لم تكن نشأة دولة الكيان الصهيونى طبيعية ولا تزال معالم الجريمة التى ارتكبتها العصابات الصهيونية ضد الشعب الفلسطينى بارزة وآثارها حاضرة ومشهودة ... لم يكن بمقدور العصابات الصهيونية لوحدها أن تحسم المعركة مع اصحاب الارض الذين استبسلوا فى الدفاع عن أنفسهم وقراهم ومدنهم وارضهم بالرغم من قلة الامكانيات ، لكن الانتصار الذى حققته هذه العصابات واستطاعت إقامة دولتها عام ١٩٤٨ والتوسع الذى حققه المشروع الصهيونى بعد ذلك ولا يزال يفرض قوته وتمدده الذى ليس له حدود كما أنه يفرض وقائع جديدة ليس فقط على مستوى فلسطين بل على مستوى المنطقة العربية والاسلامية والعالم كله والذى أُصطلح على تسميته المشروع الصهيوأمريكى وقد يتغير مستقبلا اذا تعرضت الامبراطورية الأمريكية للانهيار ... لكن نواة المشروع المركزية هى الدولة التى أقيمت على أرض فلسطين . وقد اعتمد فى إقامتها على أربعة دعائم اساسية :
1- ضعف العالم العربى : والذى خضع لهيمنة وسيطرة الغرب فى بدايات القرن العشرين . وساعد الغرب بالانقضاض على الخلافة العثمانية ولم يحقق له الغرب احلامه بخلافة عربية ثم جاءت اتفاقية سايكس-بيكو بتجزئة العالم العربى خصوصا دول الجوار لتسيطر بريطانيا على مصر والعراق والاردن وفلسطين وتتحكم فى سياسات هذه الدول بنفس ما فعلته فرنسا التى سيطرت على سوريا ولبنان . واصدار وعد بلفور باقامة وطن قومى لليهود على ارض فلسطين عام ١٩١٧ فى نفس العام الذى احتلت فيه بريطانيا فلسطين وفى عام ١٩٢٣ أقرت عصبة الامم الانتداب البريطانى على فلسطين. وبالرغم من إنشاء الجامعة العربية عام ١٩٤٥ إلا انها فشلت فى تنفيذ استراتيجية عربية موحدة لتحرير فلسطين ولم يكن تشكيل جيش الانقاذ من سبع دول عربية عام ١٩٤٨ الا ديكورا من ٢٣ الف متطوع واسلحة فاسدة وبدائية أوهموا الفلسطينيين المنكوبين حينها انهم سيقاتلون عنهم مقابل مئة الف مجند ومجندة نظاميين ومدربين من العصابات الصهيونية ومزودين بكافة انواع الاسلحة ومصفحات ودبابات وطائرات مخلفات الاحتلال البريطانى التى سلمها للعصابات اليهودية حينها وكانت النتيجة احتلال اكثر من ثلاثة ارباع فلسطين عام ١٩٤٨ . وعندما صدقنا أنظمة العسكريتاريا عام ١٩٦٧ ضاعت كل فلسطين وجزء من دول الطوق العربية . وقد شكك البعض فى ان انشاء الجامعة العربية كان بايحاء من وزير خارجية بريطانيا حينها انتونى ايدن عام ١٩٤٣ . ولم يكن للجامعة دور يُذكر فى أى مشروع نهضوى عربى بل احيانا وجدناها عاملاً مساعداً للغرب وامريكا بزيادة الهيمنة على مقدرات الأمة العربية ، وتساوقت فى كثير من الأحيان قراراتها مع قرارات امريكا والغرب من خلال الامم المتحدة للانقضاض على أى نظام عربى يرغب فى التغيير نحو النهضة أو امتصاص نقمة الشعوب على أنظمة يدعمها الغرب وأمريكا. وأخيرا رأينا كيف أقرت الجامعة العربية مبادرتها فى بيروت عام ٢٠٠٢ بالاعتراف بالكيان الصهيونى ونزلت عن قرارات الامم المتحدة ٢٤٢ و٣٣٨ بتبادل اراضى مقابل ان تصنع اسرائيل سلاما مع العرب وتعطى الفلسطينيين