د رمضان : الداعية .. المفكر .. السياسى ... (الجزء الأول)

الساعة 07:40 م|14 يونيو 2020

     بقلم : أحمد المدلل

         الجزء الأول

   وددت الكتابة عن الدكتور رمضان عبدالله منذ اللحظات الاولى من وفاته ، ولكنّى تأنيت حتى تستجمع ذاكرتي ما عرفته عنه وحتى أضع الامور في نصابها وأوفيه بعض حقه ... الفاجعة كبيرة والخسارة أكبر ...وفى لقاءات اعلامية متعددة تناولت بعض الجوانب في شخصية الدكتور رمضان كما عرفته ...  وقد امتلك  الدكتور رمضان - رحمه الله- والذى عرفناه منذ اربعين عاما شخصية عصامية التكوين، متكاملة الابعاد، متشابكة المهمات، وقوية الحضور ... إنه الاستاذ الجامعي الذى لم تُسجِّل عليه الFBI  ( مكتب التحقيقات الفيدرالي الامريكي) حتى ولا مخالفة سيارة طوال سنوات وجوده في أمريكا ( كما أوردت الصحف العالمية     عندما أُعلن عن توليه قيادة الحركة حينها) ... وهو نفسه  الذى تزعم حركة  فلسطينية سياسية مقاتلة كبيرة لها حضورها المجتمعي والفكري والسياس والعسكري وتخوض صراعا وجوديا مع الاحتلال الصهيوني  ... وأدار العمل العسكري داخل فلسطين ضد العدو الصهيوني بامتياز  من خلال كم العمليات البطولية التي خاضها مجاهدو سرايا القدس خلال العشرين عاما التي قاد فيها د رمضان حركة الجهاد الاسلامي والتي تضاعفت قوة الحركة في عهده أضعافا كثيرة... وايضا الشخصية التي يمتلك الكاريزما والهيبة والاطلالة القوية والمؤثرة وقوة الأداء في كل المحافل التي كان حاضرا فيها من مؤتمرات وندوات ومحاضرات ولقاءات على وسائل الاعلام ، أما في الجلسات الخاصة مع الأقارب والاصدقاء  والزائرين من غزة تنطلق النكات ويستحضر ذكريات الشجاعية وعائلاتها وأزقتها وشوارعها ويتحدث بلهجتها... رحل القائد الكبير جسدا وبقيت روحه وإرثه وعطاؤه وأثره ...

هكذا عرفناه، وما يهمني أنه جمع ثلاث صفات يمتلكها ويتميز بها كأهم رموز وقادة " الحركة الاسلامية المعاصرة " 

