وهذا يستدعى تكوين لجنة تحضيرية صغيرة معظمها من الشباب موزعه جغرافيًا،لهم معرفة بظروف التواجد الفلسطيني في العالم".

والدكتور سلمان أبو ستة الذي انتخبه آلاف المشاركين في المؤتمر الشعبي لفلسطينيي الخارج الذي انعقد في مدينة اسطنبول بتركيا بتاريخ 25-26 فبراير/ شباط 2017 تحت شعار "المشروع الوطني… طريق عودتنا" رئيسا للهيئة العامة لفلسطينيي الخارج. فهو أشهر من أن يعرف، بما قدمه لفلسطين ونذر عمره له، وأسفر عن نتاج بحثي نوعي لم تقو على مثله مؤسسات بحثية مرموقة. وهو أعظم وأكبر من أن يجرؤ أمثالي على الاختلاف علنا مع ما يراه أولوية أولى في هذا التوقيت.

والمبادرة الثانية لنداء موجه للشعب الفلسطيني أطلق رسميا في السادس عشر من حزيران الجاري - بعد ثلاثة اسابيع من الحوار بين نخبة من المسكونين بالهم الوطني الفلسطيني حول صيغته، ونشر في الصحافة والمواقع الإلكترونية تحت عنوان "نحو انتخاب مجلس وطني لإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية"، ويحمل تواقيع مئات اسماء المفكرين والقانونيين والكتاب والصحفيين والناشطين المرموقين من كافة اماكن تواجد الشعب الفلسطيني، وما تزال التواقيع تتوالى على النداء للضغط من اجل إجراء انتخاب لأعضاء المجلس الوطني الفلسطيني، باعتبار ذلك أولوية أولى للتأسيس لتغيير المشهد الفلسطيني، ولتجديد الحركة الوطنية الفلسطينية، وإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية كرافعة للنهوض الوطني، ومؤتمنة على حمل راية المشروع التحرري الفلسطيني حتى بلوغ اهدافه.

فالمناقشة العلنية لهذا النداء، بما يحمله من توقيعات لشخصيات وازنة، امر يتعذر على العقلاء الاقتراب منه، خصوصا من باحثة فلسطينية منفردة، تشاركهم الهم الفلسطيني وتتشارك مع الكثيرين منهم عناء التفكير في استشراف سبل وقف الانهيار والتأسيس الصحيح للنهوض.

أما المبادرة الثالثة فهي نداء نشره الصديق د. عبد الرحمن بسيسو على موقعه الإلكتروني في السادس عشر من حزيران الجاري، يدعو فيه "من يرغب من الفاعلين المجتمعيين والنشطاء وصناع الرأي الفلسطينيين للتوقيع على وثيقة عنونها بـ "نداء من فلسطين إلى شعوب ودول العالم"، لوقف تنفيذ قرار الضم الرسمي لأراض في الضفة الغربية، والذي توافق عليه الائتلاف الحكومي في الكيان الصهيوني وأيدته حكومة الولايات المتحدة الأميركية.

ما يدفعني للمغامرة المحفوفة بالمخاطر، بمناقشة علنية لمبادرات لا اختلاف على مضمونها الوطني وصدق أهدافها وغايات القائمين عليها وجلهم من الوطنيين الفلسطينيين الخلص، الذين يشهد عليهم تاريخهم النضالي الطويل الممتد لعقود عدة، أسباب عديدة:

يتصل أولها بماهية التغيير الذي يمكن ان يحدثه جيلنا المخضرم في الواقع المتردي القائم، الذي ساهم كل منا - بدرجات مختلفة - في تشكيل وقائعه. عبر الاشتراك الفعلي في الأطر الفكرية والثقافية والتنظيمية والحزبية والنقابية التي تولت مسؤولية قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، ولم تستطع ان تمنع انحراف بوصلتها خلال مراحل النضال الطويل.

تارة بالتغاضي عن خطايا جسيمة تراكمت تداعياتها عبر عشرات السنين منذ إقرار برنامج النقاط العشر عام 1974، والذي شرع لفكر ونهج استبدال الهدف الاستراتيجي بمواجهة المشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني العنصري في فلسطين الذي بدا تنفيذه في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، ونجح بتواطؤ رسمي عربي واقليمي ودولي في اقامة الكيان الصهيوني فوق الجزء الفلسطيني الذي تم استئصاله من الوطن الفلسطيني عام 1948/ 78%، واسس للاستعاضة عن إحقاق الحقوق الوطنية والتاريخية الثابتة للشعب العربي الفلسطيني في ارض وطنه ومرتكزها الحرية والعودة وتقرير المصير وبناء الدولة الديموقراطية على كامل التراب الوطني الفلسطيني، واستبداله بهدف تكتيكي أسماه آنذاك " بالبرنامج المرحلي"، لتحرير ما استجد استعماره من بقية أراضي الوطن الفلسطيني /22%/ الذي توسع وتمدد فيها ذات المشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني الإجلائي - الإحلالي بعد هزيمة عام 1967.

وتارة ثانية بالتقاعس عن مواجهة هذا الانحراف، وما تقتضيه عملية المواجهة من تحمل أعباء التصدي الفاعل له.

 وتارة ثالثة بالاكتفاء بالاعتراض والخروج من الأطر، والانكفاء في زوايا المراقبة والنقد والتحذير الذي - رغم اهميته - بقي عاجزًا عن بلورة رؤى بديلة تستقطب قواعد جماهيرية واسعة توقف الانحراف وتمنعه، وتؤسس لاستعادة بوصلة المشروع التحرري.

بكلمات اخرى، فان جيلنا المخضرم يتحمل مسوؤلية تشاركية متفاوتة الحدود في تشكل الواقع القائم، ما يفقدنا بنظر غالبية أبناء الشعب الفلسطيني داخل الوطن وفِي الشتات، الأهلية لقيادة عملية التغيير المطلوب إحداثه لانتقال نوعي يؤسس للنهوض الوطني الشامل. ويبقينا في دوائر النخب العاجزة عن إطلاق مشروع تحرري حقيقي يمتلك مقومات الانتصار.