دولة على جزء من اراضى ال٦٧ لكن شارون حينها بعث الى المجتمعين فى بيروت ان المبادرة العربية لا تساوى الحبر الذى كتبت به وكان رده عليها مذبحة جنين ودمار مخيمها ... وما وصل اليه حال بعض الانظمة العربية اليوم من تطبيع ونسج علاقات مع الكيان الصهيونى فى جميع المجالات فيما يتم التضييق على الفلسطينى وحرمانه دخول العواصم العربية يُسمح للصهاينة بالدخول اليها واقامة المشاريع والعمل والسياحة . واعلان صفقة القرن جاء صفعة قوية للنظام العربى الهزيل بفرض الاعتراف باسرائيل دولة يهودية بعد اتمام الضم للضفة الغربية والقدس والجولان واراضى ال٤٨ التى لم يعد الحديث عنها ارض فلسطينية بل أقرها اتفاق اوسلو كأرض اسرائيلية ، لتكون دولة الكيان دولة معترف بها عربيا وقد تكون فى المستقبل القريب عضوا فى الجامعة العربية وهى الان تعتبر جزء من التحالف السنى الامريكى الذى يعتبر ايران هى العدو المركزى لدول المنطقة .
٢- دعم الاحتلال البريطانى (١٩١٧ - ١٩٤٨) : منذ اصدار وعد بلفور باقامة وطن قومى لليهود على ارض فلسطين حتى خروج جيش الانتداب البريطانى من فلسطين والذى عمل على فتح باب الهجرة لليهود من كل العالم الى فلسطين وفى عام ١٩٤٨ خرج الانتداب من فلسطين - بعد تقوية شوكة العصابات الصهيونية - تاركا كل ما يملك من سلاح ثقيل وخفيف ومدافع ودبابات وطائرات وساعد فى تدريبات قتالية لعناصرها فى الوقت الذى عملت قوات الانتداب البريطانى جاهدة على ملاحقة الثوار الفلسطينيين واعتقالهم واعدامهم وحاولت اجتثاث المقاومة الفلسطينية حينها قبل الهجوم الكبير الذى شنته العصابات اليهودية على الشعب الفلسطينى واستخدمت كل ما فى جعبتها من وسائل قتل وحرق وبقر بطون النساء ودمار وتشريد وملاحقة .
٣- العلاقة العضوية - الاستراتيجية بين الولايات المتحدة الامريكية ودولة الكيان التى تقدم كل ما يحتاج اليه من دعم مادى ولوجستى وسياسى ومعنوى فى المحافل الدولية وحماية دولة الكيان من اى قرار اممى قد يكون فى غير صالحها باستخدام الفيتو الامريكى الذى كان ولا زال حاميا ومدافعا عن جرائم الاحتلال التى يرتكبها ليل نهار ضد الشعب الفلسطينى وأمريكا اول دولة فى العالم اعترفت بدولة الاحتلال بل انها تعتبرها الولاية الامريكية الحادية والخمسين واللوبى اليهودى فى امريكا هو الذى يسيطر على صانع القرار هناك من خلال سيطرة رجال المال والاعمال اليهود وايضا كبرى وسائل الاعلام فى امريكا التى تؤثر فى اتجاه الانتخابات الامريكية يمتلكها اليهود ، وتعتبر امريكا دولة الاحتلال هى اليد الطولى لها فى المنطقة العربية التى تكرس التجزئة والتبعية والضعف العربى وكل الادارات الامريكية المتعاقبة منذ قيام دولة الاحتلال داعمة اساسية للكيان الصهيونى وجاءت صفقة القرن لتثبيت اركان دولة الاحتلال الصهيونى على ارض فلسطين وتصفية القضية الفلسطينية واعلان يهودية الدولة التى يجب ان يعترف بها الفلسطينيون والعرب مقابل دولة فلسطينية بلا كيان ولا سيادة ولا مقومات دولة، وتشبه كل شئ الا الدولة .