أولا - الداعية والخطيب :  قرأ القرآن وعلومه والسنة والسيرة النبوية والعلوم الشرعية وكان خطيبا مفوها وواعظا تميز بطريقة الالقاء القوية وبقدرته على الربط بين ما تلقاه من علم شرعي وفقهي وما حصّله من مواضيع فكرية خلال اعتماده الدراسة الذاتية والدراسة الجمعية منذ صغره فقد كان للوقت عنده قيمة كبيرة للاستزادة في القراءة والتعلم  الى أن تعرف على د فتحي والشباب الفلسطيني المسلم الذين صقلتهم الدراسة الجامعية بمزيد من الاطلاع والمعرفة ... واستطاعوا ان يبلوروا حينها فكرة  تشكيل تنظيم اسلامى باسم( الطلائع الاسلامية) والذى تغير بعد عودة الاخوة الى فلسطين وعُرف باسم ( الجهاد الاسلامى)  وبدأوا فى وضع مناهج للأسر تعتمد فى الأساس على تعلّم القرآن والسنة النبوية والسيرة والفقه والاداب والرقائق ... استطاع حينها الدكتور رمضان أن يتحصّل على كم كبير من العلوم الشرعية والقضايا الفقهية والحركية التى تدارسها الجيل الاول فى الحركة  فى أُسَرٍ حركية خاصة  تم تشكيلها منذ البدايات  ومن ثَمّ أصبحوا أمراء للأسر التى شُكّلت فيما بعد   ... هذا كله إضافة الى الموهبة الخطابية التى امتلكها والتى أهَّلته ليكون واعظا وخطيبا يتقدم ليخطب فى الناس خطب الجمعة والدروس الدينية بعد الصلوات الخمس المفروضة فى مساجد غزة الاصلاح، الرحمن ، بن عثمان ، عنان(حسن البنا) وغيرها من مساجد القطاع وقد كان عدد خطباء الحركة حينها يُعدون على أصابع اليد ... وهو في العشرينيات من عمره يمتلك همة وإبداع الشباب المتعلم والمثقف والمتدين  طالب بإحياء السنة النبوية بأن تكون صلاة  العيدين في العراء وتقدم بنفسه ليخطب فى الناس في منطقة الشجاعية ومن ثم انتقلت الى باقي مناطق قطاع غزة من رفح حتى بيت حانون ولا زالت منذ ذلك الحين تؤدى في العراء ... واحياء هذه السنة تُحسب لحركة الجهاد الاسلامي التي لم تُرهبها مخابرات الحكم العسكري الصهيوني التي كانت تلاحق تحركات رموزها وكوادرها حينها وارسال الاستدعاءات وتنفيذ الاعتقالات ضدهم واحيانا مهاجمة المصلين ومحاولات لافشال أداء صلاة العيدين فى العراء التى أبدع فيها خطباء الجهاد الإسلامي حينها ، ولم تكن الخطب التي يؤديها الدكتور رمضان وغيره من خطباء الجهاد تقليدية أو تُلقى على المصلين عن ورقة مصفرة يتم اعتمادها دوريا من قبل الشيخ المعمم كما جرت العادة ولكنها جاءت بشئ جديد وبشكل مُبدع  ومواضيع فكرية وسياسية لم يتعود عليها المصلون ، وتميزت خطبهم حول الاسلام كعقيدة وشريعة ونظام حياة وسلوك واخلاق وقيم ،  وسياسة وتحرير  وثورة ، والربط بين الاسلام وفلسطين والجهاد ... وكذلك الربط بين الاسلام وقضايا الأمة المعاصرة ، واهمية اداء العبادات في حياة المسلم التي تبدأ بتطهير النفس من عوالق الدنيا والمعاصي والآثام والعمل من اجل الاخرة ، ومن ثم نصرة المستضعفين والوقوف في وجه الطغاة والمستبدين وتحرير الارض من الصهاينة الغاصبين ، والحديث عن القضية الفلسطينية بأبعادها العقائدية والتاريخية والواقعية ،  وكان يتميز د رمضان بخطبه الحماسية المؤثرة ، وقد تميز أيضا حينما كان يتقدم خطيبا في باحات المسجد الاقصى في وجود الدكتور فتحي رحمه الله وقيادة وكوادر الحركة من قطاع غزة والضفة وكل انحاء فلسطين  وقد كانت الحركة حينها تُجيّش الجماهير عبر باصات تنقلهم الى المسجد الاقصى للاعتكاف في الليالي العشر الاخيرة من رمضان وإحياء ليلة القدر هناك وكان يغص المسجد الاقصى بعشرات الاف المصلين من كل أنحاء فلسطين ويكون التحشيد أكثر وأكثر في الجمعة الاخيرة(اليتيمة) من رمضان وقد أطلق عليها الامام الخميني فى بدايات انتصار الثورة الايرانية  ( يوم القدس العالمي) وقد كان مُلْهِما بثورته للحركات الاسلامية وشبابها فى العالم كله... أذكر حينها كيف كان يتألق الدكتور رمضان عندما يقف خطيبا على مصطبة صبرا وشاتيلا والتى كانت حديثة البناء ( أقامها المقدسيون تخليدا لشهداء مجزرة صبرا وشاتيلا التى ارتكبها شارون بمساعدة الكتائب المارونية اللبنانية ضد الفلسطينيين فى مخيم صبرا وشاتيلا بعد خروج قوات منظمة التحرير من لبنان فى  عام 17/9/1982 واستشهد فيها 3500 شهيداً من الفلسطينيين