٤- تجنيد العملاء : تعتبر دولة الاحتلال العملاء الذين يمدونها بالمعلومات ركناً اسياسيا من اجل الاستمرار فى الحفاظ على وجودها وحمايتها من اعدائها ، لذا لم تترك مكانا فى هذا العالم الّا وقد زرعت فيه لها جواسيس ،بداية من العدو المباشر لها الشعب الفلسطينى بكافة مكوناته وشرائحه من ضعاف الانفس الذين خضعوا للاغراءات والابتزازات والضغوطات الصهيونية واستخدمتهم المخابرات الصهيونية جواسيس على ابناء شعبهم ومقاومته ، وصولا الى زرع جواسيس فى البيت الابيض الذى يُعتبر الحليف والصديق الأعظم لدولة الكيان فى العالم مرورا بزرع الجواسيس فى الكرملين (البرلمان الروسى) ودول اوربا الشرقية قبل انهيار الاشتراكية ودول اوروبا الغربية وفى الدول العربية وافريقيا واسيا...
فقد شكلت عصابة الهاجناه جهاز الموساد منذ عام ١٩٣٥ قبل نشأة دولة الاحتلال . وساعد حينها فى تهجير اليهود من كل دول العالم . وتمت اعادة تنظيمه عام ١٩٥١ ليصبح تابعا لرئيس الوزراء وهو الجهاز المسؤول عن عمليات اغتيال كبار رجال المقاومة الفلسطينية فى الدول العربية والاجنبية وتصفية علماء مصريين وعراقيين وايرانيين ، وهناك تقارير غربية تؤكد ان جهاز الموساد الصهيونى هو اول جهاز مخابرات فى العالم يستكشف ويساعد على انهيار الامبراطورية الروسية قبل المخابرات المركزية الامريكية ال ( سى آى ايه) . ولا يزال يقوم الموساد حتى الان بعمليات التجسس ضد الدول المعادية والصديقة ، الى جانب جهاز الشاباك ( الأمن الداخلى فى حدود فلسطين) وجهاز أمان (جهاز الاستخبارات العسكرية) وليس غريبا أن الموساد هو الذى جلب مؤخرا ملايين فحوصات فيروس كورونا مؤخرا الى الكيان الصهيونى من دول لا تقيم علاقات سياسية مع دولة الكيان . وتعتبر دولة الاحتلال أن جهاز الموساد من اهم الادوات الاستراتيجية لمواجهة تحديات الامن القومى الصهيونى بمختلف أشكالها والنظرية الصهيونية تقول بأن اجهزة جمع المعلومات هى التى ادت الى قيام دولة الاحتلال ولها الفضل الاكبر فى تحقيق اهداف الدولة الصهيونية .
هناك عوامل قوة اخرى ساعدت فى نشأة دولة الاحتلال والاستمرار فى تراكم قوة المشروع الصهيونى وتثبيت وجوده على ارض فلسطين وهو ما يتعلق بالفلسطينيين أنفسهم بداية من التنازع العائلى على فرض النفوذ فى اوساط المجتمع الفلسطينى وتحالف بعض العائلات مع قوى خارجية عربية وأجنبية والتدخلات المستمرة من زعامة هذه العائلات لوقف انتفاضات الشعب الفلسطينى التى لم تتوقف ضد الاحتلال البريطانى والعصابات الصهيونية ، وما وصل اليه الوضع الفلسطينى من انقسام سياسى حاد بين مشروع المقاومة ومشروع التسوية السياسية التى اتخذت من مفاوضات السلام مع العدو الصهيونى مسارا سياسيا لها وانهيار المشروع الوطنى الفلسطينى التحررى الذى لم يعد جامعا للكل الفلسطينى .